نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
سُعار الأسعار ينهش الملايين, اليوم السبت 5 سبتمبر 2026 12:01 مساءً
"لا أحد يستطيع أن يتخيل إلى أي مدى يمكن أن يصل فقر إنسان، إلا عندما يضطر لدفع ثمن ما لا يملكه".. هذه المقولة لأديب الواقعية السحرية ماركيز، توجز ما يعيشه الناس في المحروسة اليوم.. في شوارعنا المحتقنة بهموم المعيشة وقسوتها، لم يعد الغلاء مجرد أزمة اقتصادية عابرة نناقشها على المقاهي وعلى جروبات الواتساب وبوستات الفيس بوك أو حتى في قاع الهامور..
بل تحولت إلى كلب مسعور ينهش لحم المواطن البسيط في كل شارع وكل حارة وفي المقابل، تقف الحكومة تؤدي دور طبيب الطوارئ الذي يصر على حقن المريض بـ"تطعيمات منتهية الصلاحية"، لا تزيد الجسد المنهك إلا حمى ووهنًا.
على مدار عشر سنوات لا تخلو من إنجازات في الشوارع والكباري والمونوريل إلا أنها أيضا متخمة بالصدمات، من 2016 إلى 2026، تحول الاقتصاد المصري إلى حقل تجارب مفتوح، والمواطن الغلبان هو الفأر الوحيد الذي يدفع فاتورة معمل التحاليل.
الأرقام تصفعنا بعنف؛ فقد سجل التضخم العام ذروته التاريخية عند 40.36% في سبتمبر 2023. وفي نفس الوقت، التهم التضخم في المواد الغذائية الأساسية موائدنا مسجلًا نسبة كارثية بلغت 73.60%.
وقفز سعر كيلو اللحم من 90 جنيهًا في عام 2016 إلى ما يتجاوز 500 جنيه في 2026 كما طارت أسعار الدواجن لتحلق فوق حاجز الـ 120 جنيهًا، وحتى رغيف الخبز المدعم الذي كان يمثل صمام الأمان الاجتماعي الأخير تضاعف سعره، كل هذا حدث بينما الطبقة المتوسطة تتآكل، ومعدلات الفقر تبتلع نحو 33.5% من المصريين، ليجدوا أنفسهم يصارعون من أجل البقاء تحت خط الفقر بمعدلاته العالمية الرسمية.
في مواجهة هذا السعار اليومي، كانت تطعيمات الحكومة فقط مسكنات نقدية شديدة القسوة؛ حيث انكمشت السيولة برفع أسعار الفائدة، وطرح شهادات ادخار بعوائد استثنائية وصلت إلى 27% أو النتيجة المباشرة لذلك وفقًا لأبجديات الإقتصاد كانت خفضًا متتاليًا لقيمة الجنيه، بلغت ذروته بفقدان العملة لنحو 68% من قيمتها في عام 2023.
ومع كل تحرير لسعر الصرف، كان البنزين والسولار وغيره من المواد البترولية التي تحرك عجلة الحياة تقفز بشكل جنوني، إذ ارتفع سعر لتر بنزين 80 والسولار بنسب تجاوزت 1180% خلال العقد الأخير!
هذه هي السياسات التي استخدمت لكبح التضخم، فكانت كمن يطفئ الحريق بصب البنزين 92 -الذي بلغ سعره 22.25 جنيهًا للتر- فوقه. وحتى الحد الأدنى للأجور، الذي تم رفعه نظريًا إلى 8000 جنيه، التهمه غول الأسعار المتربص قبل حتى وصوله إلى جيوب الموظفين.
وحتى لا نتحول إلى مجرد ندابين في سرادق العزاء الاقتصادي، فإن كبح جماح هذا السعار يتطلب ما هو أبعد من روشتة المسكنات التقليدية؛ يتطلب إرادة حقيقية لضبط فوضى الأسواق على الأرض.
البداية يجب أن تكون من تفعيل دور الأجهزة الرقابية بشكل جاد وحاد وعنيف، وعلى رأسها جهاز حماية المستهلك وجهاز حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية، لتتحول من جهات تكتفي بإصدار البيانات إلى مؤسسات تملك مخالب حقيقية لردع المتلاعبين بأقوات الناس.
لا يُعقل أن تُترك الأسواق لضمائر التجار في زمن تبخرت فيه الضمائر، بل يجب أن يتدخل المشرع بنصوص تشريعية حاسمة، ليغلظ عقوبات الاحتكار وتخزين السلع، والتلاعب في أسعارها لتصل إلى تصنيفها كجرائم تمس الأمن القومي.
الأمر لا يتوقف عند التشريع، بل يمتد إلى ضرورة إحكام الرقابة الصارمة على سلاسل الإمداد فالطريق من يد الفلاح أو المُصنّع إلى مائدة المواطن محفوف بمافيا الوسطاء الذين يضاعفون الأسعار بلا أي تكلفة حقيقية مضافة.
إن كسر هذه الحلقات الطفيلية الشاذة، وتطبيق تسعيرة استرشادية ملزمة للسلع الاستراتيجية، هو التطعيم العملي لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من جسد الطبقات المنهكة. في النهاية، يبدو أن الوزارات الاقتصادية قد نجحت بامتياز في ضبط دفاترها الرسمية؛ فتفاخر بتكوين احتياطي نقدي تاريخي تجاوز 56 مليار دولار في يوليو 2026، وسجلت الأصول الأجنبية للقطاع المصرفي فائضًا غير مسبوق.
لكن، في دفتر أحوال المواطن البسيط، الرصيد ما زال "صفرًا". إنها مفارقة مبكية ومؤلمة ومدهشة ؛ فالموازنة العامة تتعافى وتلتقط أنفاسها، بينما المواطن في غرفة الإنعاش يلفظ أنفاسه الشرائية الأخيرة.
إن هذه الملايين الصامتة التي تنهشها أنياب الغلاء بلا رحمة في كل شارع وبيت، وستتضاعف القسوة مع دخول المدارس لا تطلب ترفًا ولا تبحث عن معجزات اقتصادية، بل تستجدي حقها البديهي في الستر والبقاء دون أن يسحق ما بقى منها تحت عجلات الإصلاح. لقد نجحت الحكومة بجدارة في علاج المرض، لكنها -ولسوء الحظ - أوشكت على قتل المريض.
في انتظار تطعيم حكومي جديد؛ نتمنى أن يقينا من سُعار الأسعار القادم، لا أن يعلمنا كيف نصبر على سعار الأسعار ونعوي من الجوع في صمت وبمنتهى الأدب!

















0 تعليق