بقلم: د.عبدالله ناصر المطيري
عادة ما تقترن عبارة «عجز الميزانية» بشبح التقشف، وتجميد المشاريع التنموية، وانكماش المؤشرات المالية وإجراءات تثقل كاهل الاقتصاد. بيد أن الفكر الاقتصادي الحديث يرى في هذا العجز نقطة انطلاق، ومحفزا لإعادة هيكلة الاقتصاد إذا ما تم توجيهه بذكاء نحو مسارات صحيحة.
إن ما أبدته وزارة المالية ومؤسسة البترول الكويتية مؤخرا من كفاءة في إدارة الأزمات عبر الهندسة المالية لأدوات التمويل، يعكس مرونة استراتيجية تستحق الإشادة. وقد تعزز هذا المسار في عام 2022 حينما عدلت هيئة أسواق المال قوانينها للسماح رسميا بإصدار السندات والصكوك الخضراء، تزامنا مع توجيهات البنك المركزي بدمج معايير البيئة والمسائل الاجتماعية والحوكمة، وهو ما أثمر مساهمة واعدة للقطاع الخاص الكويتي بإصدارات بلغت نصف مليار دولار.
ولتوجيه هذا العجز وتحويله إلى فرصة استثمارية تتسابق إليها الصناديق السيادية، يبرز خيار الصكوك السيادية الخضراء. فإن هذه الأداة لا توفر فقط سيولة مبتكرة بتكلفة تنافسية، بل تمنح الدولة المصدرة ما يعرف اقتصاديا ب «العلاوة الخضراء»، وهي ميزة تسعيرية تخفض تكاليف الاقتراض نظرا لتعطش المستثمرين العالميين للمشاريع البيئية المستدامة.
وإذا ما ألقينا نظرة تحليلية على محيطنا الإقليمي، نجد أن جيراننا قد التقطوا هذه الإشارة مبكرا لكسب ثقة المستثمر الدولي، حيث أصدر صندوق الاستثمارات العامة في المملكة العربية السعودية صكوكا وسندات خضراء تجاوزت 8.5 مليارات دولار لتمويل مشاريع الطاقة المتجددة، بينما تجاوزت الإصدارات المستدامة في دولة الإمارات العربية المتحدة حاجز 18 مليار دولار، في حين أطلقت دولة قطر سندات سيادية خضراء 2.5 مليار دولار لتمويل البنية التحتية البيئية. وقد أدى هذا التحرك الفاعل إلى استحواذ هذه الدول الثلاث على حصة الأسد البالغة 92% من إجمالي إصدارات الديون المستدامة في المنطقة العربية بين عامي 2016 و2024، ولجذب السيولة الدولية وتحييد مخاطر تقلبات العملة، تم اصدار 91% من هذه الأدوات الإقليمية بالدولار الأمريكي.
في خضم هذا المشهد الإقليمي المتسارع نحن أمام ضرورة حتمية للتحرك الفوري والانخراط بقوة في هذا السوق الذي تشير التوقعات أن يصل إلى 50 مليار دولار مستقبلا.
كل هذه المعطيات تجعل من مشاريع البنية التحتية مثل مشروع السكك الحديدية الخليجية المشتركة، ومحطات التحلية المبتكرة، ومشاريع الاقتصاد الدائري، أهدافا نموذجية ومغرية للتمويل عبر الصكوك الخضراء، بما يخفف العبء عن الميزانية ويرسخ دعائم الأمن المائي والغذائي والنقل المستدام.
مع ذلك، وحتى نضمن نجاح هذا التوجه وتشكيل رأي عام داعم له، يجب على صناع القرار الحذر من فخ التمويه الأخضر - أي المبالغة في الادعاءات البيئية - والذي من شأنه أن يزعزع ثقة المستثمر. كما يتوجب على الدولة تقديم حوافز تشجيعية لتخفيف الأعباء المالية على المصدرين المحليين، حيث ان تكاليف التحقق والاعتماد الخارجي للمشاريع مرتفعة.
إن الحاجة في الكويت لتوجيه التمويل نحو الاقتصاد الأخضر ليست ترفا فكريا، بل ضرورة بقاء.. وإن عجز الميزانية ليس نهاية المطاف، بل قد يكون البداية لاقتصاد مرن وقوي ومتنوع. وعندما نحول العجز إلى استثمار في بيئتنا وبنيتنا التحتية، فإننا لا نستدين من المستقبل، بل نبنيه. وحينها فقط، يحق لنا أن نفخر بأن عجز ميزانيتنا أصبح أخضر.
*دكتوراة في الدراسات البيئية


















0 تعليق