أمريكا تنهي حربها الأبدية في العراق تاركة بلدا مضطربا وفرحة في طهران

منذ ساعة

لندن- “القدس العربي”: نشرت صحيفة “وول ستريت جورنال” تقريرا أعده كل من  جاريد مالسين وسانغار خليل قالا فيه إن أمريكا أنهت، بعد انقضاء أكثر من 23 عاما وإنفاق 1.7 تريليون دولار، ما وصفه النقاد بـ“حربها الأبدية” في العراق، حيث أغلقت يوم الأربعاء آخر قاعدة عسكرية أمريكية رئيسية.

ولكن انسحاب الجيش الأمريكي، لا يعني نهاية الاضطرابات. فالحرب الأمريكية المفتوحة مع إيران تدفع البلاد نحو مزيد من الصراع، إذ يترك الانسحاب الأمريكي وراءه بلدا تزداد فيه قبضة الميليشيات المدججة بالسلاح إحكاما.

وقد أفادت صحيفة “وول ستريت جورنال” بأن مسلحين وقوات إيرانية شنوا أكثر من 600 هجوم على منشآت دبلوماسية وعسكرية أمريكية في العراق خلال الشهرين الأولين من الحرب.

وفي مؤشر على حالة عدم الاستقرار في العراق، باتت السفارة الأمريكية في بغداد تصدر تحذيرات أمنية متكررة للأمريكيين وغيرهم، منها  تحذيران أسبوعيا يتعلقان بخطر الاختطاف على يد مسلحين. وقد غادر فريق تابع للصحيفة بغداد على نحو مفاجئ هذا الشهر بعد تحذيرات من مسؤولين عراقيين وأمريكيين وأوروبيين بشأن تهديد أمني، قال مسؤولون أمريكيون لاحقا إنه خطر اختطاف من قبل ميليشيا شيعية.

وأشارت الصحيفة إلى دور الميليشيات المدعومة من إيران في العراق، حيث جددت طهران دعمها لها منذ أن بدأت الولايات المتحدة حملة قصف ضد إيران في شباط/ فبراير، وذلك وفقا لما ذكره مسؤولون أمريكيون حاليون وسابقون وخبراء في مجال الدفاع.

وقال مسؤول أمريكي بأن تدفق الأسلحة الخفيفة والمسيرات والصواريخ قصيرة المدى وصغيرة القطر من إيران كان قد تباطأ في البداية بينما كانت طهران تركز على مواجهة الولايات المتحدة، إلا أنه عاد ليتصاعد خلال الصيف الجاري. وأشار المسؤول إلى أن الهجمات الأخيرة شملت صواريخ ومسيرات ذات مدى أبعد، مما يلمح إلى ترقية خطيرة في القدرات التسليحية.

ورحبت إدارة ترامب بتولي علي الزيدي الذي لم يشغل أي منصب عام قبل تعيينه رئيسا للوزراء في أيار/ مايو، معتبرة إياه شخصية يمكن التعامل والعمل معها، فهو يمتلك مصرفا وشركة تأمين، بالإضافة إلى شركات تعمل في مجالي الإعلام والبناء.

وكانت وزارة الخزانة الأمريكية قد حظرت على مصرفه إجراء معاملات بالدولار في عام 2024، وذلك للاشتباه في تورطه بتمويل إيران والجماعات التابعة لها، وهي تهم نفاها الزيدي مؤكدا عدم علمه بمثل هذه المعاملات.

وتعول إدارة ترامب على الزيدي في نزع سلاح الجماعات المسلحة التي تضم عشرات الآلاف من العناصر، بما في ذلك فصائل شبه عسكرية تتلقى التمويل أو السلاح من إيران.

وفي المقابل، قوبلت هذه الفكرة باستهزاء من أطراف أخرى، إذ قال كاظم الفرطوسي، المتحدث باسم “كتائب سيد الشهداء” – وهي جماعة شبه عسكرية تمولها وتسلحها إيران وتصنفها الولايات المتحدة منظمة إرهابية، إن “هذه الأسلحة هي ضمانة لسيادتنا وحريتنا”.

وأضاف في مقابلة أجريت معه في بغداد أن نزع السلاح قسرا من قبل الحكومة “أمر لن يحدث”، فجماعته وميليشيات أخرى تشغل مناصب عليا في الوزارات، فضلا عن امتلاكها عشرات المقاعد في البرلمان العراقي، حيث لعبت دورا محوريا في اختيار الزيدي خلال المفاوضات التي أعقبت انتخابات العام الماضي.

