لم تكن مشاركة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك مجرد حضور بروتوكولي لرئيس حكومة عراقية جديدة في المحفل الدولي الأوسع. فالزيارة جاءت في لحظة إقليمية استثنائية، تتقاطع فيها الحرب الأمريكية ـ الإيرانية مع اضطراب طرق تصدير النفط، وتصاعد نشاط الجماعات المسلحة في المنطقة، واقتراب انسحاب ما تبقى من القوات الأمريكية من العراق.
منذ البداية بدا أن ملف حصر السلاح بيد الدولة سيكون العنوان الأكثر ثقلا، فالزيدي وصل إلى نيويورك بعدما كان قد وضع 30 سبتمبر موعدا لبدء معالجة سلاح الفصائل، وهو التاريخ نفسه المقرر لانسحاب القوات الأمريكية المتبقية. لكن مقاومة بعض الجماعات المسلحة للمهلة، دفعت الحكومة إلى إعادة صياغة الجدول الزمني: إذ ستبدأ العملية بمرحلة تهدئة تمتد تسعين يوما، تمتنع خلالها الفصائل عن شن الهجمات مقابل ضمانات بعدم استهدافها، ثم تبدأ عملية تسليم السلاح وإنهاء وجود الجماعات المسلحة ككيانات مستقلة، وصولا، وفق الخطة المعلنة، إلى 30 يونيو 2027.
في نيويورك أصبح هذا الملف محورا رئيسيا في الحوار العراقي ـ الأمريكي. ففي لقاء الزيدي بوزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، أكد الجانب العراقي عزمه المضي في حصر السلاح بيد الدولة، بينما شدد الجانب الأمريكي على تفكيك الجماعات المسلحة ومنع استخدام الأراضي العراقية لشن هجمات خارج الحدود. ثم جاء لقاء الزيدي بالرئيس دونالد ترامب، ليضع القضية في مستوى سياسي أعلى؛ إذ تناولت المباحثات، حسبما أعلن لاحقا، التعاون السياسي والاقتصادي والاستثماري، إلى جانب الأمن الإقليمي. وأعلن روبيو بعد اللقاءات أن واشنطن لا تشكك في التزام رئيس الوزراء العراقي بمعالجة الملف، لكنها ترى المهمة كبيرة ومعقدة.
عرض الزيدي في نيويورك تصورا لعراق يريد استعادة مركز الدولة في الداخل وبناء شبكة مصالح في الخارج؛ أما تحويل هذا التصور إلى سياسة فعلية فهو الملف الأصعب الذي عاد به إلى بغداد
لكن مفهوم السيادة الذي حاول الزيدي تقديمه في نيويورك لا يمكن اختزاله في الفصائل الموالية لإيران. فإذا كانت الدولة تطالب بحصر السلاح داخل مؤسساتها، فإن المنطق نفسه يضع على جدول أعمالها أشكال الوجود العسكري الأجنبي الأخرى. ومن هذه الزاوية تكتسب مباحثات الزيدي مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أهمية خاصة، فقد انتهى اللقاء إلى اتفاق على نقل قاعدة الجيش التركي في بعشيقة تدريجيا إلى السلطات العراقية، إلى جانب العمل على تثبيت سلطة الدولة في سنجار وإنهاء وجود العناصر المسلحة الأجنبية غير القانونية هناك، مع توسيع التعاون التجاري والاستثماري وتسريع مشروع طريق التنمية. هذا التطور مهم لأنه يمنح خطاب «السيادة» معنى أوسع من كونه استجابة لمطلب أمريكي بنزع سلاح الفصائل. فصدقية هذا الخطاب عراقيا تتوقف على تطبيق مبدأ واحد على الجميع: لا سلاح مستقل عن الدولة في الداخل، ولا وجود عسكري خارجي مفتوح بلا ترتيبات واضحة مع الحكومة. وبذلك يصبح التحدي الحقيقي أمام حكومة الزيدي هو، تحويل السيادة من شعار سياسي قابل للاستخدام الانتقائي إلى قاعدة ثابتة لإدارة الدولة وعلاقاتها الإقليمية.
الملف الثاني الذي حمله رئيس الوزراء معه كان الاقتصاد. والحقيقة أن الفصل بينه وبين الملف الأمني يكاد يكون مستحيلا. فالزيدي نفسه ربط بناء اقتصاد مستقر بحصر السلاح، في وقت تعرضت فيه المالية العراقية لضغوط قاسية بسبب الحرب واضطراب الملاحة في مضيق هرمز، وحسبما عرضه، خسر العراق نسبة كبيرة من إيرادات صادراته الشهرية، الأمر الذي أعاد طرح واحدة من أقدم نقاط ضعف الاقتصاد العراقي: الاعتماد الكبير على النفط، ثم الاعتماد داخل هذا الاعتماد على طرق تصدير محدودة يمكن أن تتحول في لحظة أزمة إقليمية إلى نقطة اختناق. وهنا أيضا يعود ملف السلاح من الباب الاقتصادي. فرأس المال الخارجي لا يقرأ البيانات الحكومية وحدها؛ إنه يقرأ قدرة الدولة على تطبيق القانون، ويحسب مخاطر الصراع، ويسأل عمن يمتلك القرار الأمني، وما إذا كانت البنية التحتية وطرق التجارة والطاقة يمكن أن تصبح أهدافا في مواجهة لا تقرر الحكومة العراقية بدايتها أو نهايتها. ولذلك فإن محاولة الزيدي تسويق العراق باعتباره نقطة التقاء اقتصادي بين القوى المتنافسة ستظل مرتبطة بقدرته على جعل الدولة نفسها نقطة القرار السياسي والأمني.
لقد جاءت زيارة نيويورك أيضا في ظرف إقليمي لا يسمح للعراق بالعودة ببساطة إلى الصيغة القديمة القائمة على «التوازن» بين واشنطن وطهران، ففي مراحل سابقة كان ممكنا لبغداد إدارة علاقات متوازية مع الطرفين، مستفيدة من عدم وصول التنافس بينهما إلى حرب مفتوحة. أما اليوم فقد أصبح العراق قريبا من خطوط الاشتباك، فيما أثرت الحرب مباشرة في صادراته وإيراداته وأمنه الداخلي. وكانت الجمعية العامة نفسها منعقدة بينما تتصدر الحرب الأمريكية ـ الإيرانية، والقتال في اليمن، والعمليات الإسرائيلية في غزة ولبنان، واضطراب الممرات البحرية، جدول أعمال قادة المنطقة. من هنا تبدو العبارة التي استخدمها الزيدي عن رغبته في أن يكون العراق «نقطة التقاء لا ساحة للعداء» أكثر من صياغة دبلوماسية جميلة. إنها في الحقيقة تلخص المعضلة العراقية الراهنة كلها: كيف يمكن لبلد يقع جغرافيا وسياسيا بين قوى متصارعة أن يحافظ على علاقاته معها، من دون أن يتحول إلى إحدى ساحات صراعها؟ وكيف يمكنه الاستفادة من موقعه بين إيران وتركيا والخليج والعالم العربي والولايات المتحدة بدلا من دفع ثمن هذا الموقع؟
ولم يمر ظهور الزيدي الأول على منبر الجمعية العامة من دون جدل عراقي داخلي، إذ انشغل جانب من النقاش على منصات التواصل بطريقة إلقائه أكثر مما انشغل بمضمون خطابه. وانتقد معلقون بطء القراءة وتعثرها في بعض المواضع والخلل في نطق مخارج بعض الكلمات، ورأوا أن رئيس الحكومة كان يحتاج إلى أداء أكثر تمكنا في محفل دولي بهذا الحجم. فيما ذهب آخرون إلى أن الحكم على حضوره من زاوية الفصاحة والإلقاء يحجب ما حملته الكلمة من رسائل سياسية واضحة. غير أن نيويورك تستطيع أن تمنح الحكومات المنابر واللقاءات والصور والوعود، لكنها لا تستطيع أن تمنحها القدرة على التنفيذ. وهذه هي المسافة التي سيُقاس بها ما تحقق في زيارة الزيدي. الاتفاق على إعادة بعشيقة تطور ملموس إذا نُفذ، وفتح أبواب الاستثمار ضروري إذا تحولت التفاهمات إلى مشاريع، وجدولة معالجة سلاح الفصائل قد تكون محاولة واقعية لتجنب الصدام إذا أفضت بالفعل إلى احتكار الدولة للقوة. أما إذا بقيت المواعيد قابلة للتمديد، والسيادة موزعة بين مراكز قوة متعددة، والاقتصاد رهينة الممرات والأزمات الإقليمية، فستتحول زيارة نيويورك إلى محطة أخرى في سلسلة طويلة من الوعود العراقية.
لهذا فإن السؤال الأهم بعد عودة الزيدي من نيويورك ليس عدد الرؤساء والوزراء الذين التقاهم، ولا حجم الحضور الذي حققه العراق على هامش الجمعية العامة. السؤال هو ماذا يستطيع أن يفعل في بغداد بما قاله في نيويورك. فهناك، لا في قاعات الأمم المتحدة، سيُختبر الوعد بحصر السلاح، وستظهر حدود التفاهم مع الفصائل، ويتضح مصير الترتيبات مع تركيا والولايات المتحدة، وتُقاس قدرة الحكومة على جذب الاستثمار وحماية الاقتصاد من حروب الجوار. لقد عرض الزيدي في نيويورك تصورا لعراق يريد استعادة مركز الدولة في الداخل وبناء شبكة مصالح في الخارج؛ أما تحويل هذا التصور إلى سياسة فعلية فهو الملف الأصعب الذي عاد به إلى بغداد.
كاتب عراقي











0 تعليق