ممداني… الفتى الذي لا يترك لهم ثقوبا

منذ 54 دقيقة

الكرونولوجيا الآتية منقولة بتصرف من جهد للزميل أحمد الشرقاوي (الذي أحسده على سعة اطلاعه وقدرته على التقاط ما لا يلتقطه الآخرون):
ـ الأربعاء 23 أيلول (سبتمبر) 2026، الساعة 14:13 بتوقيت القدس المحتلة: رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في رسالة مصوّرة، يتوعّد عمدة نيويورك، زهران ممداني، برد قوي وكشف حقيقته من على منبر الأمم المتحدة.
ـ الأربعاء نفسه، الساعة 19:00 بتوقيت نيويورك: زهران ممداني يرد بتخصيص استقبال لعائلة فلسطينية نجت من حرب الإبادة الإسرائيلية في غزة في مقر عمدة المدينة «غراسي منشن».
ـ الخميس 24 أيلول (سبتمبر) 2026، الساعة 14:00 بتوقيت نيويورك: نتنياهو يلقي خطاب المعزول المحبط أمام الجمعية العامة السنوية للأمم المتحدة، ويخصص أكثر من 7% منه لمهاجمة عمدة نيويورك، ويتهمه بكراهية اليهود والتحريض عليهم وعلى إسرائيل.
ـ الخميس نفسه، الساعة 20:46، بعد ساعات من عويل نتنياهو ووعيده، ممداني يرد بتغريدة تضمنت فيديو لأول استقبال واحتفاء بفلسطينيين في مقر عمدة نيويورك التاريخي. كتب ممداني رداً على عويل نتنياهو: «الليلة الماضية غرست شجرة زيتون مع عائلات فلسطينية من غزة. ليكُن السلام مستقبلنا». وختم الفيديو بعبارة مُدوّية: «شجرة زيتون تنمو في غراسي».
أتوقف هنا وأقول إن الفقرة السابقة تختزل حالة سياسية وإنسانية استثنائية تجسدها شخصية عمدة نيويورك ومواقفه من أكثر القضايا الدولية حساسية وخطورة على مستقبل السياسيين وشخصيات العمل العام في الولايات المتحدة، وتحديدا في نيويورك، مدينة اليهود (بكل توجهاتهم) وحلفاء إسرائيل الأولى في العالم.
من المثير أن يجرؤ ممداني الذي تتوفر فيه كل مسببات الإدانة، ومن ثمة الإطاحة السهلة (شاب قليل خبرة، ابن مهاجرين، مسلم، مناهض لسياسات إسرائيل وحكومتها) على الوقوف في وجه إحدى أكبر دول العالم غطرسة وأكثر مسؤوليها كذبا وإجراما دون أن يخشى على مستقبله السياسي وحتى على حياته.
القضية مثيرة لكنها ليست مستعصية على الفهم. الأسلحة التي يتحصن بها ممداني بسيطة ومعقّدة في الوقت نفسه. أول سلاح هو معرفته بهم. «هم» مقصود بها هنا الأوساط السياسية والنخب الأمريكية والذهنية التي تحركها، ومن ثمة استيعاب المحاذير والمشي وفقها. تشرُّب المجتمع وفهم تركيبته الذهنية والسوسيولوجية والدينية والثقافية، دون أن تتنازل عن مكونات تركيبتك إذا كنت مختلفا. التشرب يعني أيضا إدراك اللغة التي يستعملون، ليس فقط اللغة التي يتكلمون، بل أهم منها اللغة التي يفكرون بها.

 الأسلحة التي يتحصن بها ممداني بسيطة ومعقّدة في الوقت نفسه. أول سلاح هو معرفته بهم

كل هذا مفيد، لكنه لا يكفي ولا يعني أنك أمنت على نفسك (ومستقبلك إذا كنت ضالعا في الشأن العام) من شرّهم، خصوصا إذا اقتربت من أقدس ما لديهم، ربيبتهم.
هناك سلاح لا يقل أهمية عمّا سبق، هو العمل الجاد والإخلاص له والصدق مع الذات والناس.
كي تحمي نفسك وسط حقول الألغام هذه، يجب أن تكون محصّنا من الخطايا. ألّا يتخلل مسارك ثقوب يتسرب منها الخطر الذي يُفضي إلى اغتيالك معنويا. من ذلك قضايا شخصية تتعلق بالسيرة والسلوك من قبيل العلاقة مع النساء ومعاملتهن في أي مرحلة من مراحل عمرك؛ التحايل على الضرائب؛ الكذب أو التلاعب في قضايا يعاقب عليها القانون حتى لو كان التهرب من دفع غرامة مخالفة سير.
هذا الكلام يصحُّ أحيانا حتى على أفراد عائلتك من الدرجة الأولى. إذ من السهل أن يحاولوا تحميلك وزر تصرف أو قول صدر عن والدك أو شقيقك قبل دهر.
منذ البداية، لو وجدوا أيًّا من هذه الثغرات في مسار ممداني يستحيل أن يتركوه يصل إلى رئاسة مجلس أكبر مدينة في العالم. ولو اكتشفوا أي شيء لاحقا، لا يمكن أن يتركوه في منصبه، وسيطيحون به عاجلا أم آجلا. لديهم الأسلحة وكل أدوات الاغتيال السياسي والمعنوي.
هذا التحليق فوق الشبهات يحتاج من صاحبه حالة ذهنية صلبة تتطلب بدورها مجهودا ويقظة دائمين. إنها مثل لعبة المشي على حبال السيرك، تستوجب مهارة خارقة في تحدي قوانين الجاذبية وحفظ التوازن، الذي يعني فقدانه، ببساطة، السقوط إلى الهاوية.
هذا التحليق حوّل ممداني إلى ظاهرة ملهمة في الولايات المتحدة، وفي الطريق لأن تصبح مشروعا عابرا للقارات.
أمثال ممداني موجودون في الولايات المتحدة وفي دول غربية أخرى. وهم من كل الجنسيات والعرقيات والأديان. أحدهم الإعلامي مهدي حسن (من أصول هندية) الذي اختار الجبهة الإعلامية لكن على تماس مع العمل السياسي. أحدهم أيضا نجم كرة القدم الإنكليزي غاري لينكر الذي ضحى بوظيفة مجزية في هيئة الإذاعة البريطانية كانت تدر عليه الملايين سنويا، وفضّل عنها قول كلمة الحق بشأن حرب الإبادة في غزة. شخصية ثالثة هي الإيطالية فرنشيسكا ألبانيزي مقررة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية. هذه سيدة أقل ما يجب أن يقال فيها أنها لن تتكرر.
مثل ممداني، لم يجد محترفو الاغتيال المعنوي ثقوبا في مسار حسن ولينكر وألبانيزي تتيح لهم التسلل منها وممارسة هواياتهم المفضلة (رغم أن إدارة ترامب ألحقت أذى كبيرا بالسيدة ألبانيزي بالعقوبات الظالمة التي فرضتها عليها).
كدت أسأل لماذا لا يستفيد قادة المنطقة العربية ونُخبها من أمثال هؤلاء. لكنني توقفت لأنني أرجّح أن دخول المنطقة على خط هؤلاء سيكون مؤذيا لهم. فهذه (المنطقة) كبائع الفحم، مَن يجالسه أو يلمس أكياسه، لا بد أن يناله من سوادها.

٭ كاتب صحافي جزائري

✎

فريق تحرير الحدث الإخبارية

فريق التحرير في الحدث الإخبارية — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق