إسرائيل تهدد الضفة (والعرب) بنموذج غزة!

منذ ساعة

تواجد وزير الأمن الإسرائيلي سيئ الصيت ايتمار بن غفير في المسجد الأقصى أثناء اقتحام جديد للمسجد الأقصى، أمس الأحد، بالتزامن مع دعوة وزير المالية بتسلئيل سموتريتش إلى شن حرب في الضفة الغربية و»فعل ما فعلناه في غزة». الحادثة الأولى التي تدخل ضمن الصراع الدينيّ على القدس، والثانية التي تعتبر تصعيدا للمواجهة العسكرية والسياسية في الضفة الغربية، هما حدثان متكاملان ضمن تحول أوسع يجري في السياسة الإسرائيلية.
لا يجري تغيير الوضع القائم في الأقصى بقرار واحد معلن بل بإحداث تغيير التراكم الرقمي والطقسيّ والعدواني إلى واقع ناجز: أعداد أكبر من المقتحمين، طقوس كانت محظورة تصبح مفروضة، قرابين يهودية تدخل إلى الساحات، وصلوات عبرية يجري تحويلها بالتكرار من خرق استثنائي إلى روتين يجب على الفلسطينيين التطبيع معه. بعد الاقتحام الأخير من قبل 1143 مستوطنا الأحد صار عدد المقتحمين منذ بداية العام حتى نهاية آب/ أغسطس، حسب إحصاءات محافظة القدس، أكثر من أربعين ألفا.
يقابل هذه الديناميات في الأقصى ديناميّات مناظرة في الضفة تقوم على الاستيطان، ومصادرة الأراضي، وتأسيس البنى التحتية التي تفصل التجمعات الفلسطينية، وتوسيع نطاق السيطرة الإسرائيلية، وهي إجراءات لا تحتاج إلى إعلان رسمي يقول إن «الضم وقع». خلصت محكمة العدل الدولية، في رأيها الاستشاري لعام 2024، إلى أن هذه السياسات الإسرائيلية مصممة للبقاء ولخلق وقائع يصعب الرجوع عنها، وأنها ترقى إلى ضم أجزاء واسعة من الأراضي الفلسطينية المحتلة.
لا يفعل سموتريتش، كل مرة، سوى أن يمنح هذا المسار لغة أكثر فجاجة وصراحة واستفزازا. لا يكتفي «وزير المالية» برفض الدولة الفلسطينية، بل يتحدث عن تفكيك السلطة الفلسطينية، وإخلاء المخيمات، وشن حرب ضد الضفة على غرار غزة.
ينقلب «نموذج غزة» حسب منطق سموتريتش من حالة الحرب المحددة بزمان ومكان، لتصبح السابقة التي يمكن أن يعاد تطبيقها في الضفة الغربية ومن ثم إلى جغرافيات عربية أخرى. يقوم النموذج على تغيير الواقع بالقوة الهائلة التي تجمع بين الإبادة والتدمير والتطهير العرقي، ثم تحويل الواقع الجديد الناشئ إلى نقطة انطلاق للخطوة التالية.
يمكن للانتخابات الإسرائيلية المقبلة تفسير شيء من ارتفاع نبرة هذا الخطاب، لكن اختزال ما يحصل بهذا سيكون مضللا، فالانتخابات، قد تسرّع المشروع وتمنحه اللغة الإبادية التي يستخدمها أقطاب الإرهاب اليهودي، لكن الانتخابات لم تنشئ الاستيطان ولن تعدّل سياسة فرض الوقائع في القدس والضفة (رغم تأجيل المدعية العامة الإسرائيلية، أمس، للموعد النهائي لاستدراج عروض البناء الخاصة بمشروع E1 الذي سيفصل شمال الضفة عن جنوبها).
يصف باحث سياسة حكومة نتنياهو تجاه الأرض الفلسطينية المحتلة بـ»الضم بألف طعنة» حيث لا يحتاج المشروع إلى لحظة واحدة يُعلن فيها «إسرائيل الكبرى». يجري تغيير الجغرافيا قطعة بعد أخرى، مستوطنة هنا، وطريق هناك، مساحة عسكرية، مخيم يتم تطهيره من سكانه، وطقوس تلمودية يتم ترسيخها في الأقصى.
تتكامل هذه الاستراتيجيات مع السعي لدفع الفلسطينيين نحو «الجدار الأخير» (على حد قول محمود درويش). تضيّق هذه الاستراتيجية المجال السياسي الفلسطيني إلى خيارين يائسين: المحاولة المتزايدة للامتثال أملا في اتقاء مزيد من العقاب، على شاكلة ما يقوم به البعض في الداخل الفلسطيني، أو الانجراف إلى منطق المواجهة في ظل تغوّل إسرائيلي إباديّ. تظهر هذه المفارقة في الضفة أيضا حيث توجد سلطة اختارت منذ سنوات طريق المؤسسات والتنسيق والمسار الدبلوماسي، لتصل إلى تهديد سموتريتش بتفكيكها ومعاملتها وفق «نموذج غزة».
تغدو المسألة هنا أخطر من اختلاف على أي تكتيك فلسطيني يجب اتباعه، فعندما لا يستطيع الاعتدال أن يبرهن أنه ينتج ثمنا سياسيا مختلفا، فيما يقود العنف إلى الإبادة والتطهير العرقي، تقل قناعة الفلسطينيين بوجود خيار سياسي ثالث بين الخضوع والانفجار.

✎

فريق تحرير الحدث الإخبارية

فريق التحرير في الحدث الإخبارية — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق