في عام 1992 نشر الأكاديمي الأمريكي ذو الأصول اليابانية فرانسيس فوكوياما كتابه «نهاية التاريخ والإنسان الأخير». لم يكن فوكوياما، الذي كان حينها لم يتجاوز عامه الأربعين، يعلم أن كتابه ذاك سوف يخلق ضجة كبيرة ويكون محل نقاش لعقود قادمة بسبب النظرية، التي قدمها، والتي تتمحور حول فكرة أن الإنسانية قد وصلت لنهاية الطريق، وأنه لم يعد لها من جديد تقدمه بعد سقف الديمقراطية الليبرالية الرأسمالية.
كان فوكوياما حينها متأثرا بسقوط الاتحاد السوفييتي وتفكك المعسكر الشرقي، وهو يذكر بأن مقاله الأول حول هذا الموضوع كان في 1989، حيث دفعته تلك التطورات لاعتبار أن هذه النهاية المفاجئة لروسيا الشيوعية تعني نجاح النموذج الغربي، الذي لن يكون بوسع الجميع سوى اتباعه. هذا لم يكن يعني بالنسبة لفوكوياما أن الصراع والتنافس الدولي سوف ينتهي، وإنما أن هذه الصراعات سوف تنتقل لمستوى آخر، بحيث ينتهي صراع السرديات الكبرى ليكون الأمر مجرد اختلاف ضمن المنظومة الليبرالية نفسها، التي قد يحدث خلاف بين أركانها.
شبه فوكوياما الحضارة والجنس الإنساني بقافلة تسير نحو وجهة واحدة هي الديمقراطية الغربية، ستصل إحدى المركبات بطبيعة الحال قبل الأخرى، لكن الجميع سوف يصل في نهاية المطاف للوجهة ذاتها
شبه فوكوياما الحضارة والجنس الإنساني بقافلة تسير نحو وجهة واحدة هي الديمقراطية الغربية، ستصل إحدى المركبات بطبيعة الحال قبل الأخرى، لكن الجميع سوف يصل في نهاية المطاف للوجهة ذاتها. بهذا قام فوكوياما بتقسيم الأمم إلى متقدمة وصلت إلى نهاية التاريخ، وأخرى ما قبل تاريخية بمعنى أنها لا تزال متخلفة في مدها الحضاري. في محاضرة ألقاها قبل بضع سنوات قال فوكوياما إنه مدعو لفعالتين في اليابان وفي بابوا غينيا، وأن المسافة بين البلدين، اليابان بتطورها وما أنجزته من تحديث، وبابوا غينيا بما تعيش فيه من تخلف وزمن قَبَلي تشرح بشكل جيد ما يعنيه بفكرة القافلة. في الواقع فإن فكرة النهاية هذه ليست جديدة. الحديث عن نهاية الأفكار عبّر عنه الفلاسفة في مرحلة التنوير عبر حديثهم عن المرحلة العلمية، التي سوف تكون خاتمة للنظريات والفلسفات، كما عبّر عنه هيغل في فلسفته وكارل ماركس، الذي تحدث عن الشيوعية كفكرة نهائية ضمن تفسيره المادي للتاريخ، وغيرهم. في كل مرة كانت البشرية تكتشف أن هناك الكثير من التحديات، التي لم تكن حاضرة، أو التي لم يتم التفكير فيها بعد. لم يدع فوكوياما أنه ابتكر مسألة النهاية هذه، فقد سبق وتحدث، على سبيل المثال، عن ماركس بشكل يوحي بأن نظريته ليست سوى انعكاس للنظرية الشيوعية، التي كانت تفترض أن الاشتراكية هي الحلقة الأخيرة في سلم الرقي الإنساني.
اصطدمت نظرية فوكوياما بالحائط بشكل مؤلم خلال السنوات الأخيرة عقب صعود تيارات كثيرة رافضة للنموذج، الذي اعتبر أنه النموذج النهائي. في الولايات المتحدة، التي كانت تعتبر عاصمة للديمقراطيات، ظهرت شخصية دونالد ترامب كقائد للتوجه الشعبوي القومي الرافض للقيم الليبرالية. يمكن القول إن ترامب، وما يدعمه من أحزاب وتيارات يمينية في أوروبا، كانوا من أطلق رصاصة الرحمة باتجاه نظرية «نهاية التاريخ». إلا أن الأمر لم يبدأ مع ترامب، حيث تعرضت النظرية لنقد عنيف من عدة زوايا خلال العقود الماضية. القراء من دول الجنوب على سبيل المثال رأوا فيها تمجيدا للهيمنة ودعوة للخضوع للإمبريالية والتسلط الغربي على اعتبار أنه الواقع، الذي يجب الإقرار بأفضليته وسموه. من جهة أخرى أشار فلاسفة ومفكرون آخرون للتناقض في متن أفكار فوكوياما. «نهاية التاريخ»، وفق ما رأى هؤلاء، مبنية على الفخر بالعرق الأبيض، الذي أنتج هذا المثال، الذي هو قمة الإنجاز الحضاري وفق فوكوياما. التناقض يكمن في أن النظرية متأسسة في الوقت ذاته على الدعوة إلى المساواة وتذويب الفوارق والاختلافات والحديث عن المجتمعات الليبرالية المنفتحة والتعددية، التي يجب ألا يُسأل فيها أحد، أو يعامل وفق خلفيته الثقافية. يمكن النظر لكتاب صمويل هنتنغتون «صدام الحضارات» في إطار هذه الاجتهادات الناقدة. بالنسبة لهنتنغتون فإن ما ذهب إليه تلميذه فوكوياما من أن الجميع منطلقون في قافلة نحو الحداثة والنموذج الغربي، هو أمر لا يسنده الواقع. الحداثة، التي يشير إليها فوكوياما، هي منجز غربي في نظر هنتنغتون. هذا المنجز متأسس على الميراث الثقافي والديني الأوروبي، وبما أن هناك أمما وشعوبا لديها اعتداد كبير بنفسها وثقافتها، فمن الأكيد أنها لن تسير بهذه البساطة ضمن ذلك الركب المفترض. الذي سيحدث، وفق هنتنغتون، لن يكون مجرد تباين طفيف ضمن إطار النظرية الليبرالية، وإنما صراع حقيقي بين حضارات تقدم نماذج مختلفة عن النموذج الغربي. هذه الحضارات المناوئة سوف يكون على رأسها الحضارة الإسلامية، التي سوف يصعب احتواؤها، والتي ستبقى مكافحة وهي تقدم نفسها كنموذج موازٍ وطرحٍ بديل لنموذج فوكوياما.
كأي مثقف معتد بنفسه لم يكن من السهل على فوكوياما، الذي وجد اسمه رواجا كبيرا وصارت كتبه من الأكثر مبيعا، أن يعترف بخطأ تصوره وبأن التاريخ ما يزال حافلا بالمفاجآت. عوضا عن ذلك اعتبر فوكوياما في محاضرات ومقالات متأخرة أن الجميع أساء فهمه وفهم الكتاب. يقول الأكاديمي، الذي أصبح الآن في بداية السبعينيات، أنه كما تحدث في الكتاب عن الليبرالية كمشروع نهائي، لأنها تمثل الوصول إلى الكرامة الإنسانية، التي كانت هدف وغاية جميع الفلاسفة والمفكرين منذ أقدم العصور، فإنه ذكر أيضا في كتابه ونظريته أن هناك من سيعارضون هذه النقلة وذلك الوصول، بل سيعارضون فكرة المساواة نفسها. من الطبيعي، وفق دفاع الكاتب، أن يكون هناك أناس ضد المساواة وضد الكرامة المتساوية وضد إنهاء الصراعات العالمية، التي يكونون منخرطين فيها أو مستفيدين منها. من الطبيعي كذلك أن نشهد تطرف كل من اليمين واليسار، اللذين يحاربان بعضهما بسبب النموذج الليبرالي القائم، الذي يفرض على الجميع أن يكونوا منفتحين ومتسامحين وبعيدين عن إطلاق الأحكام.
تلك كانت بعض الأفكار، التي وضعها فوكوياما في كتابه الجديد المنشور قبل أسابيع، والذي أطلق عليه اسم «في عوالم الإنسان الأخير» مع عنوان أصغر «مذكرات». الغرض من وضع الكلمة أن توضح للقارئ أن الكتاب شخصي وذاتي أكثر من كونه بحثا فلسفيا أو أكاديميا. صحيح أن الكاتب حكى في الكتاب تفاصيل عن حياته وتاريخ أسرته، التي هاجرت إلى الولايات المتحدة في بداية القرن العشرين، وكيف أنها ساهمت في تشكيل أفكاره، إلا أن العنوان يكشف أن فوكوياما ما يزال مهووسا بمحاولات التبرير، وهو يتلبس في هذا لبوس الفيلسوف الحاذق، الذي يسعى لأن يقنعك بالفكرة وبنقيضها في جلسة واحدة.
يبقى الحكم على نجاح فوكوياما في مهمة إعادة شرح «نهاية التاريخ» خاضعا لرأي قرائه، لكن المشكلة هي أن الفكرتين، اللتين يتنقل بينهما، متناقضتان لدرجة أنه يصعب الجمع بينهما، أو اعتبار أن إحداهما مكملة للأخرى، فإما أن تكون الليبرالية والتصور الغربي للنظام السياسي والاجتماعي هي القمة الأخيرة لهرم الأفكار الإنسانية، كما ادعت الأطروحة الأولى، وإما أن يكون الصراع والمدافعة مستمرين، وأن تكون تلك الفكرة الغربية هي مجرد صيحة في حلقة طويلة من الفلسفات، التي تبرز إلى السطح لفترة قبل أن تتجاوزها أخرى.
كاتب سوداني

















0 تعليق