السيناتور الأمريكي بيرني ساندرز
تقف مكانة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط أمام انعطافة، فيما النظام القديم آخذ في التآكل وذاك الذي سيحل محله لم ينضج بعد. ويشير المركز الأمريكي للبحوث الاستراتيجية والدولية إلى أنه في نظرة إلى الوراء، كان عدم الرد الأمريكي في 2019 على هجمة الحوثيين بدعم من إيران على منشآت النفط السعودية بمثابة خط الفصل الذي أدى إلى وهن النظام القديم.
بعد الحرب ضد إيران، التي ستنتهي بهذا الشكل أو ذاك، لن تكون العلاقات المتبادلة على سابق عهدها، ودول المنطقة تعمل، كل بطريقتها، لتكيف نفسها مع الوضع المتغير. سيكون هناك من يرغب في إيجاد حل في تسويات إقليمية على نمط الناتو، لكن كما تظهر تجربة الأيام الأخيرة في عدوان الحوثيين ضد السعودية، فإن تسوية كهذه لم تثبت نفسها. هناك من يعملون على رفع قدرة الدفاع الذاتي لديهم، ربما حتى بمشاركة إسرائيل، وهناك من سيحاولون فتح صفحة جديدة مع إيران. وحتى الولايات المتحدة فيها محافل تؤيد ذلك.
سيحفظ للولايات المتحدة دور في المنطقة بسبب مصالحها واحتياجات أمن حلفائها. لكن الواقع الذي نشأ في الأشهر الأخيرة يعرض تقليلاً ما في دورها وتغييراً في نقاط التشديد. عملياً، مفهوم “شرق أوسط” الذي يعود في الأصل إلى الاستعمار الأوروبي، يتطلب تحديثاً في ضوء التغييرات الجيوسياسية. ولعله من الأفضل الحديث عن جنوب – غرب آسيا. فإسرائيل شرق أوسطية، ووهي أوروبية أكثر مما هي شرق أوسط.
لا جديد في القول إن سياسة الخارجية وسياسة الداخلية وجهان للعملة ذاتها، لكنه صحيح في الولايات المتحدة-ترامب؛ فمع أنه هو نفسه لم يلبّ توقعات مؤيديه الأكثر تصميماً في إبعاد أمريكا عن التدخل خلف البحر، فإن ميل الانطواء الداخلي لم ينقضِ ولم سيستأنف بقوة أكبر مع حلول انتخابات منتصف الولاية القريبة، وبخاصة بعد الانتخابات الرئاسية التالية، سواء خلف ترامب نائبه جي دي فانس، أم مرشح الحزب الديمقراطي.
في هذا السياق، لا فرق بين تصريحات السناتور اليساري المتطرف بيرني ساندرز، وتصريحات رجل اليمين المتطرف تاكر كارلسون.
بذلك، ستتأثر سلباً علاقات إسرائيل الأمنية والعلاقات الاستراتيجية الأخرى مع الولايات المتحدة. مبالغ فيه القول إن اليهود الكثيرين الذين يعيشون في الولايات المتحدة سيشكلون “رهائن” في التحولات المحتملة تجاه إسرائيل في السياسة الأمريكية، لكن لا شك أنهم طرف في الأمر، فضلاً عن أن الأطراف المتطرفة في الحزبين مصابة باللاسامية. هناك جملة واسعة من الأسباب بشأن ما يعرف على أنه تغيير بين الأجيال في موقف اليسار واليمين في الولايات المتحدة تجاه إسرائيل واليهود، إضافة إلى اللاسامية في صيغتها الكلاسيكية. التغيير الذي يتغذى أيضاً بمبالغ هائلة من مصادر عربية يؤدي إلى “إسقاط” كل مظالم المجتمع الأبيض على اليهود وعلى إسرائيل، بما في ذلك التجارة بالأجنة، والتمييز بحق السود والنزعة الاستعمارية.
لقد جعلت صحيفة “نيويورك تايمز” نفسها عن وعي منبراً لمقالات وتقارير صحافية متحيزة ضد إسرائيل، وذلك أيضاً للحفاظ على انتشارها. وكما يقضي بحث البروفيسور عديئيل فينكر، من جامعة ييل، فإن “تقارير الصحيفة بعد 7 أكتوبر عرضت الفلسطينيين بأنهم ضحايا وإسرائيل بأنها المعتدي الحصري”. كما أن الصحيفة سارعت إلى نشر مقالات لإسرائيليين حولوا جلدتهم، مثل المؤرخ عومر بارتوف الذي يقيم في الولايات المتحدة وكتب مؤخراً كتاباً يتهم إسرائيل بالإبادة الجماعية، أو تحليلات مغرضة كان 7 أكتوبر بموجبها نتيجة عدم منح حق تقرير للفلسطينيين – وليس عملاً كانت نيته وضع حد لحق تقرير المصير لليهود.
لقد أحصى نتنياهو في خطابه القاطع في الجمعية العمومية للأمم المتحدة بؤر الفساد اللاسامي واللاإسرائيلي، وفعل ما كان ينبغي للدعاية الإسرائيلية أن تفعله، لكن المشكوك أن تحظى أقواله بعطف وسائل الإعلام. ومع ذلك، في الولايات المتحدة اليوم دوافع واسعة في المعسكرين السياسيين ترى في إسرائيل حليفاً هاماً، ليس فقط استراتيجياً بل أيضاً قيمياً وأخلاقياً.
إسرائيل ملزمة بإيجاد سبل التعاون معها، والمفتاح هو الجالية اليهودية. تأييد الإنجيليين وجهات مسيحية أخرى لإسرائيل أمر مهم بالفعل، لكنه ليس بديلاً عن التأييد اليهودي، التأييد الواسع اليوم أيضاً، 85 في المئة حسب استطلاعات أخيرة. غير أن هذا التأييد لا يحظى بموقف مناسب من جانب مؤسسات الدولة التي تتخذ تمييزاً مؤسساتياً ضد أغلبية اليهود في الولايات المتحدة ممن لا يعرفون أنفسهم أرثوذكسيين. هذا موضوع آخر للإصلاح بعد الانتخابات.
زلمان شوفال
معاريف 29/9/2026


















0 تعليق