وقال: “الحكومة هي نتاج ساهمنا نحن في صنعه”.

يتحدث الزيدي ونوابه الآن عن تأجيل الموعد النهائي لنزع السلاح، المقرر اليوم الأربعاء، إلى العام المقبل.

وذكر مسؤول أمريكي بارز أن الولايات المتحدة أوضحت للعراق أهمية الحفاظ على سيادته ومنع الهجمات التي تشنها ميليشيات مدعومة من إيران انطلاقا من أراضيه. كما قال مسؤول في البنتاغون بأن الولايات المتحدة بصدد إنهاء عملياتها العسكرية الرسمية، لكنها ستحتفظ بقدرات استخباراتية واستطلاعية وغيرها في المنطقة يمكن استخدامها داخل العراق.

وكانت الفوضى التي أعقبت الغزو الأمريكي قد قدمت فرصة لإيران لتوسيع نفوذها في العراق. وساعد الحرس الثوري الإسلامي الإيراني في تنظيم جماعات مسلحة هاجمت القوات الأمريكية بهدف إخراج الولايات المتحدة من العراق.

وبعد انتهاء المرحلة الرئيسية من الحرب، سحبت الولايات المتحدة قواتها عام 2011. ولكنها عادت بعد ثلاث سنوات، لقتال تنظيم الدولة، وبقيت القوات الأمريكية في العراق. وبحلول ذلك الوقت، كانت الميليشيات المدعومة من إيران قد رسخت أقدامها. فبعد المساعدة في قتال تنظيم الدولة، دمجت بعض الميليشيات في النظام السياسي العراقي وشكلت أحزابا سياسية كان لها دور في اختيار رئيس الوزراء. كما تولى عناصر من هذه الميليشيات مناصب مؤثرة في وزارة التعليم وهيئة الضرائب والجمارك.

وقال الفرطوسي، المتحدث باسم ميليشيا “كتائب سيد الشهداء”، إن منظمته وجماعات مسلحة أخرى تعمل غالبا بشكل مستقل عن إيران، وإنها شهدت نموا هذا العام. وأضاف: “لقد ازدادت فصائل المقاومة قوة لأنها تتعامل مع الحدث الأهم في العالم، وهو الحرب الأمريكية مع إيران”، متابعا: “الولايات المتحدة هي التي دفعتنا إلى هذه الحرب”. وقد كان اختيار الزيدي لمنصب رئيس الوزراء بمثابة حل وسط؛ إذ حذر ترامب من أنه سيقطع المساعدات الأمريكية عن العراق عندما طرح اسم نوري المالكي، وهو رئيس وزراء سابق مقرب من إيران للمنصب في كانون الثاني/ يناير.

وفي هذا الصدد، قال ديفيد شنكر، مساعد وزير الخارجية السابق لشؤون الشرق الأدنى: “يبدو أنهم يريدون التحول إلى العمل الشرعي فهم يرغبون في قضاء العطلات في فرنسا بصحبة عائلاتهم”.

وحتى لو قرر الزيدي مواجهة المسلحين، فإنه سيواجه احتمالات ضئيلة للنجاح؛ فالجيش العراقي، الذي يعاني من نقص التمويل، كان قد انهار أثناء قتاله لتنظيم الدولة عام 2014. أما جهاز مكافحة الإرهاب في البلاد، وهو قوة دربتها الولايات المتحدة فكان يضم نحو 14,000  جندي بحلول عام 2024، وهو عدد يقل عن أعداد عناصر الميليشيات.

وقالت فيكتوريا تايلور، وهي مسؤولة سابقة بارزة في وزارة الخارجية غادرت منصبها هذا العام بعد العمل على ملفات العراق، إن الاعتقاد بأن الزيدي قادر على نزع سلاح الميليشيات في غضون أشهر كان “طلبا مستحيلا”.

وذكر مسؤول دفاعي أمريكي أن الجيش يقوم بنقل المعدات والأفراد جوا من أربيل، حيث توجد آخر قاعدة عسكرية أمريكية وذلك للوفاء بالموعد النهائي المحدد يوم الأربعاء. ووفقا لمسؤولين أمريكيين حاليين وسابقين، ستبقى مجموعة من مشاة البحرية الأمريكية (المارينز) لحماية البعثات الدبلوماسية الأمريكية، إلى جانب متعاقدين لصيانة أسطول العراق من مقاتلات “إف-16” والدبابات أمريكية الصنع.

كما أفاد مسؤولون أمريكيون حاليون وسابقون بأن الجيش قد سحب بالفعل بطارية دفاع جوي من طراز “باتريوت” كانت متمركزة حول أربيل. ومن المرجح أن تركز الولايات المتحدة ما تبقى لديها من أنظمة دفاع جوي لحماية السفارة الأمريكية في بغداد والقنصلية في أربيل، وذلك رغم استمرار الهجمات التي تشنها إيران والميليشيات.

وقالت تايلور، المسؤولة السابقة: “توجد هذه الميليشيات لأن إيران تريد لها أن تكون موجودة، ولأن إيران ترى فائدة مستمرة في استخدامها كأداة وورقة ضغط ضد الحكومة العراقية والولايات المتحدة في المنطقة”. وأضافت: “سيظل هذا هو الحال حتى بعد انسحاب القوات الأمريكية”.

من جهتها، قالت صحيفة واشنطن بوست” في تقرير أعده مصطفى سالم وأليكس هورتون إن الولايات المتحدة ستسحب آخر جندي لها من العراق، تاركة إيران المنهكة، ولكن ذات النفوذ المتزايد، في قلب مستقبل المنطقة.

وأضافت أن هذا الانسحاب ينهي اتفاقية إدارة بايدن أبرمتها عام 2024 لإنهاء الوجود العسكري الأمريكي في العراق تماما بحلول هذا العام. وقال مسؤول أمريكي إن عدد القوات الأمريكية وقوات التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق بلغ مؤخرا نحو 1,500 جندي، وذلك في إطار عملية توحيد القوات ومغادرتها قبل الموعد النهائي المحدد في 30 أيلول/سبتمبر. وأضاف المسؤول، الذي تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته، أن هذه المهمة ستستمر في الأردن، حيث يقول البنتاغون إنه يستطيع من خلالها استهداف المسلحين الذين يشكلون تهديدا للأفراد والمصالح الأمريكية.

ولاحظت الصحيفة أن إعادة انتشار القوات الأمريكية كان حدثا هادئا في واشنطن. فقد خلف غزو عام 2003 خسائر بشرية ومالية فادحة ستستمر آثارها لأجيال. وقتل ما يصل إلى 210,000  مدني عراقي بين الغزو وعام 2023، إلى جانب 4,599 جندي أمريكي، وفقا لإحصاءات مشروع تكلفة الحرب بجامعة براون. وبلغ عدد القوات الأمريكية في العراق نحو 170,000 جندي في ذروة الحرب عام 2007، حين خرج العنف الطائفي عن السيطرة. وتقدر جامعة براون أن عقود الصراع كلفت دافعي الضرائب الأمريكيين أكثر من 2.8 تريليون دولار، بما في ذلك تكاليف رعاية المحاربين القدامى والعمليات العسكرية في سوريا.

وقد اعتبر الانسحاب الأمريكي انتصارا في إيران، التي لطالما استغلت حالة عدم الاستقرار في العراق، فزرعت في الحكومة مسؤولين موالين لها، وسلحت ميليشيات وسعت نفوذ طهران.

وعلق محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان الإيراني، على الانسحاب الأمريكي الشهر الماضي خلال زيارة دبلوماسية إلى بغداد شملت زيارة إلى الموقع الذي قتل فيه القائد الإيراني قاسم سليماني في غارة أمريكية عام 2020. وقال في مؤتمر صحافي: “جبهة المقاومة هي المهيمنة الآن”، في إشارة إلى الجماعات السياسية والعسكرية الإيرانية العابرة للحدود.

ويرى مارك كانسيان، كبير مستشاري مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، أن إيران قد تستفيد من الانسحاب الأمريكي، لكن سلوكها الأخير في المنطقة أدى أيضا إلى تحالفات غير متوقعة ضد طهران، تشكل تحديا لسلطتها. وأوضح كانسيان أن عملية 2003 التي أطاحت بصدام حسين أغرقت العراق في الفوضى، وقضت على خصم طهران على حدودها الغربية.

لكن استهدافها للدول التي تستضيف القوات الأمريكية خلال الحرب الإيرانية دفع دولا عديدة، كالسعودية، إلى التقارب مع إسرائيل، وفقا لكانسيان، مما خلق حصنا كان “لا يتصور” قبل عقود. وقال: “هذا دعم كبير للولايات المتحدة، لأننا لطالما واجهنا صعوبة في تحقيق التوازن بين العرب والإسرائيليين”.

✎

فريق تحرير الحدث الإخبارية

فريق التحرير في الحدث الإخبارية — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق