«صباح الورد»… رؤية نجيب محفوظ للمجتمع المصري

منذ ساعة

تمر هذه الأيام الذكرى العشرون، للأديب نجيب محفوظ صاحب المكانة الرفيعة في تاريخ الأدب العربي الحديث، ومطالعة أدب نجيب محفوظ تكشف أن مصر حاضرة دوماً في أعماله، فهي البطل الأول والأكبر في أدبه، فقد اعتنى محفوظ أيما عناية بسرد مراحل تاريخ مصر السياسي والاجتماعي في أعماله، كما عمل على سبر أغوار آفاتها السياسية، وهمومها الروحية، وتمزقاتها الفكرية والنفسية، وتحليل عناصر شخصيتها الحضارية، فكان إنتاجه مرآة تاريخية للمشهدين السياسي والاجتماعي في تاريخ مصر الحديث، فقد وصف رجاء النقاش أدب محفوظ قائلاً:
«لا يُمكننا أبداً أن نفهم مصر، وتاريخها الحديث خلال القرن العشرين كله، وهو قرن مليء بالأهوال والأحداث الكبرى.. أقول، لا يُمكننا أن نفهم مصر أبداً، من دون أن نقرأ نجيب محفوظ، حتى لو قرأنا مئات الكُتب في التاريخ، والاقتصاد، والسياسة».
على سبيل المثال، كتب نجيب محفوظ قصة بعنوان «صباح الورد»، نُشِرَت عام 1987 ضمن مجموعة قصصية حملت الاسم نفسه، وكانت أشبه بعمل إبداعي توثيقي، أو توثيق أدبي رفيع، لتجربة نجيب محفوظ الذاتية عندما انتقلت أسرته من حي الجمالية، إلى شارع الرضوان في حي العباسية، في مطلع عشرينيات القرن العشرين، عندما كان محفوظ حينذاك يودع عهد الطفولة، ويدلف بخطواته الأولى إلى مرحلة المراهقة. وصف نجيب محفوظ مشهد شارع الرضوان في تلك الحقبة بقوله: «والنَقلة من الجمالية إلى العباسية في ذلك الزمان، تُعتَبَر وثبة من القرون الوسطى إلى أعتاب العصر الحديث.. توارت الحارة والأزقة بعبيرها العنبري، ومصابيحها الغازية، وعرباتها الكارو، وملاءاتها اللف، والجِبَب والقفاطين والعِمَم، وتلقانا الرضوان مُلتقى الريف والمدينة، بعصرية مُقتحمة، مُهدياً إلينا المياه، والكهرباء، والصرف الصحي، وسرعان ما استبدلت بالجلباب البيجاما، والكرة بالسيجة، والجري وراء عربة الرش». كما وصف أجواء الشارع في تلك الفترة، بأنه «كان يستكن في حُضن الهدوء الشامل، مُحاذياً في حبورٍ الحقول والحدائق، يثمل بمناجاة يومية مع أشجار الحناء، والياسمين، والتين، والخضروات، وخرير السواقي، مَزهواً ببيوته المُهندَمَة، ذات الحدائق الخلفية الصغيرة».

تقمص محفوظ شخصية الترجمان لشارع الرضوان، مُفسحاً له المجال كي يروي حكايته قائلاً: «هو صاحب الحكايات الأول، فهو الذي ضم البيوت يميناً ويساراً، وعلى سطحه التقى الصبية ليبدأوا عهد صداقة دائمة، وفي أركانه ذهب الأبطال وجاءوا، وفي جنباته تطايرت الأخبار وانتشرت، ولو لم يُصدق من رواياته إلا نصفها لكفى، بالإضافة إلى أن الزمن كان يُنقيها من الشوائب، ويسندها بالشواهد». قدم محفوظ في «صباح الورد» سردية قصصية اجتماعية سياسية فكرية، تضافرت خيوطها بتفاعل المكان، والزمان، والإنسان، عبر حكايات 15 عائلة كانت تقطن الشارع، بسرد حكاية كل عائلة، وتسليط الضوء على شخصية بعينها، لمغزى معين، وقد غطت السردية حقبةً زمنيةً تجاوزت نصف قرن، عبر أجيال الآباء، والأبناء، والأحفاد، وكانت تلك العائلات كما وردت في القصة على وجه الترتيب، آل إسماعيل، آل مراد، آل القربي، آل الجمحي، آل مكي، آل قيسون، آل حسب الله وفرج، آل شكري بهجت، آل السناوي، آل الفنجري، آل الكاشف، آل ضرغام، آل العلوي، آل كناشة، آل عديلة الحرة.

حملت حكايات شارع الرضوان شخصيات مُتعددة المشارب الفكرية، والسياسية، مُتنوعة في خلفياتها الاجتماعية، والوظيفية، خلال الأربعينيات والخمسينيات، فقدم محفوظ شخصيات مثلت الليبرالية الوطنية التي انحازت للوفد حزب الأغلبية آنذاك، وأخرى مثلت الليبرالية الأوتوقراطية وانحازت لأحزاب الأقلية، وشخصية دفعتها مصالحها إلى موالاة القصر والملك. وشخصية مثلت «عساكر» انقلاب 23 يوليو/تموز 1952 وصورت انقلاب أحوالهم والتغيير الذي طرأ على تركيبتهم النفسية مع انتقالهم بغتةً من الظلال إلى الأضواء، وصعودهم المباغت، من دون أي مبرر منطقي، إلى سدة السلطة، فقد وصفه محفوظ وصفاً بديعاً بأنه تلبسته هيئة عَظمة في أيامٍ معدودةٍ وكأنه صاحب الأرض ومن عليها، ما دفع محفوظ إلى الاستنتاج، الذي كان أشبه بنبوءةٍ، أن ذلك الشخص ورفاقه في ثورتهم، يمثلون مصر المقهورة في معاناة مشاعرها بالنقص، ولكن يُخشَى أن ينقلب الأمر في ذواتهم إلى مُركب عَظمة، ولا يجدوا من يمارسونه عليه إلا المصريين التُعساء.

في المقابل ثمة شخصية في القصة مثلت جماعة الإخوان المسلمين ومشاهد صداماتها المُتكررة المُتشابهة إلى درجة التطابق مع الدولة المصرية في العهديْن المَلَكي والجمهوري، كان ضابطَ شرطة، والمفارقة المأساوية أنه قُتِلَ برصاص جنوده في مطاردةٍ مثيرةٍ بعد انكشاف أمره في صدام الجماعة مع الدولة في الأربعينيات. كما تعرض محفوظ لشخصيات مثلت الفِكر التنويري المُتغرب المُنسلِخ من الهوية الحضارية، المُبتعد عن القيم الدينية، والذي قُوبل برد فعلٍ عنيفٍ في وقتٍ لاحقٍ تمثل في ظهور شخصية مثلت الفِكر التكفيري المُتطرف، في جيل الأحفاد للعائلة نفسها، كما وردت شخصيات أُضيرَت بشدة من سياسة المصادرات والتأميمات في الستينيات، وأخرى أُثريَت من ممارسة أنشطة طفيلية في عهد الانفتاح في السبعينيات. جمع الشارع كل ألوان الطيف في المجتمع المصري، فقد ضم العائلة المحافظة، والعائلة المُنفتحة، والعائلة المُتدينة، والعائلة المُتفرنجة، والعائلة ذات الأصول التركية، والعائلة ذات الأصول الريفية، والعائلة الثرية الأرستقراطية، والعائلة الفقيرة الشعبية، مع عائلات كانت في منطقة وسطى بين الطبقيتيْن مثلت البورجوازية المصرية في نُسختها الكلاسيكية في أعقاب ثورة 1919، وكل هذا مع اختلاف نظرة كل عائلة لطريق التحديث والتقدم، المتوازية مع اختلاف درجة علاقتها بالدين، واختلاف نظرتها للمرأة، وانعكست هذه الاختلافات بطبيعة الحال على اختلاف الذائقة الأدبية والفنية بين جيل الشباب، الذين كانوا يفاضلون حينذاك بين الرافعي والعقاد.

المفارقة اللافتة أن أجواء الحرية والتنوع، التي اتسمت بها الحقبة الليبرالية ذات الطبيعة التعددية، سمحت لكل تلك العائلات أن تعيش متجاورة متآلفة، وأن تجتمع على صيغة للتعايش والائتلاف، بل والاندماج، رغم كل الاختلافات والتباينات في ما بينها، من دون جنوح أي طرف لإقصاء المُختلف معه بأي صورة من الصور، لكن في حقبةٍ لاحقةٍ تغيرت الأجواء، بعدما أحكمت الدولة قبضتها على المجتمع، وأجهزت على كل ملامح المرحلة الليبرالية، فلم تعد صيغة التعايش القديمة قائمة، ثم جاءت حقبة السبعينيات وطفت على السطح الفوارق الطبقية، والحواجز الفئوية، وظهرت رغبات الإقصاء والتطرف، بالتزامن مع الانفتاح وتدهور الطبقة الوسطى التي عضها الفقر بأنيابه، وطمس ملامحها القديمة.

الرسالة الضمنية التي مررها محفوظ في «صباح الورد»، أن الثروة الحقيقية لمصر تكمن في تنوع مكونات المجتمع المصري، وتعدد مشاربه الفكرية والسياسية، فالتنوع يحمل دلالات الحيوية، والثراء الحضاري، وهو تنوع قائم على التجانس والتعايش، وأن الإجهاز على هذا التنوع بمحاولة وضع المجتمع في قالبٍ مُصمَتٍ، وتكبيل حركته، وتنميط مكوناته، بإعلاء الصوت الواحد والرأي الواحد، وإدخال المجتمع إلى حظيرة ضيقة، تحت شعارات ضرورة الاصطفاف والتوحد، سواء كان هذا باسم الوطنية، أو باسم الدين، هو تبديد لهذه الثروة وإهدار لمقدراتها.
مع مرور الزمن تغيرت ملامح الشارع تماماً وتدهورت أحواله، وانقلبت أجواؤه، فلم يبقَ منه سوى موقعه القديم، بعدما توارى اللون الأخضر وانقلبت بيوته عمائر، وهجره سكانه القدامى، وتحولت الحدائق إلى أرض فضاء تُباع فيها الخُردة ومخلفات السيارات، مع حضور التلوث السمعي بالضجيج الهائل المُغلف بالغبار والعنف والسباب، والتلوث البصري بأكوام القمامة المترامية كالتلال في الأركان. عندما كان يشده الحنين لزيارة شارعه القديم، كان يشعر بغربةٍ تجاه عالمٍ غريبٍ لا عهدَ له به، واصفاً حاله «لا أعرف أحداً ولا أحد يعرفني»، متسائلاً في حيرةٍ بالغةٍ: أين المغاني التي شهدت أعذب المودات وأجمل قصص الحب؟! مُختتماً قصته بعبارة تفيض أسفاً: «وإنها لنقمة أن تكون لنا ذاكرة، ولكنها أيضاً النعمة الباقية».

كاتب مصري

✎

فريق تحرير الحدث الإخبارية

فريق التحرير في الحدث الإخبارية — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق