سوريا… المعادلة القاتلة

منذ 57 دقيقة

في حوار بعنوان «سوريا المستقبل»، أجري ضمن فعاليات قمة الإعلام العربي 2026 في دبي، قال الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع، كلاما مبهجا عن وضع سوريا الجديدة ومستقبلها الاقتصادي الواعد، مبشرا بنمو متسارع وارتفاع الناتج الوطني في وقت قياسي.
قال إن سوريا تحولت من «مشكلة كبيرة» إلى «فرصة عظيمة»، وإن الناتج الوطني قد قفز من 20 مليار دولار عام 2024 إلى 32 مليار دولار عام 2025، وإنه يتوقع له أن يبلغ 50 مليار دولار هذا العام؛ وأن يستعيد في عام 2027 تقريباً مستوياته المسجلة عام 2010، أي 60 مليار دولار، وتحدث عن طموح أن يصل الناتج الوطني إلى 200 مليار دولار خلال 5 سنوات أو 10 سنوات التالية، وتحدث عن إنتاج زراعي كبير في حال استخدام التقنيات الزراعية الحديثة يمكن أن تكفي ما بين 70 و100 مليون نسمة، وعن فرصة لتحوّل سوريا إلى ممر للطاقة والتجارة. ودعا الدول الخليجية والأوروبية إلى اغتنام الفرصة والاستثمار في الاقتصاد السوري.
هل سوريا أمام قفزة واسعة في ناتجها الوطني، أم أن الترويج لمثل هذه التوقعات المتفائلة ليس أكثر من حملة علاقات عامة، هدفها تشجيع الدول العربية والصديقة على الاستثمار في سوريا؟ واقع الحال أن ثمة مساحة شاسعة بين الأرقام التي طرحها الرئيس الانتقالي، والواقع الفعلي، حيث كان البنك الدولي قد قدر النمو في سوريا عام 2025 بـ1%، هذا مع التضخم والبطالة واضطراب سعر صرف العملة الوطنية والعجز المالي، الذي قدره تقرير لوزارة المالية صدر نهاية أغسطس الماضي عن الإيرادات والإنفاق في النصف الأول من العام الحالي بمليار دولار، وإشارة البنك الدولي على السلطة السورية ببناء موازنة 2027 على تقديرات منخفضة للإيرادات والتمويل، وضبط نمو الإنفاق الجاري، مع تعزيز إدارة المالية العامة والرقابة على العمليات خارج الموازنة والالتزامات المحتملة والضمانات الحكومية، معطيات تضع علامات استفهام حول الأرقام الواردة في حديث الشرع. لقد أشاعت هذه التقديرات والوعود السخية حيرة الكثير من المواطنين، وأثارت أسئلة في ضوء تعارضها مع الواقع المعيش وضغوطه المتزايدة، ودفعت كثيرين إلى التفكير بصوت عال، محذرين من إثارة آمال غير واقعية لأن النتيجة ستكون شديدة السلبية، إحباطا وريبة بالوعود ومطلقيها.

مراهنة السلطة السورية على تحوّل سوريا إلى ممر للطاقة والتجارة بين دول الخليج العربي وتركيا وأوروبا، في غير مكانها ما لم توفر الاستقرار والأمن الداخلي بحل الخلافات

تكمن المشكلة في الفرق الشاسع بين التقديرات المعلنة، والامكانيات الحقيقية؛ فالزراعة في سوريا، التي قال إنها يمكن أن توفر الغذاء لـ70 إلى 100 مليون نسمة، ليست في حالة سيئة فقط، بل يقول الخط البياني، إنها تتجه لمزيد من التراجع في ضوء المعطيات التالية: تقدر المساحة القابلة للزراعة بنحو 6.5 مليون هكتار، المروي منها نحو 1.4 مليون هكتار، والبعلي بنحو 3.3 إلى 4 ملايين هكتار. ما يعني أن أغلبية الأراضي الزراعية تعتمد على الأمطار، ونسبة الأمطار في سوريا قليلة، فقد بلغ المعدل السنوي العام منذ عام 1901 وحتى عام 2024 حوالي 308.13 ملم، مع تفاوت كبير بين المناطق الساحلية والداخلية، الساحل حوالي 800 ملم سنويّاً، والمناطق الشرقية والبادية والداخلية بين 100 إلى 200 ملم سنويّاً، حتى الأراضي المروية تتأثر بالأمطار، لأن قلة الأمطار في شرق المتوسط تدفع تركيا إلى تقليص كمية المياه التي تطلقها من سدودها الكثيرة على نهري دجلة والفرات. نتذكر موسم عام 2025 حيث كان المطر شحيحا، وكادت أنهار الفرات ودجلة والخابور تتوقف عن الجريان. والتعويل على التقنيات الزراعية الحديثة لرفع الإنتاج الزراعي غير مضمون، لأن التقنيات الزراعية الحديثة (الرش والرذاذ) تقلل نسبة المياه اللازمة للسقاية، لكنها لا تحدث فرقا كبيرا في ظل شح المياه؛ والمياه في سوريا شحيحة، إذ تتراوح الموارد المائية المتجددة حول 15 مليار متر مكعب سنوياً؛ والمائدة المائية في تراجع، نتيجة الضخ الكبير. هذا واقع المعطيات الطبيعية، أما المعطيات البشرية فتقول إن مزارعين كثرا هجروا الزراعة بسبب المواسم الخاسرة، نتيجة شح المطر وغلاء المحروقات والأسمدة وأجور الحصادات، هذا واضح جلي في محافظتي دير الزور والرقة، وانتقلوا إلى المدن للعيش في العشوائيات والبحث عن مصدر رزق بديل. وعليه يمكن للاستثمارات العربية والأجنبية أن توفر السيولة، هذا إن جاءت بمبالغ معقولة، لكنها لا تضمن حصول الإنتاج بكميات كبيرة ما لم تعضدها هطولات مطرية مناسبة، وإدارة حصيفة لهذه السيولة. والسؤال هل قدوم الاستثمارات وبمبالغ وازنة وارد، أم ثمة متطلبات لذلك يجب توفيرها حتى تنجح خطة الشرع في جلب مستثمرين؟
واقع الحال أن المستثمرين، دولا أو شركات خاصة، هدفهم تحقيق مصلحة للدول وربح للشركات الخاصة، ما يربط قدوم الاستثمارات ببيئة سياسية وأمنية وقانونية، قادرة على تحقيق أهداف المستثمرين، بدءا بحالة استقرار سياسي وأمني، وأسس قانونية وقضاء مستقلّ وفاعل ونزيه ومؤسّسات رقابية قادرة على مكافحة الفساد، ومنع نشوء شبكات محسوبية، وتوسيع المشاركة وترسيخ سيادة القانون. فالمستثمر يقيس المخاطر بقدرته على التنبّؤ بمسار السياسات، واللجوء إلى القضاء، وتحويل الأرباح، وضمان عدم تغيّر القواعد بقرار سياسي أو إداري، بالإضافة إلى بنية تحتية تسهل عمل المستثمرين، من طرق، جسور، وسائط نقل، اتصالات، إلخ. هنا لا بد من التدقيق في إمكانية تحقيق هذه الشروط، وفي الدوافع والخلفيات التي تحرك المستثمرين، خاصة بعد اتضاح فجوة واسعة بين التعهدات والتعاقدات الأولية، وما دخل منها حيز التنفيذ، فالمناخ بين الدول العربية مشوب بالمخاوف والهواجس وانعدام الثقة، ما جعل التجارة البينية والاستثمارية بينها بحدودها الدنيا، وتعهدات الدول العربية والأجنبية الراهنة لسوريا مرتبطة بتنافس جيوسياسي على كسب السلطة الجديدة في صالح هذه الدولة، أو تلك، ما يجعل هذه التعهدات عرضة للتبدل باتجاهات عديدة، بما في ذلك التراجع عنها، إنها مشروطة وليست دون ثمن، وتنفيذ العقود الابتدائية مع الشركات الخاصة مرتبط باطمئنان هذه الشركات على رؤوس أموالها وعلى عوائدها النهائية.
سينجم عن المراهنة على الاستثمار الخارجي لتحقيق النمو الاقتصادي معادلة حساسة وخطرة، فاستثمارات الدول مرتبطة بشروط سياسية، قد تمس بالسيادة الوطنية واستثمارات الشركات الخاصة مرتبطة بتحقيق ربح مجزٍ ما يفرض أولويات وتقديرات محددة للمشاريع الاستثمارية، وتنفيذ طلبات الدول والشركات الخاصة يستدعي استثمار جهد القوى العاملة السورية وفئات هشة من المجتمع لتمويل الموازنة بالعائدات عن طريق الجمارك والضرائب وفواتير كهرباء ومازوت وغاز وخبز مرتفعة. وهذا يتضارب مع احتياجات الشعب السوري وتطلعاته، حيث أكثر من 15.6 مليون سوري بحاجة إلى مساعدات إنسانية، والحاجة لتوفير ظروف لعودة 5.5 مليون شخص إلى ديارهم، بينهم حوالي 800 ألف شخص عالقون في المخيمات، أكثر من 75% منهم من النساء والأطفال، والسبب الرئيس في عدم عودتهم إلى الديار، الدمار الكبير وعدم وجود بدائل متاحة للسكن، ما يفرض أولوية قيام شبكة حماية اجتماعية لتوفير مظلة تخفف من الفقر والعوز ومشاريع إنتاجية توفر فرص عمل، وهو ما لم يلحظه الرئيس الانتقالي في حديثه، بل قال ما يتعارض معه حين تحدث عن حلول بالصدمة وعن نمو قادم سيعم البلاد. كان كلاوديو كوردوني نائب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى سوريا، قد نبه إلى أن الخطوات الاقتصادية التي اتخذتها السلطة السورية تتناقض بشكل صارخ مع الضغوط الاقتصادية التي يواجهها السوريون العاديون، مشيرا إلى أن المواطن السوري البسيط سيحكم على التعافي الاقتصادي في نهاية المطاف من خلال واقع حياته اليومية.
تبقى مراهنة السلطة السورية على تحوّل سوريا إلى ممر للطاقة والتجارة بين دول الخليج العربي وتركيا وأوروبا، في غير مكانها ما لم توفر الاستقرار والأمن الداخلي بحل الخلافات مع الموحدين الدروز في السويداء ومع العلويين في الوسط والساحل، حيث ستمر أنابيب النفط والغاز والسكك الحديد وتسلك الشاحنات، وما لم يحصل توافق إقليمي. وهذا يتطلب تغيير التوجه السياسي والإقرار بالتعددية والتشاركية التي تتهرب منها.
في الختام لا بد من إعادة نظر في السياسة الاقتصادية المتبعة، وتبني سياسة توازن بين الحاجة للاستثمارات الخارجية واحتياجات الشعب السورية لأمن غذائي وخدمي في كنف الحرية والكرامة.

كاتب سوري

✎

فريق تحرير الحدث الإخبارية

فريق التحرير في الحدث الإخبارية — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

أخبار ذات صلة

0 تعليق