على مدار العقدين الماضيين، كانت منصات التواصل الاجتماعي المتهم الأول في قضية تراجع معدلات قراءة الكتب الورقية، وكانت الأرقام دائما تعزز هذا الاتهام، إضافة إلى التغيرات السلوكية التي تظهر في تقلص مدى الانتباه. فالعيون التي اعتادت التنقل بين المقاطع القصيرة التي تكافئ مشاهديها بجرعات سريعة من الدوبامين، لم تعد تلك العيون التي تساهر وهي تتأمل الكلمات السابحة في الورق. ولكن أحيانا قد تكفر هذه المنصات عن ذنبها بطريقة مذهلة. ففي عام 2002 أصدر الكاتب الأمريكي مارك كورلانسكي كتابه (Salt: A World History)، وهو بحث تاريخي استثنائي يتناول كيف شكل الملح تاريخ البشرية. أمضى الكتاب سنوات من التجاهل، قبل أن يخرج صانع محتوى في عام 2026 مشيرا إليه بقوله: «هذا الكتاب غير حياتي بالكامل». وكانت هذه الجملة، التي حققت مئات الملايين من المشاهدات، كفيلة برفع الكتاب من الرفوف المنسية إلى قائمة الأكثر مبيعا.
وينطبق هذا على أعمال كثيرة مثل: (Stoner) للكاتب جون ألكسندر ويليامز، و(The Song of Achilles) لمادلين ميلر، و(They Both Die at the End) لآدم سيلفيرا، و(No Longer Human) لأوسامو دازاي.
هذه الظاهرة تجعلنا نتساءل: هل يمكن للمنصات التي أجهزت على تركيزنا وسحبتنا من عالم الكتب أن تكون هي نفسها القاطرة التي تعيدنا إليه؟
في هذا التحقيق، تحدث عدد من الفاعلين في الحقل الثقافي لاستطلاع آرائهم حول هذه الظاهرة، وأثرها في الإبداع والنقد والصحافة وصناعة النشر.
حراس بوابة النجاح
ترى الكاتبة والشاعرة الفلسطينية لطيفة محمد حسيب القاضي أن نجاح الكتاب بات مرتبطا جزئيا بمنصات التواصل، لكن جودة النص تظل الضمانة الوحيدة للبقاء. وقد يجد الكاتب نفسه، بوعي أو من دون وعي، يكتب بلغة تحفز الاقتباس القصير لتسهيل التداول على هذه المنصات، لكنها لا تستسلم لضغط «الاقتباس القصير» في كتاباتها؛ فالإبداع يجب أن يبقى حرا من قيود الخوارزميات، رغم إدراكها أهمية الوسيط البصري.
وقد يحزنها تفوق مراجعة عجولة من مؤثر على نقد عميق في الصحف، لكنها لا تقيس قيمة العمل بضجيج اللحظة: «نحن نكتب للبقاء، لا للترند». فالمشكلة ليست في الوسيط الرقمي نفسه، فهو محايد، بل في معايير «الترند» التي قد لا تكون منصفة للنص المتين. وحين تتفوق مراجعة مدتها ثلاثون ثانية على قراءة نقدية معمقة، تتسع الفجوة في الوعي الجمالي، وتطرح أخلاقيات التوصية للاختبار. ويتفاقم الخطر عندما تخضع القراءة لمنطق الإعلانات المدفوعة، فتفقد التوصية حيادها وتصبح رهينة عقود تجارية.
النقد العميق هواء النصوص
يرى الشاعر بلال المصري أن كتابته للنص الشعري المتوسط والقصير، وميله بطبيعته إلى التكثيف وعدم حب المطولات في الشعر، ربما يمنحانه مرونة في النشر على وسائل التواصل. ومن ناحية أخرى، يجد أن تأثير النشر الرقمي ينعكس على الكاتب ويدفعه دائما نحو التكثيف، ويرى أن هذا أمر جيد.
ويقول إن هذه المنصات تمكنت من لفت انتباه الشباب إلى أهمية الكتاب، وروجت له بأسلوب سلس وطريف، ما جذب جيل الشباب وشجعه على القراءة والاهتمام بالكتاب على نحو لافت جدا. وأصبح للمؤثرين دور واضح في زيادة انتشار الكتاب، لكنه لا يعتقد أن هذا الدور سيتجاوز قيمة الكتاب الحقيقية. فإذا لم تكن للكتاب قيمة حقيقية تبرر الترويج له، فإن المؤثر نفسه سيفقد مصداقيته ومتابعيه.
ويرى أنه من المحزن حقا أن تحصد مراجعة عابرة آلاف المشاهدات، بينما يبقى النقد الجاد محصورا في دائرة ضيقة. ومع ذلك، يؤمن بأن «القراءة النقدية العميقة هي التي يتنفس من خلالها العمل الأدبي الحقيقي»، وليس المشاهدات اللحظية التي تفقد تأثيرها في وقت قصير.
في رثاء النقد الجماهيري
يرى الناقد الأكاديمي المصري أحمد كريم بلال أنه ليس في وسعنا أن نجحد ما للمنصات الرقمية، وعلى الأخص وسائل التواصل الاجتماعي، من فاعلية تأثيرية جارفة، لكن المسألة لها بعدان؛ أحدهما إيجابي، ظل يحفظ للمؤسسات الثقافية وللنقاد دورهم المهم، وغاية الأمر أنهم اتخذوا منبرا حديثا للترويج للكتاب وصناعة الذوق العام، وهو منبر شديد الفاعلية.
لكن المسألة في بعدها الآخر مروعة، في رأيه، لأن طائفة من «أدعياء الثقافة» هم الأكثر وجودا على هذه المنصات، ومن المؤسف أن لهم جمهورا كبيرا. ويضيف أن النقد لم يعد مقروءا اليوم: «مضى زمان العقاد وطه حسين والرافعي والمازني وغيرهم من الكتاب الذين كانوا يخاطبون الجمهور العادي. نحن الآن نكتب لأنفسنا».
ويرى أن النقد الأكاديمي لا يسهم في تطوير الأدب، لأن جمهوره محدود، وتأثيره لا يصل إلى الجماهير العريضة بحيث يغير نظرتهم إلى الأدب وذائقتهم وتوجهاتهم، ولعل آخر النقاد الجماهيريين، في رأيه، هو رجاء النقاش.
فالنقد الأكاديمي أصلا، سواء في وجود وسائل التواصل أو في عدم وجودها، نقد نخبوي محدود الجمهور، ولذا لا يمكن تقديمه عبر هذه المنصات بصورته نفسها. وهذه المنصات اسمها منصات «تواصل»، والتواصل جوهره وجود لغة مشتركة وفهم متبادل، ولذا فالنقد الذي يقدم عبرها نقد بسيط يتخفف من المصطلحات، وأقرب ما يكون إلى النقد الصحافي.
بين العمق والانتشار
ترى الناقدة المصرية فدوى عطية أن الأجيال الجديدة صارت تقبل على منصات التواصل الاجتماعي أكثر من إقبالها على وسائل المعرفة التقليدية. وبالنسبة للكاتب، تمنحه الأولى الانتشار، فيما تمنحه الثانية القيمة وتثبت جودة منتجه على المدى الطويل، أو تعطيه ما يمكن تسميته «الشرعية الثقافية».
ولذلك، ترى أننا أصبحنا أمام خطين متوازيين من النقد لا يلتقيان؛ فهنالك نقد ضعيف ومجامل، ونقد آخر جاد لكنه غير منتشر. والكاتب ذو الأدب الرصين يحتاج إلى دفعة إعلامية حقيقية ليصل إلى جمهوره، حتى لا يضيع وسط الإعلانات الممولة والتوصيات التي قد تتجاهله، كما يحتاج إلى نقد موضوعي من دون زيف، لكن الأمر أصبح بيد المؤثرين.
ومع ذلك، فقد أسهم بعض المؤثرين أيضا في جذب فئات جديدة إلى القراءة والتعريف بكتب لم تكن تحظى بالاهتمام الجماهيري سابقا، لذا يبقى التأثير مرتبطا بوعي المتلقي وبالتنوع الحقيقي الذي لا يخضع فقط لمنطق «الترند».
وترى أن هنالك تهميشا لدور النقاد الحقيقيين، ربما بسبب ابتعادهم، ومعهم المؤسسات الثقافية، عن اهتمامات الجمهور، وكذلك بسبب لغتهم النخبوية، ولذلك نحتاج، في رأيها، إلى تبسيط الخطاب لنصنع التوازن بين العمق والانتشار.
معيار مشروع لتجنب الخسارة
يرى الناشر زياد مبارك أن المنصات الرقمية تصل بالكتاب إلى الأجيال الجديدة، لأنها تتوافق مع لغة عصرها، ولا شك في أن المحتوى الرقمي يسهم في الترويج للمحتوى الأدبي، بما ينصف القراءة بشكل عام.
ويقول إن الناشرين يلحظون أحيانا ازديادا في الطلب على كتاب معين بعد أن يتناوله أحد مؤثري الكتب، وإنهم يرسلون بعض إصداراتهم الجديدة كهدايا إلى هؤلاء. فالتسويق يتطور مثل أي مجال آخر، ودور النشر تخصص ميزانيات للتسويق مهما كان نوعه، وبالتأكيد هناك عوائد متوقعة في الخطط التسويقية، ولكن علينا ألا نبالغ في تقدير العوائد من صناعة المحتوى الرقمي، لأن هناك عوامل أخرى تتحكم في معادلة توزيع الكتب.
