العراق: هل «التشيع السياسي» هو حالة وطنية؟

منذ 46 دقيقة

هل سمعنا يوماً أهل مدينة ميونخ يشتمون أهل مدينة برلين، أو أهل لندن يشتمون أهل أدنبره، أو أهل نيويورك وأهل واشنطن؟ أو موسكو وفولغوغراد؟ أو ريو دي جانيرو وساو باولو في البرازيل؟ الجواب لا، هل لأن أهالي هذه المدن ليس بينهم ما يفرقهم؟ كلا، الأمر على العكس من ذلك، فأعراقهم ومعتقداتهم ومذاهبهم وطباعهم شتى لكنهم ملتزمون بعقد اجتماعي. هذه المدن ليست محصنة بالكامل ضد مروق مدني يصدر عن ثلة من السفهاء لا تلبث مؤسسات الدولة وأجهزة إنفاذ القانون أن تقف في وجهه ومحاصرته وينتهي كل شيء وقد تلجأ الدولة إلى سن قوانين صارمة حال تكراره. وفي مواجهة المروق المدني، يصطف المجتمع بشرائحه ومؤسساته إلى جانب الدولة والقانون، في مقابل جماعات وناشطين ومنظّرين يهددون المصلحة العامة.
هذه هي صورة المواطنة كما تفهمها الشعوب وتحميها الدولة. أما حين يكيل أهل مدن الشتائم النابية إلى أهالي مدن أخرى داخل الدولة، وعلى نحو موسمي، فيما تمثل هذه الشتائم ركناً عقدياً، وتلتزم المؤسسة الدينية ذات العلاقة الصمت تجاهها، وتجد مباركة من دولة خارجية، فذاك هو عين انفراط مفهوم المواطنة والعقد الاجتماعي، وهو مسار يذكر من حيث تفكك الروابط الوطنية وصعود الهويات الفرعية على حساب الهوية الجامعة، بتجارب يوغسلافيا السابقة.
فتح هذا الملف (وإن جاء على مقربة زمنية من موسم شتائمي جديد في العراق كيلت فيه الشتائم النابية إلى صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأزواجه الطاهرات أمهات المؤمنين) لا يجعله حدثاً ظرفياً وإنما برز بشكل ثابت بعد سقوط الدولة العراقية في عام 2003 عند الغزو الأمريكي، وهو أي الملف بحاجة إلى حلول متعددة بعدد الأواصر التي حطمها في كيان المجتمع لأن هذه الحلول أوسع من تخصص مؤسسة واحدة وتستدعي بحوثا إذا ما أريد للعراق أن يقف على قدميه من جديد ويستفيد منه محيطه الإقليمي على طريق إعادة بناء اجتماعي إقليمي.

التشيع السياسي مرفوض اجتماعياً قبل أن يُرفض سياسياً، لأنه يصطدم أولاً بالعقد الذي يجمع أبناء الوطن قبل أن يصطدم بمؤسسات الدولة

من الاختلاف المذهبي إلى أزمة المواطنة: التشيع المراد في هذا السياق ليس اختلافاته الفقهية في الصيام والزكاة وصلاة الجمعة وغيرها؛ فهذه أمور لا يكون لها ارتداد اجتماعي ما لم تُفرض على باقي المجتمع أو على مناهج التربية، ولا يُبنى عليها مشروع سياسي. وإنما المقصود الممارسات التي تنتقل إلى المجال العام محمّلة بالإساءة والتحريض، وتتحول إلى أساس لمشروع سياسي استقطابي يتقدم فيه الولاء المذهبي على الولاء للدولة. وحين يحدث ذلك، تخرج هذه الممارسات من نطاق الحرية الدينية الخاصة، وتدخل مباشرة في صدام مع العقد الاجتماعي والمواطنة.
ثمة عوامل مستجدة تضع فاصلاً بين الطقوس العقدية الشيعية وبين السلوك العام؛ إذ ترتفع أصوات من داخل المجتمع الشيعي تذم الشاتمين، وتستنكر الدور الإيراني المحرّض، وتعتذر لأهل السنة عما تعتبره مروقاً اجتماعياً، وتمثل هذه الظاهرة المبكرة تفكك الالتحام القديم بين الطقوس العقدية والسلوك الاجتماعي العام الذي ظلت المرجعية، عبر مراحل التاريخ، راعية وحارسة له.
المرجعية من المجال الديني إلى النفوذ العام :ولكي لا يكون الملف وصفياً ولحظوياً بل تشخيصياً وعلاجياً فإن الانفصال المتنامي بين الانتماء المذهبي وبين السلوك الاجتماعي العام يفتح بالضرورة سؤالاً أعمق عن المؤسسة التي تولت تاريخياً ضبط العلاقة بينهما، أي المرجعية.
فقد تشكل دور المرجعية تاريخياً في بيئة كان هدفها الأساسي حماية أقلية مذهبية من الذوبان في محيط (سنّي) أوسع ولديها مؤسساتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الذي تخدم ذلك الغرض تحديداً، ومن ثم فإن أدواتها ووظيفتها لا تنطلق ابتداء من إدارة مجتمع متعدد الأعراق والأديان والثقافات أو من بناء دولة وطنية جامعة.
كما أن محدودية قاعدتها الاجتماعية تاريخياً جعلت انتقالها من المجال المذهبي إلى مجال السلطة والنفوذ السياسي الواسع مرتبطاً بتدخل قوة خارجية على حساب الدولة والمجتمع، وعندما يحدث ذلك الانتقال يصبح مشروعها عاملاً في تقويض العقد الاجتماعي، وهو ما برز في العراق بعد الاحتلال الأمريكي سنة2003
جيل جديد يبحث عن الدولة: الأجيال الشيعية الصاعدة التي تكتشف مع كل يوم مصلحتها في التعايش والتلاحم مع شركاء الوطن والتي شاهدت كيف تفرجت عليها المرجعية حين أريق دمها وأزهقت أرواحها في انتفاضة تشرين في 2019 التي طالبت بالإصلاح ومكافحة الفساد وتحسين الخدمات والتي برزت فيها اللحمة الوطنية، وكيف تفرجت عليها على مدى ربع قرن وهي تعاني الفقر والبطالة وتراجع التعليم والصحة والخدمات، هذه الأجيال بدأت تتساءل: لماذا لا تقوم المرجعية بدور يعزز العقد الاجتماعي ويعيد الاعتبار إلى الدولة والمواطنة؟
لم تعد هذه الأجيال بعيدة عن إدراك المفارقة: فكلما تعزز العقد الاجتماعي، واستعادت الدولة ومؤسساتها والنخب العلمية والثقافية أدوارها الطبيعية، تقلصت الحاجة إلى المؤسسة المذهبية بوصفها مرجعية للشأن العام. وفي مجتمع يزخر بالعقول، وفي زمن يقتضي مد الجسور مع المختلف قبل المتفق، فإن استعادة المجتمع لعقله ومؤسساته تعني بالضرورة عودة المرجعية من دائرة النفوذ السياسي والاقتصادي الواسع الذي أحدثه التدخل الخارجي إلى مجالها الديني.
حين تنحسر الطقوس المسيئة وخطابات التحريض عن المجال العام، وتتقدم المواطنة على التعبئة المذهبية، لا تبقى أرضية للتشيع السياسي. عندها تصبح الدولة، لا المرجعية المذهبية ولا القوة الخارجية، مرجعية المواطن في الشأن العام، ويغدو الشاب الشيعي شريكاً كاملاً في بناء الدولة، لا مادة للاستقطاب تستثمرها القوى الداخلية أو الخارجية ولا معولاً يهدم بها الآخرون وطنه.
التشيع السياسي مرفوض اجتماعياً قبل أن يُرفض سياسياً، لأنه يصطدم أولاً بالعقد الذي يجمع أبناء الوطن قبل أن يصطدم بمؤسسات الدولة.

٭ كاتب عراقي

✎

فريق تحرير الحدث الإخبارية

فريق التحرير في الحدث الإخبارية — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق