زمن التطرف

منذ ساعة

ليس التطرف الديني، عندما يعود بموجاته الإرهابية المتواترة، هو التطرف الوحيد الذي يؤرقنا، كلا فكثيرا ما ننسى أن التطرف السياسي ليس في أفضل حال، وإذا كانت شريحة واسعة من المفكرين والمثقفين وأرباب الشركات، وبوجه عام المنتمين لمن نسميهم هنا في فرنسا «الفئات المهنية العليا»، يتخوفون من تجذر الخطابات الشعبوية داخل المنظومة السياسية الأوروبية من الآن فصاعدا، فالموجة ذاتها متأصلة في جزء عريض من القارة العجوز، كما لم يفت الجميع أن أمريكا كانت البادئة، وإذا كان وفق المقولة، «البادئ أظلم»، فمن غير السليم، بل من غير الصحيح فكريا ولا تحليليا اختصار المشهد في استقطاب تقليدي بين القوى السياسية التي تمثل «الديمقراطية الاجتماعية»، وبين بقية العالم السياسي الذي كثيرا ما تقع توصيفاته داخل دوامة تصنيفية لا تخضع لمعايير التدقيق العلمي، فينتهي الأمر بتبسيط تاريخ اليمين السياسي، عبر إطلاق شتى أنواع التسميات الجاهزة بين «يمين متطرف» و»عنصرية»، إن لم يكن «فاشية»، كما ينطبق الأمر ذاته على تاريخ اليسار وتطوره، عندما تنهمر التوصيفات غير العلمية لتشريح ظاهرة صعود أقصى اليسار وتحولاته، واختصار المشهد في رسم خط فاصل بين معسكر «معادي السامية الأشرار» و»أنصار الجمهورية الطيبين»،
والمشكلة هنا، بل المشكلتان هنا، المشكلة الأولى أن كل التوصيفات الجاهزة والملصقات القابلة للاستهلاك في أي لحظة تحجب كل قدرة على المقاربة بالمسافة اللازمة لتفكيك جذور الظاهرة، والمشكلة الثانية أن الأصوات المفترض فيها أن تحمل آليات تحليل موضوعية، أصوات خافتة تماما نظرا لطريقة عمل معاهد العلوم السياسية، التي لم تتمكن دراساتها من اجتياز عتبة أروقة المختبرات المغلقة، أو استوديوهات برامج وسائل الإعلام المتخصصة حتى تمكن المواطن من التقاط رسالة مبسطة لا تُفرِط في عقد مفاهيم مركبة، بل تقرب الفرد من أهم التوجهات السياسية بما فيها الشعبوية.
فبين مطرقة البحث العلمي وسندان ضوابط الإعلام الجماهيري، بقيت مادة العلوم السياسية في أسر ممارسات البحث الجامعي الكلاسيكي، الذي عجز حتى الآن عن خلق آلية تمكن المواطن من اكتساب مبادرة تفكيك الخطاب الأيديولوجي والتفريق داخله بين ما هو موجه، وما هو مبني فعلا على حقائق ثابتة. من هنا، تكرست القطيعة بين ما كان منتظرا له أن يتهيكل ويتبلور كمشروع مجتمع، وبين ما صمم بطريقة ممنهجة لأن يأخذ شكل الدعاية، صحيح، لا يختلف اثنان في أن قطيعة من هذا النوع أمر واقع لا محالة، كما لن يجادلني أحد في أن التعريف بالسياسة بوصفها مخططا توجيهيا يهدف إلى خدمة مصالح فئوية، تعريف مشوه يظل، رغم كونه مشوها، أحد الأهداف الأساسية للسياسي المحترف، بما تتضمنه مكيافيلية السياسة من استعداد للاحتيال والخدعة، بحجة أن الغاية تبرر الوسيلة.

بقيت مادة العلوم السياسية في أسر ممارسات البحث الجامعي الكلاسيكي، الذي عجز عن خلق آلية تمكن المواطن من اكتساب مبادرة تفكيك الخطاب الأيديولوجي والتفريق داخله بين ما هو موجه، وما هو مبني فعلا على حقائق ثابتة

لكن ماذا عن هدف الناخب؟ هل هدفه الأسمى هو فعلا ركوب هذا المد أو ذاك؟ مد الأحزاب الموصوفة بالـ»أقصى»، يمينا ويسارا؟ إنما ركوب «المد»، ركوب المخاطر، هذه أيضا مقولة قابلة للتسويق، لكن حتى يكون التسويق عاملا وفاعلا، لا بد من امتلاك آليات للتعرية مبنية على صرح متين، والصرح المتين قابل للتلخيص في كلمتين اثنتين: التربية المدنية، والتربية المدنية من ينقلها؟ المدرسة؟ طبعا، التربية المدنية من مهمات التعليم، لكنها من مهمات المجتمع أيضا.
وهنا بقي سؤال آخر قائما: عبر أي قنوات؟ هنا يكمن بيت القصيد، لأن القنوات، مثل الروافد، تنبع من نقاط تجمع معينة، نقاط تجمع استباقية ترفد المواطن بالعدة الوقائية التي يتحاشى بها اندلاع الحريق. لأن تحاشي اندلاع الحريق ممكن، أولا باكتساب ردود فعل مدنية بسيطة نتذكر بها أن السياسة هي قيادة الشعوب، لا تعبئة فئات على حساب أخرى، فحص للمعطيات الاقتصادية والتشخيصات التي تنجر عنها، لا تقديمها في صورة جزئيات تحجب القراءة المؤسسة للمخططات الواجب رسمها، إرساء وقائع اقتصادية واجتماعية عابرة للحملات الانتخابية تتعلق بإدارة الدولة – كالاحتياج المنطقي في العديد من الدول الأوروبية إلى هجرة عمل في القادم من السنوات – وليس تحويل الأيديولوجيا الحزبية إلى آلية لدغدغة المشاعر بدل إبقائها عرضا واضح المحاور متروكا لاختيار متنور يقظ.
ثم من مهمات التربية المدنية، وربما توجّب البدء من هنا، البحث عن جذور التطرف السياسي التي تتقاطع في النهاية مع جذور التطرف الديني: فقدان الشباب أمل الحصول على مكانة وتقدير، غياب آفاق تمكنهم من إثبات ذواتهم، تعذر الأسرة المتزايد عن أداء دورها كحاضنة لنقل القيم، ما يعزز الشعور بفقدان المعالم، ما يفاقم مخاطر العجز عن إيقاف دوامة العنف النفسي التي تقود الفرد وبالتالي السياسي إلى تحويل قيم العدالة والإنصاف والتضامن الاجتماعي إلى مأزق مرجعي يخلخل المنظومة الاجتماعية، بتغليب الفئة والجماعة على حساب التماسك والتضامن حول مشاريع توحد الأفراد.
بكل تأكيد، دخلت السياسة زمن التطرف وسيكون من الصعب معاكسة هذا المد العابر لبلدان وأحزاب شتى، وقد يحضر البعض هنا نظرية ابن خلدون عن الشكل التعاقبي- الدوري لأنظمة الحكم السياسية وطبائعها (في أيامنا سنقول «حكامتها»)، لكن لا بد أيضا من النظر في طبائع الشعوب لا مجرد طبائع الحكم أو طبائع الاستبداد الفكري، وهنا، نحن في أمس حاجة إلى وضع خطة تفكيكية ترويضية على المدى البعيد تجند كل ما أوتي العلم من عُدة مفاهيمية ومناهج تربوية لتلقين أولادنا القدرة على التنقيب في الحقيقة كما هي، لا الانجرار وراء تمثلاتها المتحيزة القاتلة.

باحث أكاديمي وإعلامي فرنسي

✎

فريق تحرير الحدث الإخبارية

فريق التحرير في الحدث الإخبارية — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

أخبار ذات صلة

0 تعليق