ويشير إلى أن بعض دور النشر تشترط أن يكون المؤلف نفسه صاحب قاعدة جماهيرية على منصات التواصل ليسهم في الترويج لكتابه، ولا يرى أنه يمكن تخطئة مثل هذه السياسات، فمن الواضح أن الهدف منها هو تحقيق أرباح للدار بنشرها للمؤلفين قياسا إلى عدد متابعيهم في وسائل التواصل الاجتماعي. وهو معيار مشروع يجنب دور النشر الخسائر المالية، لكنه لا ينجح وحده ما لم تتوفر المعايير الفنية للنصوص بطبيعة الحال.
مستنقع من التطبيل
تقول مؤثرة الكتب المصرية ياسمين مرزوق إنها تقرأ الكتب وقصص الأطفال منذ صغرها، حين كان والدها يحضرها لها، وإن القراءة بالنسبة إليها جزء من حياتها: «لا بد أن أقرأ طالما أنا حية». لكنها لم تتوقع أن تتعمق في القراءة بهذا الشكل وتسعى إلى نقل شغفها إلى المتابعين.
وتقول إنها تعرض ما يعجبها، وليس بدافع الإجبار أو المنافسة أو «الترند»، الذي غالبا لا يناسب ذائقتها. وأحيانا تقرأ كتابا بتشجيع من الجمهور، فتتناوله إذا وجدته عميقا أو مثيرا لاهتمامها.
وتدرك مدى تأثيرها، ولذلك ترى ضرورة المصداقية في توضيح سبب إعجابها بالكتاب، أو لماذا تراه متوسطا. وفي الوقت القصير المتاح لها على منصات التواصل، ترى أن الشيء الأهم هو أن تظهر قيمة العمل وفكرته بصدق وبشكل مختلف، وهذا يتطلب إبداعا في صنع محتوى مميز، فهدفها تنمية مهارات القراء ومساعدتهم على تطوير أنفسهم وفهم مشكلاتهم وغير ذلك.
وتؤمن بمقولة «لولا اختلاف الآراء لبارت السلع»، ولذلك حين يطلب منها الناشرون أو الكتاب عرض كتبهم، تخبرهم بأنها لن تتنازل عن مصداقيتها، وتقول إنها لم تجد أي اعتراض. وتفعل ذلك حتى لا تكون مثل العديد من المؤثرين الذين يقدمون المحتوى بطريقة لا تتناسب، في رأيها، مع قيمة المجال الأدبي وهيبته، حتى أصبح عرض الأدب بسببهم «وكأنه مستنقع من التطبيل لمجرد الإعلان عن الكتاب والترويج له».
مقارنة ليست منطقية
يرى المحرر الثقافي أنس الأسعد أن المقارنة بين قدرة مؤثري الكتب على الوصول إلى الجمهور وتراجع الصحافة الثقافية لا تستوي منطقيا، لأن مهمة المكتوب ليست أن ينافس المرئي، والتنافس يكون في الحقل ذاته.
ويشير إلى أنه رغم كل الإغلاقات والتقليصات التي طالت الجرائد الورقية مثلا، فإنها ما تزال باقية بشكل أو بآخر. كما علينا ألا ننسى أن المؤثر، حتى ينتج مادته، عليه أن يعود إلى الكلمة المكتوبة، كتابا كانت أم مقالة أم غير ذلك.
ويقول إن هناك خطرا يتمثل في أن الصحافة اليوم على المحك، لا بسبب المؤثرين فقط، بل بسبب أدوات الذكاء الاصطناعي أيضا. فالإعلام المكتوب عموما، رصينا كان أم غير رصين، في تراجع اليوم ويواجه ضغطا كبيرا، لكن الأجدر بنا، في رأيه، أن نطور أدواتنا ونستفيد من كل جديد، فنحن أمام فرصة لخلق أشكال جديدة وابتكارها: «فلماذا التعامل مع المشهد بعقلية الضحية، وكأن أحدا سحب البساط من تحتنا؟».
ويرى أننا أمام «هرم معرفي»، إن جاز القول، ذي قاعدة عريضة تعتمد على الصورة والمؤثرين، ويضيق شيئا فشيئا صعودا صوب النقد، مرورا بالصحافة والوسائل المكتوبة.
وقد تفقد الصحافة الثقافية، في رأيه، دور حارس البوابة الذي يقرر جودة الأعمال لصالح المؤثرين الرقميين، خاصة إذا ركنت إلى أدواتها التقليدية وتعاملت مع الرقمنة والصورة من منظور «الفوبيا». كما أن ضوابط المهنة تخلخلت، وهذا بدأ مع ضعف الأكاديميا عن الاستيعاب الفعال لأساليب السوشيال ميديا، وبالتالي ترك الأمر للسوق ومؤثراته المالية القوية.
كاتب وروائي سوداني

















0 تعليق