في قلب العاصفة

منذ 8 ساعة

بعد أن تمتص النفس الصدمة الأولى للتجربة، يتبدد ضجيج المفاجأة الذي يصاحب بدايات الألم، وندخل تدريجيًا في مرحلة قد تكون هي الأقسى على الإطلاق: مرحلة الاستمرارية. هنا، لا نعود نواجه حدثًا عابرًا أو أزمة طارئة تنتهي في غضون أيام، بل نجد أنفسنا نعيش داخل العاصفة ذاتها، ونتنفس هواءها الثقيل كل يوم. 


في هذه المرحلة الطويلة والمُرهقة، لا يكون التحدي الأكبر هو تلقي الضربة الأولى والنجاة منها، بل التحدي الحقيقي يكمن في القدرة على الوقوف بعد أن تتوالى الضربات وتستمر المعاناة. هنا، يتجلى المفهوم الحقيقي لـ فن الاحتمال، وهو الجوهر العملي واليومي لحمل الصليب في تفاصيل حياتنا المعقدة.

الاحتمال ليس انهزامية، بل اختيار واعٍ:

الاحتمال في المفهوم الروحي والنفسي السليم ليس مرادفًا للخنوع، ولا هو استسلام للأمر الواقع بروح الضحية المكسورة. الاحتمال ليس انحناءً سلبيًا أمام عواصف الحياة منتظرين أن تسحقنا وتهدر كرامتنا، بل هو موقف إيجابي واعي، ينبع من إرادة حرة تختار الثبات رغم قسوة الظروف. 


هو بناء "صلابة نفسية" تُترجم إلى قدرة مذهلة على التكيف مع الألم دون أن نفقد إنسانيتنا، أو نتخلى عن مبادئنا، أو نسمح لمرارة التجربة أن تسمم قلوبنا. حمل الصليب يوميًا، كما قصد السيد المسيح، يعني أن نختار في كل صباح، بوعي كامل، أن نواجه آلامنا، مخاوفنا، أو حتى جراحنا العميقة، بشجاعة لا تعتمد على العضلات البشرية الفانية، بل ترتكز على النعمة الإلهية الساندة.

مواجهة الصمت الإلهي القاسي:

ولعل أقسى ما يواجهه الإنسان في قلب هذه العاصفة الممتدة هو ما نطلق عليه الصمت الإلهي. في ذروة الألم، وفي أشد لحظات الاحتياج، نرفع أعيننا إلى السماء نطلب تدخلًا سريعًا وحاسمًا. ننتظر معجزة تشق بحر أحزاننا، أو صوتًا مدويًا يخرس العواصف، لكننا غالبًا لا نجد سوى الصمت المهيب. 


لكن الحقيقة الروحية العميقة التي يجب أن ندركها، والتي تتكشف لنا لاحقًا، هي أن الصمت الإلهي ليس غيابًا إلهيًا، ولا هو علامة على التجاهل. الله يصمت أحيانًا ليس لأنه تخلى عنا، بل لأنه يعمل في العمق الخفي، في جذور أرواحنا وأعماق تكويننا، حيث لا تُسمع أصوات الكلمات والتفسيرات. في هذا الصمت المقدس تُصاغ الشخصية الإنسانية الحقيقية. 


إن المعلم الحكيم دائمًا ما يكون صامتًا أثناء تأدية تلاميذه للاختبار، ليس لأنه غادر قاعة الامتحان، بل لأنه يراقب عن كثب، منتظرًا أن يُخرج التلميذ أفضل ما لديه. الصمت الإلهي هو المساحة التي ينمو فيها الإيمان الحقيقي، الإيمان الذي لا يرتكز على الرؤية والمنطق المحسوس، بل يرتكز على الثقة العميقة في صلاح قلب الله حتى عندما لا نفهم خطة يده.


حماية النفس في قلب العاصفة:

إن فن الاحتمال لا يكتمل إلا بوعي كبير بكيفية حماية أرواحنا أثناء اجتياز العاصفة. لا يمكننا أن نحتمل أثقال الصليب الطويلة ونحن نسمح لكل من هب ودب أن يستنزف ما تبقى من طاقتنا النفسية والروحية. 
احتمال الألم المفروض علينا من الله أو من ظروف الحياة شيء، والسماح للآخرين بانتهاك إنسانيتنا واستنزافنا عاطفيًا باسم الاحتمال شيء آخر تمامًا. الاحتمال الصحي يحتاج إلى بناء أسوار نفسية واضحة، ووضع مسافة أمان صحية تحمي قلوبنا وتصون سلامنا الداخلي.


ففي قلب العاصفة، نكتشف أن فن الرفض هو جزء لا يتجزأ من فن الاحتمال. يجب أن نتعلم متى نقول "لا" للأشخاص الذين يضيفون أحمالًا على أحمالنا، و"لا" للنقاشات الجدلية التي تسرق تعزيتنا، و"لا" لمحاولات الآخرين لفرض توقعاتهم علينا. 


في وسط الألم، نحن بأمس الحاجة إلى توجيه كل جهدنا نحو النجاة والتعافي والالتصاق بالله. نحن مطالبون بحمل الصليب الذي وضعه الله في طريقنا لنمونا، ولسنا مطالبين بحمل الصلبان الزائفة التي يحاول الناس إجبارنا على حملها إرضاءً لغرورهم أو تحكمهم.


الخيط الرفيع بين القبول والاستسلام:

في مسيرة الاحتمال، نكتشف أن هناك خيطًا رفيعًا يفصل بين القبول والاستسلام. الاستسلام هو أن ترمي سلاحك وتقول في يأس تام: "انتهى الأمر، لقد هُزمت، ولا فائدة من المحاولة". أما القبول فهو أن تنظر إلى العاصفة بشجاعة وتقول: "هذا هو واقعي الآن، إنه مؤلم، قاسٍ، ولم أختاره، لكني سأجتازه خطوة بخطوة بنعمة الله".


القبول هو اعتراف بشريتي وضعفي الشديد أمام قوة الظروف، ولكنه في ذات الوقت اعتراف بقوة الله اللانهائية التي تكمل هذا الضعف وتسنده. عندما نقبل التجربة، نتوقف عن استنزاف طاقتنا في صراع عبثي مرهق لتغيير ما لا نملك تغييره، ونبدأ بدلًا من ذلك في توجيه هذه الطاقة نحو اكتشاف معنى جديد لحياتنا من قلب هذا الألم.


العثور على المعنى وزاد الرحلة:

الإنسان يستطيع أن يحتمل أي كيف قاسية، إذا كان لديه لماذا واضحة. العثور على معنى للوجع هو الذي يحول الصليب من أداة إعدام مدمرة إلى جسر للعبور والنضج. الألم الذي بلا معنى هو جحيم حقيقي يحرق الروح، أما الألم الذي نرى من خلاله يدًا إلهية تشكلنا، أو نرى فيه فرصة لاكتساب حكمة تمكننا لاحقًا من مساندة وتضميد جراح آخرين يمرون بنفس الظروف، فإنه يتحول إلى رسالة مقدسة. 

رسالتك الأعمق في الحياة قد تُولد من رحم أكبر جرح عانيت منه. فن الاحتمال يعلمنا أن ننظر أبعد من اللحظة الحالية الخانقة، أن نرى في الأفق البعيد فجرًا ينتظر أن ينشق.

وأخيرًا، كيف نحتمل كل هذا العناء عندما تخور قوانا تمامًا؟ الإجابة تكمن في "خبز الرحلة". لا أحد، مهما بلغت صلابته النفسية، يستطيع أن يحمل صليبه بقوته الذاتية لفترة طويلة. نحن نحتاج إلى زاد يومي؛ صلاة صادقة حتى وإن كانت صامتة ومكسورة، تنهيدة عميقة نرفعها للسماء، أو مساندة دافئة من صديق روحي حقيقي. نحتاج أن نجزئ الأيام لكي نتمكن من عيشها، فلا نحمل هم الغد الثقيل اليوم، بل نكتفي بأن نطلب نعمة تكفي لاجتياز الأربع والعشرين ساعة الحالية فقط. 

هذه التنهدات القصيرة والصلوات السهمية هي التي تمنحنا الأكسجين الروحي النقي لنستمر في التنفس تحت أمواج الألم، ريثما تعبر العاصفة، وتتهيأ أرواحنا المنهكة لاستقبال فجر القيامة الذي سيبدد حتمًا كل ظلمة.

✎

فريق تحرير الحدث الإخبارية

فريق التحرير في الحدث الإخبارية — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق