عبد العزيز بنعبو
نتائج الاقتراع لم تمنح أي حزب القدرة على الاقتراب من الأغلبية المطلقة، ما يجعل تشكيل الحكومة المقبلة رهينًا ببناء تحالفات قادرة على تأمين الأغلبية داخل الغرفة الأولى للبرلمان.
الرباط ـ «القدس العربي»: أعادت الانتخابات التشريعية التي شهدها المغرب، الأربعاء الماضي، رسم الخريطة الحزبية بصورة واضحة، بعدما أفرزت النتائج الأولية التي أعلن عنها وزير الداخلية عبد الوافي، لفتيت تصدّر حزب «الأصالة والمعاصرة» للمشهد البرلماني بحصوله على 97 مقعدًا من أصل 395 مقعدا في مجلس النواب (الغرفة الأولى للبرلمان المغربي)، يليه حزب «التجمع الوطني للأحرار» بـ 66 مقعدا، ثم حزب «الاستقلال» بـ 65 مقعدا، أمام عودة كبيرة لحزب «العدالة والتنمية» الذي حلّ رابعًا بـ 54 مقعدا. فيما توزعت باقي المقاعد بين أحزاب «الحركة الشعبية» بـ 29 مقعدا، و«الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية» بـ 26 مقعدا، و«التقدم والاشتراكية» بـ 19مقعدا، و«الاتحاد الدستوري» بـ 17مقعدا، إلى جانب أحزاب أخرى.
ويلاحظ أن نتائج الاقتراع لم تمنح أي حزب القدرة على الاقتراب من الأغلبية المطلقة المحددة في 198 مقعدا، ما يجعل تشكيل الحكومة المقبلة رهينًا ببناء تحالفات قادرة على تأمين الأغلبية داخل الغرفة الأولى للبرلمان.
وفيما يتعلق بحسابات تشكيل الحكومة، تضع الأرقام أمام الحزب المتصدر عدة خيارات. ومن بين السيناريوهات المطروحة إعادة تشكيل التحالف الحكومي السابق، مع تغير موازين القوة داخله، وذلك عبر جمع «الأصالة والمعاصرة» و«التجمع الوطني للأحرار» و«الاستقلال».
عدديًا، فإن هذا التحالف سيوفر أغلبية تبلغ 228 مقعدا، أي بفارق 30 مقعدا عن عتبة الأغلبية المطلقة. كما يستند هذا الخيار إلى تجربة حكومية مشتركة خلال السنوات الماضية. لكنه يواجه في المقابل تداعيات السجالات السياسية التي شهدتها العلاقة بين مكوناته خلال الحملة الانتخابية، ولا سيما بين «الأحرار» و«الأصالة والمعاصرة»، وما رافقها من مواقف وتصريحات متبادلة.
أما السيناريو الثاني، فيقوم على تحالف يجمع «الأصالة والمعاصرة» و«الاستقلال» و«العدالة والتنمية»، وهو ما يمنح أغلبية تصل إلى 216 مقعدا، أي بفارق 18 مقعدا عن عتبة الأغلبية المطلقة. ويجمع هذا الخيار بين الحزب المتصدر والحزب الذي سجل أكبر ارتفاع في عدد المقاعد مقارنة بالانتخابات السابقة، غير أن تحققه سيبقى مرتبطا بالمواقف السياسية للأطراف المعنية ومدى قدرتها على تجاوز التباينات والخلافات السابقة، خاصة في ظل توتر وسجالات سابقة بين «الأصالة والمعاصرة» و«العدالة والتنمية». والمستجد في الموضوع الذي يجعل هذا السيناريو بعيدا عن التحقق، هو الموقف الذي أعلنت عنه الأمانة العامة للحزب الإسلامي، مؤكدة أن مكانه الطبيعي هو «المعارضة الوطنية المسؤولة والقوية».
ويبرز كذلك سيناريو ثالث يقوم على تحالف «الأصالة والمعاصرة» و«التجمع الوطني للأحرار» و«العدالة والتنمية»، بأغلبية تصل إلى 217 مقعدا. ويتجاوز هذا التحالف عتبة الأغلبية المطلقة بـ 19 مقعدا، لكنه يتطلب بدوره توافقات سياسية بين مكونات خاضت الانتخابات بخطابات وبرامج مختلفة.
ومن بين الإمكانيات الأخرى لتشكيل الأغلبية، تطرح فرضية التحالف الرباعي بين «الأصالة والمعاصرة» و«الاستقلال» و«الحركة الشعبية» و«الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية»، وهو ما سيوفر 217 مقعدا، ويتيح للحزب المتصدر تشكيل أغلبية من دون الاعتماد على أحد الحزبين الآخرين، «التجمع الوطني للأحرار» أو «العدالة والتنمية». غير أن تعدد الشركاء في هذا النموذج يفرض بدوره تفاهمات سياسية بين أربعة أحزاب.
وعمومًا، وأمام هذه الاحتمالات، المؤكد أن انتخابات 2026 أعادت توزيع مراكز القوة داخل المشهد الحزبي المغربي، بعدما تصدر «الأصالة والمعاصرة» النتائج، وتراجع «التجمع الوطني للأحرار» و«الاستقلال»، في مقابل عودة قوية لـ «العدالة والتنمية» إلى واجهة المشهد البرلماني.
بيد أن القراءة الأولية للاستحقاقات الانتخابية الأخيرة التي شارك فيها 28 حزبًا، لا يمكن أن تغفل مؤشرًا دالاً، يتمثل في تراجع نسبة المشاركة في التصويت إلى 38.02 في المئة، مقابل 50.86 في المئة سنة 2021 و42.27 في المئة سنة 2016. وبهذا يكون اقتراع 23 أيلول/ سبتمبر قد شهد مشاركة ما يقارب 6 ملايين ناخبة وناخب، بينما تشير الأرقام الرسمية إلى أن عدد الناخبين الذين يحق لهم التصويت بلغ 15 مليونًا و801 ألف و162 شخص. بمعنى آخر، أن حوالي 62 في المئة من الناخبين المسجلين لم يدلوا بأصواتهم في صناديق الاقتراع.
في هذا الصدد، أوضح عبد الله أبو عوض، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة عبد المالك السعدي في مدينة تطوان، أن بيان وزارة الداخلية بشأن نسبة المشاركة جاء في إطار تنوير الرأي العام، وليس موجها إلى الأحزاب، وإن كان لا يحمل في نبرته توبيخًا لها بقدر ما يستهدف، في نظره، تحفيز دورها وتفعيله فيما يتعلق بالمشاركة السياسية.
وقال الباحث الأكاديمي، متحدثًا إلى «القدس العربي»، إنه إذا قارنا هذه النسبة بما سجلته انتخابات عام 2016، التي كانت في حدود 42 في المئة، بدلا من مقارنتها مباشرة بعام 2021، سنجد أنها أضعف نوعا ما، لكون استحقاقات 2016 كانت انتخابات تشريعية، كما هو الحال الآن، في حين شكلت انتخابات 2021 حالة استثنائية لجمعها بين الانتخابات التشريعية والبلدية. وبناء عليه، يؤكد المتحدث، لا تستقيم مقارنة أرقام اليوم بنسبة المشاركة التي تجاوزت 50 في المئة في تلك المرحلة، تجنبا لخلط الأوراق.
وفي المقابل، سجّل المتحدث نفسه أن مشاركة الشباب جاءت ضعيفة جدا، لا سيما في الفئة العمرية ما بين 18 و24 سنة، حيث لم تتجاوز نسبة التسجيل في اللوائح الانتخابية، بحسب المعطيات الرسمية، 4 في المئة، بينما بلغت النسبة لدى من تبلغ أعمارهم 60 سنة فما فوق ما بين 28 و30 في المئة. ويرى أن ذلك يعكس، في جانب منه، ضعف التعبئة العامة من طرف الأحزاب، في ظل ظروف لم تكن مبنية، في تقديره، على أسس تنظيمية ترتبط بالعمل على تطوير الهياكل التنظيمية خلال السنوات الماضية. ولم يغفل أبو عوض بعض الأسباب الأخرى للعزوف الانتخابي، ومنها السجالات والخلافات التي شهدتها أحزاب التحالف، والتي ساهمت، في رأيه، في تكريس نوع من الملل السياسي لدى المتتبعين، ولا سيما ضمن الطبقة الوسطى التي ينطلق وعيها بالعمل السياسي من منطق النضج واقتراح البرامج. وأضاف أن انزلاق بعض التصريحات وخروجها عن السيطرة بين أحزاب التحالف ساهم في إضعاف المشاركة.
وتعليقًا على نتائج الانتخابات، أوضح أبو عوض أن هناك ملاحظة أساسية تتمثل في كون بعض الأحزاب كانت أكثر تنظيما وعملت على استقطاب الشخصيات والوجهاء المحليين المؤثرين انتخابيا، «إن جاز التعبير»، وهو أمر من حقها ولا يندرج ضمن الترحال السياسي، إذ إن كافة الأحزاب، متى أتيحت لها الظروف للعمل على مستوى معين، تتجه نحو الاستقطاب المفتوح لأعيان الانتخابات.
وأبرز المتحدث أن هذه الآليات شملت أيضا التعبئة الجماهيرية، الوصول إلى القواعد الشعبية، وسعي الأحزاب إلى الاقتراب من المواطنين واعتماد برامج للتواصل، وهي العوامل التي يرى أنها انعكست على النتائج الانتخابية. ومن أبرزها تصدر حزب «الأصالة والمعاصرة» الذي يبدو أنه اشتغل بشكل مكثف على الميدان، وحرص على استقطاب الكتل الناخبة وتنظيمها وتعبئتها، بما ساهم في تعزيز حضوره الانتخابي، يوضح أبو عوض.
وحسب الباحث الأكاديمي، فإن تراجع حزب «التجمع الوطني للأحرار» وفقدانه أكثر من 30 مقعدا شكل مفاجأة في هذه الاستحقاقات، إلى جانب تراجع حزب «الاستقلال» من 81 إلى 65 مقعدا، فيما فقدت أحزاب أخرى بدورها مجموعة من المقاعد. وبناء عليه، فإن مجمل هذه المعطيات تفسر، في نظره، جانبا من دور التعبئة الحزبية في رسم النتائج التي حصلت عليها.
أما المفاجأة الكبرى، يقول أبو عوض، فقد تمثلت في قفزة حزب «العدالة والتنمية»، الذي حصل على 54 مقعدا مقارنة بـ 13 مقعدا فقط في الانتخابات السابقة، إلى جانب «الحركة الشعبية» التي أحرزت 29 مقعدا مقارنة بـ28 مقعدا.
- حديقة الشهيد تفتتح مرحلتها الثالثة للجمهور بكرنفال ضخم بداية أكتوبر
- فتاوى معاصرة
- وكيلة «العدل»: مكافحة الجريمة مسؤولية تكاملية تقوم على التعاون الدولي والتشريعات الوطنية
- ديوان بوخمسين يعاود استقبال رواده غداً الإثنين
- تنسيق عراقي - كويتي استباقي لمكافحة المخدرات وأمن الحدود.. والعراق لن يكون مصدر تهديد للجوار















0 تعليق