ثلاثة انتخابات مفصلية مقبلة

منذ 57 دقيقة

تفصلنا أسابيع قليلة عن ثلاثة انتخابات قد تغيّر كثيراً في المشهد السياسي الإقليمي والدولي. أعني، بداية، الانتخابات التشريعية الإسرائيلية في 27 أكتوبر، ثم الانتخابات الأمريكية النصفية للكونغرس بعدها بأسبوع، في الثالث من نوفمبر، وأخيراً الانتخابات التشريعية الفلسطينية المقررة، إن جرت، في الثامن والعشرين من الشهر نفسه.
كتبت في مقالي السابق عن الانتخابات الإسرائيلية، من الواضح أن الائتلاف الموالي لنتنياهو لن يحصل على أكثر من 52–53 مقعداً في الكنيست، ما سيمنعه من تشكيل حكومة جديدة تحتاج إلى 61 مقعداً على الأقل. لكن ذلك لا يعني بالضرورة خروج نتنياهو من المشهد. فالائتلاف المعارض له بزعامة غادي أيزنكوت، لن يحصل بدوره على أكثر من العدد نفسه تقريبا، ما يمنعه أيضاً من تشكيل حكومة، رغم أن حزب أيزنكوت، «يشار»، يتفوق اليوم على الليكود في عدد المقاعد.

تطورات مقلقة اليوم تفيد بأن السلطة الفلسطينية إما تفكر جدياً في تأجيل الانتخابات، أو اتخذت بالفعل قرار التأجيل ولم يتبق سوى تحديد آلية الإعلان عنه

أما القائمتان العربيتان، أي قائمة الجبهة المشتركة المدنية والقائمة العربية الموحدة الإسلامية، فمرشحتان للحصول على نحو 13 مقعداً، بعد اتفاق الأحزاب المكوّنة للقائمة المشتركة على خوض الانتخابات معاً، من دون قائمة منصور عباس التي توافق على الانضمام إلى حكومة يهودية، خلافاً للأحزاب العربية الأخرى، ومع توقعات بارتفاع نسبة التصويت لدى فلسطينيي الداخل.
خلاصة القول، إنه في حال إصرار نتنياهو وأيزنكوت على عدم إشراك القوائم العربية في الحكومة، ولا سيما أن القائمة المشتركة ترفض أصلاً دخول حكومة يهودية تواصل سياسة التمييز ضد فلسطينيي الداخل، فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً هو اتفاقهما على حكومة «وحدة وطنية يهودية». وستستثني هذه الحكومة فلسطينيي الداخل، وكذلك الحزبين اليهوديين اليمينيين «المتطرفين»، سموتريتش وبن غفير، وحزب الديمقراطيين «اليساري» بزعامة يائير غولان، الناتج عن اندماج حزبي العمل وميرتس، وهو الحزب الوحيد اليهودي اليوم الذي يقبل بدولة فلسطينية.
مثل هذا التوافق سيؤمّن حكومة جديدة بأغلبية مريحة في الكنيست، قد تكون أكثر تشددا تجاه ممارسات المستوطنين في الضفة الغربية، وقد تحاول تحسين صورة إسرائيل أمام المجتمع الدولي، لكنها لن تقدم أي تنازلات للفلسطينيين، أو تحرز تقدماً نحو حل الدولتين، الذي لا يؤمن به أي من مكونات مثل هذه الحكومة، إضافة إلى ذلك، سيصر نتنياهو على ترؤسها أولاً ضمن أي اتفاق للتناوب، لأن مصيره بعد سنتين غير واضح في ظل مشاكله القضائية. بمعنى آخر، خسارة نتنياهو الانتخابات لا تعني بالضرورة ابتعاده عن رئاسة الحكومة، ولا تعني أن الحكومة المقبلة ستكون أكثر مرونة تجاه إيجاد حل سياسي يفضي إلى قيام دولة فلسطينية.
يختلف الوضع في الانتخابات الأمريكية النصفية، فكل الدلائل تشير إلى أن مجلس النواب الأمريكي سيحصل على أغلبية ديمقراطية، رغم المحاولات الجمهورية لإعادة رسم بعض الدوائر بما يزيد حظوظ مرشحي الحزب.
يصوّت الناخب الأمريكي عادة وفق معايير اقتصادية، لا وفق السياسات الخارجية للحزبين، إلا إذا بدأت هذه السياسات تمس جيبه، كما هو الحال اليوم. فقد ارتفعت أسعار الوقود والمواد الغذائية كثيراً بعد الحرب على إيران، ما دفع العديد من الأمريكيين، بمن فيهم جزء من قاعدة ترامب الانتخابية، إلى التشكيك في نجاعة سياساته الاقتصادية والخارجية. كما ان بعض تصريحات ترامب الأخيرة الغريبة كوعده اعطاء كل ناخب خمسة آلاف دولار في حال بقيت أغلبية جمهورية في كلا المجلسين بدأت تشكك في قدرته العقلية لدى العديد من الناخبين.
الجديد اليوم أنه، فيما كان الرأي السائد سابقاً يستبعد تحوّل مجلس الشيوخ إلى أغلبية ديمقراطية، إذ يحتاج الديمقراطيون إلى قلب أربعة مقاعد جمهورية والاحتفاظ بمقعدين ديمقراطيين في ست ولايات غير محسومة، تشير استطلاعات الأسابيع الماضية إلى إمكان حصولهم على واحد وخمسين مقعداً تؤمّن لهم الأغلبية المطلوبة. ولا يزال من السابق لأوانه الجزم بهذا الانتصار، لكنه، إن تحقق في المجلسين، سيشكّل شوكة في حلق سياسات ترامب، ويجعل تمرير العديد منها بالغ الصعوبة. ولا ننسى أن مجلس الشيوخ يوافق على تعيينات كبار مسؤولي الدولة، بمن فيهم الوزراء والسفراء وقضاة المحكمة العليا وكبار القضاة الآخرين، فضلاً عن كبار قادة الجيش.
نأتي إلى الانتخابات التشريعية الفلسطينية التي التزمت بها السلطة العام الماضي، تنفيذاً لضغوط عربية ودولية، على أن تتبعها انتخابات رئاسية، بعد أكثر من عشرين عاماً على آخر انتخابات جرت عام 2006. من حق المواطن الفلسطيني أن تجري هذه الانتخابات لتجديد شرعية المجلس التشريعي والرئاسة الفلسطينية، بعدما شهدت السنوات العشرون الماضية تطورات عديدة لم يعد معها الناخب الفلسطيني يشعر بتمثيل حقيقي في هاتين المؤسستين، إلا أن تطورات مقلقة اليوم تفيد بأن السلطة الفلسطينية إما تفكر جدياً في تأجيل الانتخابات، أو اتخذت بالفعل قرار التأجيل ولم يتبق سوى تحديد آلية الإعلان عنه. لا شك في أن الحرس القديم في السلطة قلق للغاية من انتخابات يُنتظر أن يخسر فيها كثيراً من مقاعده ونفوذه، كما أن قوى ثالثة، إلى جانب فتح وحماس، ظهرت خلال العقدين الماضيين، ولها قواعد شعبية مؤثرة. ويجادل الحرس القديم اليوم، مستخدماً مختلف الذرائع، بضرورة تأجيل الانتخابات. وهذا خطأ كبير، فالسلطة الفلسطينية في أضعف أحوالها، ولا يمكنها بحال ادعاء تمثيل غالبية الشعب الفلسطيني من دون انتخابات عادلة ونزيهة. الزمن تغيّر؛ نحن في عام 2026 لا 2006. صحيح أن الولايات المتحدة وإسرائيل لا تريدان هذه الانتخابات، لكن واجب السلطة الفلسطينية اليوم الإصرار عليها تنفيذاً لرغبة شعبها.
ثلاثة انتخابات قد تغيّر المشهد جذرياً.. نراقب وننتظر.

وزير أردني سابق

✎

فريق تحرير الحدث الإخبارية

فريق التحرير في الحدث الإخبارية — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

أخبار ذات صلة

0 تعليق