لماذا لا يعني انسحاب أمريكا استعادة سيادة العراق؟

منذ 53 دقيقة

يحقّ للعراقيين عموما النظر إلى خروج آخر الجنود الأمريكيين من بلادهم باعتباره إغلاقا لتاريخ عنيف امتد، بصيغ مختلفة، منذ الغزو الذي جرى عام 2003، وخلّف مئات آلاف الضحايا، ودمارا سياسيا واجتماعيا ما تزال البلاد تنوء تحت أثقاله.
تحمل تسمية يوم خروج هذه القوات (الثلاثين من أيلول/سبتمبر 2026) بـ»يوم السيادة» مفارقات عديدة. يفترض في انسحاب «التحالف» أن يعني أن العراق أصبح دولة مكتملة السيادة، لكنّ هذا، في الحقيقة، لا ينطبق على واقع الحال. يزيل خروج الجيش الأجنبي واحدا من أبرز مظاهر انتقاص السيادة فعلا لكنه لا يحسم المسألة الحقيقية في معنى الكلمة: من الذي يملك القرار والقوة في العراق بعد رحيل الأمريكيين وتحالفهم؟
سؤال السيادة أكثر تعقيدا، بطبيعة الحال، من مجرد وجود جنود أمريكيين أو مغادرتهم، فهل تكون الدولة «ذات سيادة» إذا كانت جماعة مسلحة داخل حدودها تستطيع أن تهدد حكومتها وتقرر لنفسها من يستخدم، أو لا يستخدم، مجالها الجوي؟ وهل يصبح القرار عراقيا بمجرد خروج قوة خارجية إذا بقيت قوى مسلحة «داخلية» مرتبطة بمصالح دولة خارجية أخرى قادرة على فرض حدود على هذا القرار؟
مشكلة العراق أعمق أيضا من الصورة التي يحاول رئيس الحكومة علي الزيدي رسمها عن «حصر سلاح ميليشيات خارج الدولة»، فبعض هذه الجماعات أصبح يشكل مكوّنا رئيسيا في تركيب النظام السياسي العراقي عبر امتلاكه تمثيلا برلمانيا ونفوذا عسكريا وأمنيا داخل مؤسسات الدولة.
لخّص كاظم الفرطوسي، المتحدث باسم «كتائب سيد الشهداء»، هذه المسألة بوضوح حين قال إن «الحكومة هي نتاج ساهمنا نحن في صنعه»، وهو أمر يفترض أن ينزع من الحكومة قدرتها على الإيحاء بمسؤوليتها عن نزع أسلحة من جماعات متمردة. تواجه الحكومة العراقية، في الواقع، معضلة لا يمكنها حلها وهي تفكيك التداخل بين السلاح والسياسة ومؤسسات الدولة.
لا يبدو اعتبار ما حصل بعد الانسحاب «فراغا» أيضا، فإيران وحلفاؤها لم ينتظروا خروج القوات الأمريكية كي يدخلوا العراق. لقد تشاركت طهران، منذ الغزو الأمريكي للعراق، النفوذ مع الأمريكيين، وبخروجهم يسقط الآن أحد عناصر التوازن التي كانت تحد من اتساع النفوذ الإيراني. يفسّر هذا احتفاء إيران وحلفائها بالانسحاب واعتباره انتصارا لـ»جبهة المقاومة»، وهو ما عزز شعور عراقيين لا ينطوون تحت إطار المصالح الإيرانية من أن يتحوّل هذا الانتصار الرمزي إلى نفوذ أكبر للفصائل في صناعة القرارات السياسية والأمنية.
في المقابل، لا تعني مغادرة القوات الأمريكية انتهاء نفوذ واشنطن بل تعني انتقالا من الحضور العسكري المباشر إلى أدوات أخرى تركز على التعاون الأمني وتبادل المعلومات الاستخباراتية ومشاركة قدرات الاستطلاع الإقليمية، فضلا عن بقاء العراق ضمن الشبكة الأمريكية الواسعة للنفوذ المالي الذي يمكن صرفه سياسيا، وهو ما يفسّر التصريحات الأمريكية عن اعتبار المرحلة التالية انتقالا إلى علاقة أمنية طويلة الأمد وليس قطيعة مع العراق.
تكشف مخاوف الأكراد والسنّة وجها ثالثا للمشكلة، وهو ما عبّر عنه بشكل ضمنيّ تصريح لشيخ عشيرة سنّي من الفلوجة عن تأييده «السيادة الكاملة» للدولة، وتخوّفه، في الوقت نفسه، من كون العراق غير مستعد بعد «لملء الفراغ الأمني»، كما عبّر عنه مسؤولون كرد حذّروا من فقدان قدرات الاستخبارات والمراقبة والدفاع الجوي ومن استغلال تنظيم «الدولة» لهذه الثغرات الأمنية والعسكرية.
لا يمثّل الثلاثون من أيلول، ضمن السياق الآنف، اكتمالا للسيادة العراقية بأي حال، بقدر ما يمثّل بداية امتحانها الحقيقي، فالسيادة ليست خروج القوات الأجنبية فحسب، بل احتكار الدولة للسلاح، وقدرتها على حماية أرضها وأجوائها، وامتلاكها قرارها السياسي… بعيدا عن واشنطن وطهران معا.
السؤال الأصعب بعد خروج القوات الأمريكية هو: هل تنتقل القوة التي تركها الأمريكيون خلفهم إلى الدولة العراقية، أم ستصبح نهبا للتنازع بين قوى راغبة في جعل العراق ساحة لصراع الآخرين؟

✎

فريق تحرير الحدث الإخبارية

فريق التحرير في الحدث الإخبارية — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق