رحلت مؤخراً الكاتبة الأمريكية آني ديلارد (1945 – 2026)، ولأن قراءة أعمال كاتب هي أفضل ما نهديه له في لحظة اكتمال قوس حياته، عدت إلى كتابها «قدَّوس المتين.. عن الكون والعزلة الرهبانية» (دار روايات، ترجمة: سلمان الجربوع). ومع إعادة قراءته، شعرت بأنني أكتشف مجدداً هذه الكاتبة الحائزة جائزة بوليتزر عام 1975 عن كتابها «حاج على ضفاف الغدير».
تنتمي آني ديلارد إلى طينة الكُتَّاب الملهِمين الذين يمنحون القارئ طرائق جديدة للرؤية، ويهبونه فهماً أعمق وأكثر إنسانية للعالم. تفعل ديلارد هذا، من دون وعظ أو إرشاد، بمجرد مشاركة طريقتها في عيش الحياة، تدعونا إلى استشعار دقائق الوجود بوعي كامل، حيث تتحول التفاصيل العابرة إلى أحداث تستحق التأمل. ومن خلال عدستها، لا نكتفي برصد المناظر الطبيعية والكائنات الحية والنباتات، بل نغوص في دلالاتها، وما تخفيه وتغبِّش عليه، فنرى المقدس في الدنيوي، ونستكشف الشر المتقنِّع بقناع الخير، والخير المتسربل برداء الشر، مدركين أن المريع والرائع يقترنان في هذا الوجود اقتراناً بلا انفصام فيه. تستهل المؤلفة تأملاتها في «قدَّوس المتين» بالطبيعة، وتبدع في وصف تفردها حتى ليخال القارئ أنها ستكتفي، على مدار الكتاب، بالتغني بجماليات الخلق، لكنها بنعومة ورويَّة تسحبنا داخل بحر رمال من التساؤلات الروحية والفكرية الشائكة. فهي لا تغفل عن الفظاعات والكوارث وهي تقر بالفاتن، فتسبِّح بعظمة الكون وتبتهل للمحيط والجبال والسماء، من دون أن تغض الطرف عن قسوة العالم، وما يخبئه من حوادث مريعة عند كل منعطف.
بعبارة أخرى، لا تقع آني ديلارد في فخ المديح المجاني أو الرؤية الغنائية السطحية، إذ تبصر ما حولها بعينين مفتوحتين على اتساعهما، ومنتبهتين إلى النسيج المعقد لكل شيء. تعترف بقسوة العالم وشروره بقدر احتفائها بوجوهه الرائعة، محتضنة الحيرة والشكوك والأسئلة، ومقرة ضمناً بالترنح بين المتناقضات. ولعلي لا أجازف إن قلت إن كتابتها احتفالية بالخلق والفَناء معاً؛ سواءً كان المقصود فَناء فراشة عث، أو عصفور مهيض الجناح جلبته لها قطتها، أو حتى الفَناء المحدق بالعالم بأسره. وعلى المنوال نفسه، تجمع ديلارد في كتابتها بين روحانية صوفية وحسيَّة، تتبدى في تجسيد المجردات وأنسنة الجمادات، بل وتأليهها أحياناً. فمنذ السطور الأولى في «قدّوس المتين»، تحيل ديلارد أكثر الأفكار تجريداً إلى صور نابضة بالحياة، إذ تكتب: «أسبح بحمد كل يوم مع انفلاقه، انفلاقه متشظياً والتفافه في الزمن مثل كومة قش، كومة قش بألوان عديدة تنتثر، سريعاً تنتثر عند الفجر فوق شقوق الجبال».
وفي صفحات تالية، تنهمك في وصف مراحل احتراق فراشة عث على ضوء شمعة في ليلة تخييم، مقدمة وصفاً آخاذاً ينسينا أي شيء آخر، ويجعلنا نغبطها على براعتها في الملاحظة والقبض على أرهف الحركات والتغيرات، والانتباه إلى أبسط الكائنات من عثة إلى عنكبوت تعتبره رفيق سكن.
غير أن هذا الانشغال بالتفاصيل الدقيقة يكتسب أبعاداً أعمق حين تنتقل في الفصل التالي إلى وصف سقوط طائرة وانفجارها في الجوار، وما نتج عن ذلك من احتراق وجه الصغيرة جولي نوريتش ذات السبع سنوات؛ إذ تبدو حادثة احتراق الفراشة تمهيداً لهذه الفاجعة. وسرعان ما نكتشف أن مأساة جولي نوريتش تشكِّل العمود الفقري لهذا الكتاب والمنطلَق لمعظم تأملاته وتساؤلاته. فقد بدأت ديلارد رحلة كتابته بقرار تدوين كل ما يحدث في جزيرة «لومي» ـ الواقعة على مقربة من الحدود الكندية ـ على مدار ثلاثة أيام. وعندما انفجرت الطائرة في اليوم الثاني، اتخذ العمل منحى مغايراً، ليصبح تأملاً وجودياً في كُنه الألم ومغزى وجود الشر في العالم.
تنطلق آني ديلارد من نزعة صوفية ترى تجليات الخالق في كل شيء، لكنها تقف أحياناً على حافة الهرطقة والتجديف وهي تتفكر في أسئلة من قبيل: لماذا يسمح الرب بوجود الشر؟ لكننا في خلفية السؤال نكاد نلمح وجه جولي نوريتش المحترق، مصحوباً بكوارث أخرى مشابهة، تدفع للتساؤل: بأيِ ذنبٍ تختبر كائنات بريئة هذا القدر المروع من الألم؟
تستحضر ديلارد حكاية سؤال الحواريين للمسيح عن متسول فقد البصر وليداً: «خطيئة مَن؟ هل أذنب الرجل أم كانت جناية أبويه أن يولد أعمى؟ فبصق المسيح في الأرض ومزج بيديه من ذلك طيناً مسح به على عينَي الرجل فأعاد له بصره، وأجاب: «لتظهر أفعال الرب».
وتطرح سؤالها: «أنحتاج حقاً إلى ضحايا أكثر لتذكيرنا بأننا جميعاً ضحايا؟ أنحتاج عمياناً يتعثرون في المشي وأطفالاً صغاراً مشتعلي الوجوه، لتذكيرنا بما يمكن للرب فعله وبما سوف يفعله؟». وبعد استرسال فكري، تخلص ديلارد إلى أننا نحتاج بالفعل إلى تذكيرنا بما يستطيعه الدهر، «ما يجب أن يفعله فقط: أن يمخض فظائع الأيام كيفما اتفق ويضرب، بمباركة الرب، زبدتها على رؤوسنا ـ أننا خُلِقنا، عابرين في أرض لم نوجدها، أرض لا معنى لها في ذاتها ولا معنى نستطيع وحدنا إضفاءه عليها؟ مَن نحن لنطالب الرب بالإيضاح؟ وأي وحوش كمالٍ ينبغي أن نكونها إن لم نفعل؟».
وفي سياق آخر، تتناول صاحبة «حياة الكتابة» علاقة الرب بالعالم، مشيرة إلى طريقتين للتفكير سائدتين في الغرب منذ وقت طويل. «في الطريقة الأولى عند مترهبنة المسيحية الغيبيين، العالم منفصل عن الرب. ناشئ عنه ومرتبط به بواسطة المسيح، العالم رغم ذلك بصورة مطلقة شيء آخر غير الرب».
أما طريقة النظر الثانية، وهي «الأكثر قبولاً وكونية، كما ارتآها إكهرت وغيره كثير في صور متعددة، فلا تختلف كثيراً عن وحدة الوجود: أن العالم فيض، أن الرب حالٌ في الشيء، وأبدي الوجود هنا، إن لم يوجد في أي مكان آخر». غير أن مفهوم الحلول يحتاج معالجة وفقاً لديلارد، «والفكرتان ذاتهما بحاجة إلى رابط، بحيث يمكن للحياة أن تعني صفراً لشخص، وأن تعني المسيح لشخص آخر».
وبعيداً عن الجوانب اللاهوتية، تكتب ديلارد أنها تعيش شماليَّ «بيوجت ساوند»، في ولاية واشنطن، وحيدة؛ وهي جملة تقريرية بسيطة، لكنها تغري بالتفكير في أن هذه الوحدة تحديداً، وقدرة الكاتبة على التصالح معها، هما ما أرهف حواسها وشحذ بصيرتها، ودفعها لرؤية العالم كما يليق به أن يُرَى: بمزيج من الهلع والانسحار. فالعالم في مرآة كتاباتها شاسع، ملغز، مقدس ودنيوي في آن، في تمازج يصعب اختزاله في ثنائيات ضدية؛ إذ تظل الطريقة المثلى لمقاربته هي الملاحظة الدقيقة، والعين التي تستبصر التناقضات والتفاصيل الرهيفة، لترتقي بما تلتقطه عبر التأمل والتدبر إلى آفاق إبداعية جديدة. ولعل الوصف الأدق لمنهج ديلارد هو الرؤية بالعين والقلب معاً، حيث يتحد البصر بالبصيرة.
من جهة أخرى، يستدعي «قدوس المتين» تساؤلاً حول تصنيفه الأدبي، فهو يجمع بين الكتابة التأملية والسيرة الذاتية والفلسفة واللاهوت، ويكتسي كل هذا بلغة شعرية تقترب في بعض الأجزاء من قصيدة النثر. وقد نجح سلمان الجربوع، مستفيداً من خلفيته كشاعر ومترجم للشعر، في تقديم ترجمة بارعة قبضت على جوهر النص الأصلي؛ إذ حافظ على أسلوب آني ديلارد، فجاءت ترجمته عالية الشعرية والدقة، موائمة بين رهافة لغة الكاتبة وطابعها التأملي الصوفي، والحسية العالية التي تجسد الروحانيات وتنقل الأوجه الموَّارة لعالمنا بكل تعقيداته.
كاتبة مصرية

















0 تعليق