المشترك في كلمات 195 دولة خاطبت الجمعية العامة في دورتها الحادية والثمانين

منذ 4 ساعة

عبد الحميد صيام

الأمم المتحدة-نيويورك ـ «القدس العربي»: ألقيت في دورة الجمعية العامة في دورتها الحالية الواحدة والثمانين، 195 كلمة من الدول الأعضاء بما فيها دولتان مراقبتان (فلسطين والفاتيكان) بالإضافة إلى خطابي الافتتاح من الأمين العام أنطونيو غوتيرش ورئيس الجمعية العامة في دورتها الحالية خليل الرحمن.
وسأحاول أن أستخلص من الخطابات، في غالبيتها الساحقة، الأشياء المشتركة التي تكررت في الكلمات والتي تشغل بال معظم دول العالم وتسبب قلقا عظيما لدى شعوب الكرة الأرضية. وسأرصد تلك الهموم والمطالب والآمال المشتركة من دون الرجوع إلى الكلمات بل ما استطعت تجميعه من سماع العديد منها.
وأود أن أنبه أن هناك شذوذا يؤكد القاعدة. فقد استمعت الجمعية إلى خطابين مختلفين تماما عن هذا المنطق. وكلاهما خطاب موجه إلى القاعدة الانتخابية: خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وخطاب رئيس وزراء الكيان الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. الأول خطاب العنجهية والنرجسية واحتقار الأمم المتحدة وتزوير أو تشويه الحقائق، والثاني خطاب الكذب والتلفيق واحتقار الآخرين خاصة وأن ممثلي 70 دولة خرجوا من القاعة بعد دخوله وهم يهتفون ضده. امتقع وجهه وسبهم جميعا قائلا: «عار عليكم». أي مفارقة أكبر من هذه، فمن يرتكب المجازر ويصدر ضده حكم قضائي باعتباره مجرم حرب من قبل أعلى هيئة قضائية جنائية يسيء بطريقة سوقية للذين انسحبوا بطريقة سلمية حضارية احتجاجا على وجوده.
ساتطرق للقضايا المشتركة بدون ترتيب حسب الأهمية فما هو مهم جدا لبلد قد لا يعني كثرا لبلد آخر وما قد يكون أولوية لأفريقيا قد يكون ثانويا لأوروبا.

أولا- إصلاح المنظومة الدولية

بالكاد تجد كلمة من كلمات المتحدثين تخلو من إشارة واضحة ودعوة صريحة لإعادة النظر في تركيبة أجهزة الأمم الرئيسية وخاصة مجلس الأمن. فعضوية المجلس لا تعكس عالم اليوم ولا تمثله. فعند إنشاء الأمم المتحدة كان عدد الدول الأعضاء 51 دولة معظمها من أوروبا وأمريكا الشمالية وبعض دول الجنوب في أمريكا اللاتينية وأفريقيا وآسيا. ومطالبة الأعضاء بالإصلاح تتجه نحو مسارين: توسيع عضوية مجلس الأمن من جهة وإعادة النظر في حق النقض «الفيتو». الاقتراحات عديدة وغير متفق عليها. دول تقترح توسيع العضوية غير الدائمة وأخرى تقترح توسيع عدد الأعضاء الدائمين لتشمل دولا مهمة مثل اليابان وألمانيا والبرازيل وجنوب أفريقيا أو نيجيريا وأندونيسيا ومصر. وبالنسبة للفيتو فهناك اقتراحان جديران بالاهتمام: إلغاء الفيتو تماما واستبداله بتصويت إثنين من الأعضاء الدائمين و7 كحد أعلى من الدول غير دائمة العضوية. أو تعسير استخدام الفيتو بحيث لا يقتل مشروع القرار إلا إذا صوت ضده عضوان دائمان وثلاثة أو خمسة أصوات ضده فيصبح القرار لاغيا بسبب الفيتو.
الجميع يعرف الداء لكن الدواء غير متفق عليه. وسنعود في السنة المقبلة وسنسمع نفس الكلام بضرورة إصلاح المنظمة الدولية.

ثانيا- أخطار المناخ

مع ازدياد الكوارث الطبيعية كالزلازل المدمرة كما حدث في فنزويلا ثم كولومبيا أو الفيضانات والانهيارات الطينية التي تقتل الآلاف كما حدث مؤخرا في تايلند وباكستان، وأعاصير وحرائق الغابات البرية بسبب ارتفاع الحرارة بطريقة غير مسبوقة كما حدث في كندا والولايات المتحدة والجزائر وغيرها، وقد بلغت الكوارث الطبيعية نحو 20 كارثة هذا العام حصدت مئات الألوف من البشر، غالبية الدول الأعضاء أشاروا إلى التغير المناخي والاحتباس الحراري وضرورة العمل الجماعي لتنفيذ اتفاقية باريس للتغير المناخي لعام 2015 عن طريق التعاون الدولي ونقل التكنولوجيا وتخصيص الأموال اللازمة للانتقال من سياسة إطفاء الحرائق وتقديم المساعدات الإنسانية للضحايا إلى استراتيجية تقوم على «الوقاية ودرء الأخطار قبل وقوعها»، وهذا هو الاتجاه العام. ترامب لا يؤمن بأن هناك أخطارا من التغير المناخي وهو أصلا لا يؤمن به.

ثالثا- أخطار الذكاء الاصطناعي

ربما لم تخل أي كلمة من كلمات الوفود من التنبيه والتحذير من أخطار الذكاء الاصطناعي. الذي يعرف والذي لا يعرف، كل أدلى بدلوه في هذا الموضوع الشائك. التحذير المتكرر هو ضرورة السيطرة على تقنيات الذكاء الاصطناعي قبل فوات الأوان. وأهم أخطار الذكاء الاصطناعي هو الخروج عن السيطرة لتصبح الآلات تتمتع بقوة مستقلة بحيث ترتد لتسيطر على من صنعها. والتخوف الموازي أن تتطور آليات الذكاء الاصطناعي ليصبح مسلحا وفي نفس الوقت مستقلا. وبالتالي قد تقوم تلك الآلات بعمليات قتل وتدمير جماعي بدون رادع. وقد عقد مجلس الأمن جلسة خاصة يوم 23 أيلول/سبتمبر لأول مرة حول مخاطر الذكاء الاصطناعي شارك فيها أربع شركات مهمة تقوم بتطوير تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي. ونبه الفريق المستقل حول الذكاء الاصطناعي الذي شكله الأمين العام والمكون من 40 خبيرا، إلى ضرورة العمل على احتواء المخاطر والعمل على التوصل لاتفاقية تكون السلامة شرطا للتصنيع وأن يتعاون البشر جميعهم لضبط أجهزة الذكاء الاصطناعي قبل فوات الأوان. معظم الوفود كررت النداء إلا أن ترامب رفض هذا الاسم وطالب باستبداله بالذكاء الخارق.

رابعا- حل القضية الفلسطينية

أزمات الشرق الأوسط المترابطة طغت على كلمات غالبية الوفود. تبدأ بأزمة مضيق هرمز وصولا إلى غزة أو العكس. هناك إدانات واسعة لعنف المستوطنين وضرورة محاسبة مرتكبي العنف. كما تكررت الوعود بقطع العلاقات مع المستوطنات ومنتوجاتها. أما الحل فقد كررته الوفود بطريقة أصبحت مملة «حل الدولتين إسرائيل وفلسطين تعيشان جنبا إلى جنب بسلام وأمن وضمن حدود معترف بها والقدس عاصمة للدولتين». بعض الأوروبيين يتعامى قصدا عن قضية القدس ويذكر فقط بضرورة احترام الوصاية الهاشمية. أما غزة فكثيرا ما تبدأ كلمات الوفود بإدانة ما جرى يوم 7 أكتوبر ثم يظهر استهجانها لحجم الدمار والقتل في غزة ولكن بعد أن يضع له الإطار التبريري في حادثة 7 أكتوبر. البعض رحب بمجلس السلام الذي أنشأه ترامب كمصيدة للمقاومة لإطلاق سراح الرهائن وبعد ذلك إطلاق أيادي إسرائيل لتقتل وتدمر بدون أدنى اهتمام. فترامب لم يأت على ذكر ما يرتكب من جرائم في قطاع غزة أو الضفة الغربية. قلة من الوفود تجرأوا بتسمية ما جرى في غزة بالإبادة. لبنان يرتبط بهذا الجزء من الخطاب ولا تنسى الأمم المتحدة بضرورة الإلتزام بقرار 1701 (2006) وكأن إسرائيل معنية بأي قرار صادر عنها. سوريا والتطورات الأخيرة تأتي في هذا السياق وكثير من الوفود رحب بالتطورات الإيجابية التي شهدتها سوريا وطالب بوقف الانتهاكات الإسرائيلية لسيادة سوريا.

خامسا- قوة القانون وليس قانون القوة

هناك شبه إجماع بين وفود الدول الصغيرة والمتوسطة وبعض الدول الكبيرة تؤكد على أن هناك حدودا للقوة. لكن مفهوم القوة مختلف اليوم. فلم يعد السلاح وحده يقرر مصائر الآخرين. وهناك أمثلة كثيرة على فشل القوة العمياء بفرض إرادتها على الدول الصغيرة إذا ما صممت تلك الدول أن تدافع عن بلدها وكرامتها. وقد قيل الكثير أن مفهوم القوة تغير كثيرا فمن قوة السلاح إلى قوة الاقتصاد إلى قوة التكنولوجيا. لكن اليوم هناك قوى أخرى مثل الشركات العملاقة التي تملك من المال ما يزيد عما تملكه كثير من الدول وهناك أفراد يملكون الآن قوى ورساميل وإمكانيا أكثر من بعض الدول، لكن لا القوة العسكرية ولا الاقتصادية ولا التكنولوجية قادرة على حل مشاكل اليوم وتحدياته المستقبلية بمفردها والحل هو الجمع بين مصادر القوى جميعها ووضعها في إطار موحد ليتصدى ما ينتظر عالمنا من أخطار.

✎

فريق تحرير الحدث الإخبارية

فريق التحرير في الحدث الإخبارية — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق