عبد الله مولود
نواكشوط –«القدس العربي»: شهدت تحضيرات الحوار الوطني المنتظر في موريتانيا خطوة تنظيمية جديدة، لكن الأسئلة المطروحة حوله باتت أكبر من ترتيبات انطلاقه، فبينما اتفقت القوى المشاركة على توسيع لجنة الإشراف وتحديد موعد لحسم أعضائها، أعاد الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، بخطابه الأخير في مدينة أطار، فتح النقاش بشأن قدرة مؤسسات الدولة على الاستجابة لتحولات المجتمع.
وهكذا يسير التحضير على مسارين متوازيين: استكمال آليات الحوار، وتحديد ما إذا كان سيقتصر على معالجة ملفات الخلاف المعروفة أم سيتحول إلى مراجعة أوسع لوجهة البلاد.
وتمخض اجتماع عقده منسق الحوار الوطني، موسى فال، مع ممثلي الأحزاب والقوى المنخرطة في التحضير، عن اتفاق على رفع عدد أعضاء لجنة الإشراف من 21 إلى 23 عضوًا، على أن تُحسم أسماء أعضائها قبل العاشر من أكتوبر/تشرين الأول المقبل.
ويشير هذا التوافق إلى استمرار الأطراف المشاركة في معالجة المسائل التنظيمية التي تسبق إطلاق الجلسات، وإن كان الاتفاق على العدد لا يحسم وحده طريقة اختيار الأعضاء أو قدرة اللجنة على إدارة الخلافات التي قد تظهر عند مناقشة القضايا السياسية الأشد حساسية.
وتأتي الخطوة بعد مسار تحضيري طويل شهد توقيع وثيقة مرجعية في يوليو/تموز الماضي من ممثلين عن الأغلبية وعدة أطراف معارضة. وقال موسى فال، حينها إن إعداد الوثائق استغرق عامًا وأربعة أشهر، وإن الحوار سيناقش أربعة محاور رئيسية عبر لجان وورشات عمل.
لكن الوصول إلى الوثيقة لم يكن سلسًا، فقد أثارت محاولة إدراج موضوع المدد والمأموريات الرئاسية خلافًا بين الموالاة والمعارضة قبل حذف العبارة من الصيغة التي وقعها المشاركون.
ورغم ما شهدته الساحة السياسية من توترات، ظل الأمل معقودًا لدى المشاركين على الانتقال من التحضير إلى الحوار الفعلي؛ وجاء العفو الرئاسي، الذي صدر الإثنين عن الناشطة ميمونة أحمد اسليمان المعروفة باسم «وردة»، ليضيف عنصر تهدئة إلى المناخ المحيط به.
سؤال الغزواني عن مستقبل الدولة يوسع دائرة الجدل
وأعلنت الرئاسة إسقاط ما تبقى من عقوبتها بموجب عفو خاص، بعد صدور حكم قضائي نهائي بحقها. ولا يعني القرار، في حد ذاته، إزالة أسباب التوتر السياسي، لكنه قد يساعد على تخفيف حدته في لحظة تحتاج فيها الأطراف إلى قدر من الثقة المتبادلة.
وفي موازاة هذه التطورات، نقل خطاب الغزواني في أطار النقاش من ملفات اعتادت الحوارات السياسية تناولها، مثل النظام الانتخابي والوحدة الوطنية والإرث الإنساني ومخلفات الاسترقاق، إلى سؤال أشمل عن مستقبل الدولة نفسها.
فقد استحضر سؤال الرئيس المؤسس المختار ولد داداه عن «موريتانيا التي نريد»، ثم دعا إلى تحيين الإجابة في ضوء ما طرأ على البلاد من تحولات سكانية واجتماعية ومؤسسية.
وتساءل الغزواني عما إذا كانت المنظومة المؤسسية القائمة لا تزال تستجيب لحاجات الدولة والمجتمع، وما الذي ينبغي تطويره فيها لتعزيز الوحدة الوطنية والمواطنة والعدل.
وربط الرئيس الإجابة بالحوار المنتظر، معربًا عن أمله في أن يفضي إلى إجماع حول القضايا الوطنية الكبرى، كما قال إن الحوار ينبغي أن يكون شاملًا وجادًا، وإن تخرج مخرجاته من مداولات المشاركين.
ولم يعلن الرئيس الغزواني في خطابه مشروع تعديل دستوري محددًا، لكن حديثه عن تطوير المؤسسات أثار قراءات سياسية متباينة بشأن ما قد يُطرح داخل الحوار.
ويظهر هذا التباين في مواقف شخصيات من المعارضة والإعلام؛ فقد دعا وجاه الأدهم الأمين العام لحزب العمال الموريتاني، إلى قراءة سؤال أطار بعيدًا عن التبسيط، ورأى أن المعارضة المنخرطة في التحضير لا تستطيع تجاهل ما قطعته من مراحل، بينما تملك القوى المقاطعة أسبابًا ينبغي الاستماع إليها.
وبالنسبة إليه، لا تكفي المشاركة إذا تحولت إلى حضور بلا تأثير، كما لا تكفي المقاطعة إذا بقيت موقفًا بلا استراتيجية للتأثير في النتائج.
ويضع هذا الرأي انقسام المعارضة حول المشاركة في قلب اختبار الحوار: كيف تحافظ على قدرتها على طرح القضايا المشتركة رغم اختلافها بشأن الطريق إليها؟
أما الإعلامي حنفي ولد دهاه، فقدم قراءة أكثر تشاؤمًا لسؤال «إلى أين نسير؟»، ففي مقال بعنوان «إلى الهاوية»، ربط أزمة البلاد باستمرار نفوذ القبيلة وشبكات الولاء والفساد، وبعجز المؤسسات عن جعل المواطنة أساسًا متساويًا للحصول على الحقوق والخدمات. ومن هذا المنظور، لا يكون إصلاح شكل المؤسسات كافيًا ما لم يتغير أثرها الفعلي في علاقة المواطن بالدولة.
في المقابل، اعتبر الكاتب الصحافي الشيخ محمد حرمه، أن سؤال الرئيس قد يكون تمهيدًا سياسيًا لطرح تصورات جديدة بشأن النظام المؤسسي وعلاقته بالوحدة الوطنية، لكنه صاغ ما قد يعنيه ذلك في صورة تساؤلات واحتمالات، من بينها إمكان عرض إصلاحات دستورية؛ وهي احتمالات لا يجوز التعامل معها بوصفها قرارات معلنة.
ويكشف حرمه، مقدار الترقب الذي أحدثه خطاب أطار، خصوصًا بعد الجدل السابق حول المأموريات الرئاسية.
وعليه، فإن اتفاق الإثنين يمنح مسار الحوار موعدًا قريبًا لاختبار جديته: تسمية لجنة إشراف تحظى بثقة المشاركين قبل العاشر من تشرين الأول/أكتوبر، أما الاختبار الأصعب فسيأتي بعد ذلك، حين ينتقل النقاش من عدد المقاعد إلى مضمون الإصلاحات وحدود التوافق عليها، ثم إلى ضمان تنفيذ ما يُتفق عليه.
لقد نجح المشاركون حتى الآن في إبقاء باب الحوار مفتوحًا رغم الخلافات والاهتزازات، لكن اتساع السؤال من قواعد التنافس السياسي إلى «موريتانيا التي نريد» يرفع سقف التوقعات أيضًا؛ فنجاح الحوار لن يُقاس بمجرد انعقاده، بل بقدرته على إنتاج إجابات واضحة عن المؤسسات والمواطنة والعدالة، تقبلها أطراف أوسع من الجالسين إلى طاولته.


















0 تعليق