المرأة والسياسة في المنطقة المغاربية: قراءة مقارنة

منذ ساعة

لا ينتبه المدافعون عن وصول المرأة إلى مواقع سياسية نوعية مهمة، بما فيه الكفاية، إنهم يزيدون في دعم الحضور البورجوازي داخل مؤسسات الدولة، على حساب الطبقات الشعبية التي يقل حضورها بين هذه الفئات، والتي تستطيع إيصال بناتها إلى هذه المواقع السياسية المهمة، اعتمادا في الغالب على تأهيلها العلمي وتميزها الدراسي، الذي عادة ما يكون مرتبطا بالجاه والثروة الذي يميز وسطها الاجتماعي في كل المجتمعات الإنسانية.
هي الفكرة ـ الخلاصة ـ التي دافع عنها السوسيولوجي الفرنسي المعروف بيار بورديو صاحب الإنتاج العلمي في ميدان سوسيولوجيا التربية، في أحد تدخلاته، وهو يلوم سذاجة المؤيدين للمرأة، بمن فيهم أبناء اليسار والتيارات النسوية الذين يعميهم الموقف المؤيد للمرأة من الغوص في الأبعاد الاجتماعية، ننطلق منها للكلام عن وصول ابنة باشا مراكش إلى موقع رئاسة الحكومة في المغرب هذه الأيام، لأول مرة في تاريخ البلد السياسي، الحالة التي تؤكد بشكل جلي فكرة عالم الاجتماع الفرنسي، ونحن نتفحص الأصول الاجتماعية لهذه السيدة التي تنتمي طبقيا إلى الفئات الميسورة ماديا، والمتميزة علميا، في المغرب، زاوجت في دراستها القانونية بين المدرستين الفرنسية والأنكلوسكسونية بعد الحصول على الاجازة في هذا التخصص الحاضر بقوة بين نساء السياسة ورجالها، ليس في المغرب فقط، بل في كل التجارب الدولية.

الوزيرة الجزائرية قد تكون الأكثر شعبية داخل الحالة المغاربية من حيث أصولها الاجتماعية، في انتظار ما قد تؤكده نتائج الدراسات المقارنة حول موضوع المرأة والسياسة في المنطقة المغاربية

فاطمة الزهراء المنصوري، التي مرت في مسارها على مواقع تنفيذية، وزيرة للإسكان والعمران، وأخرى في تسيير الشأن العام المحلي من خلال تجربة عمدة مدينة مراكش، التي ولدت فيها عام 1976، مثلت أول تجربة لامرأة مغربية، كذلك المدينة التي احتل فيها الأب موقع الباشا، الذي يذكّر من نسي بالطابع التقليدي لنظام المخزن في المغرب على مستوى الوظائف السياسية وتسمياتها، زيادة على موقع السفير ونقابة المحامين التي احتلها الأب الممثل لهذه النخبة المحلية بإشعاعها الوطني، المهنة نفسها التي توجهت إليها الابنة فاطمة الزهراء عندما دخلت عالم الشغل في بداية مشوارها المهني والسياسي، ضمن مسار، أوصلها من دون مفاجأة إلى موقع رئاسة الحكومة، عبر مسلك سياسي كثيف زاوجت فيه ابنة مراكش بين الحزب السياسي (حزب الأصالة والمعاصرة) الممثل للفئات الوسطى والعليا القريبة من المخزن والمواقع التنفيذية المحلية على حساب استقرارها العائلي، كما يحصل عادة في مثل هذه الحالات التي يتم التركيز فيها على الحياة المهنية والسياسية، على حساب العائلة من قبل نساء السياسة، تكون أكثر حضورا في المنطقة العربية التي تعاقب نجاح المرأة السياسي من باب العائلة، بالزخم الإعلامي الذي يرافقهن كمسار مهني وسياسي، كما يتبين هذه الأيام بعد الإعلان عن تعيين المنصوري رئيسة حكومة، لم يحصل ما يساويه عندما عينت أول امرأة في الموقع نفسه في تونس لمرتين، وليس مرة واحدة فقط، كانت الأولى في شخص المهندسة نجلاء بودن في سبتمبر 2021 لغاية أغسطس 2023 كأول تجربة تونسية مغاربية وعربية، دعمتها تونس بسيدة ثانية في الموقع نفسه على رأس الهيئة التنفيذية في شخص سارة الزعفراني، لنجد أنفسنا في الحالتين أمام متخصصات في العلوم الهندسية، من دون أي اهتمامات سياسية، أو حزبية، يشبهن حالة رئيسهن كما هي العادة عند الرئيس التونسي، الذي يعين الوزير الذي يشبهه منذ فترة بورقيبة. رئيستان وصلتا إلى قصر القصبة في وقت يعيش فيه البلد حالة ضعف في أداء مؤسساته المركزية وأزمة اقتصادية ومالية خانقة، لم تفد تجربة هذه الوجوه التكنوقراطية الهادئة في الخروج منها، على الرغم من ما اعترف لهن فيه من تجربة مهنية وتحكم في التسيير لم يكن كافيا لإخراج تونس من أزمتها، مع رئيس جمهورية ألغي أدوار الكثير من المؤسسات بما فيها رئاسة الحكومة.
تنافس مغاربي في إبراز المرأة داخل الفضاء السياسي، كأحد مظاهر القوة الناعمة، نجده حاضرا ونحن نوسع مجال المقارنة إلى الجزائر، بعد تعيين امرأة على رأس الهيئة التشريعية – في شخص الطبيبة خليدة بوفدش في يوليو 2006- كانت هي الأولى في تاريخ البلد السياسي كذلك، بعد تحقيق المرأة حضورا متميزا على مستوى الهيئة التنفيذية، والكثير من قطاعات النشاط الاقتصادي، في مواقع نوعية تشبه الحالتين التونسية والمغربية، استطاعت فيه الحالة الجزائرية بسرعة استدراك ضعفها – بل التفوق في بعض الأحيان – الناتج عن الاستعمار الاستيطاني الذي ابتليت به، تميزت فيها الحالة التونسية بالوصول إلى مواقع وزارية نوعية، في وقت فقد فيه موقع الوزير الكثير من صلاحياته التي سيطر عليها رئيس الجمهورية، في حين اكتفت المغربيات والجزائريات بمواقع تنفيذية داخل قطاعات كانت تقليديا ممنوحة للمرأة في الحالة الجزائرية تحديدا، رغم ما استفادت منه المرأة الجزائرية من الانتشار الواسع للتعليم العالي في العقود الأخيرة، يجعلنا نطور هذه الفرضية، من دون خوف كبير من تكذيبها، الوزيرة الجزائرية قد تكون الأكثر شعبية داخل الحالة المغاربية من حيث أصولها الاجتماعية، في انتظار ما قد تؤكده نتائج الدراسات المقارنة حول موضوع المرأة والسياسة في المنطقة المغاربية وهي تنتج نخبها السياسية النسوية، لا يمكن الولوج لها إلا من خلال دراسات سوسيو- سياسية مقارنة تتجاوز البعد السياسي والمؤسساتي نحو العمق السوسيولوجي والثقافي المتشابه بين الحالات الثلاث، رغم ما يعتري الأنظمة السياسية من اختلاف على المستويات الأيديولوجية والسياسية، يمكن عد انتشار التعليم العالي واستفادة المرأة منه أحد وجوهه الأساسية، مقارنة ما زال المواطن في الدول الثلاث يهتم بها وهو يعاين كيف تشتغل الأنظمة على مبدأ التنافس بينها، في ظل سيطرة الوسائط الاجتماعية التي قربت البعيد، ووفرت المعلومة التي كانت غائبة في وقت سابق، في ما يتعلق بالجوانب الإيجابية كما هو حال تبوؤ المرأة لهذه المواقع النوعية التي تخرجها من وظائفها التقليدية، التي لن تستطيع التغطية على الكثير من الظواهر السلبية التي تعيشها النساء من أوساط اجتماعية شعبية على رأسها تأتي بنات المناطق الريفية المعزولة، كما تبينه يوميا ظاهر الهجرة غير النظامية نحو الضفة الشمالية للمتوسط التي دخلتها المرأة بقوة في الحالات الوطنية الثلاث كمؤشر سوسيوسياسي قوي عن أشكال التفاوت الاجتماعي التي تنخر الجسم الاجتماعي في هذه المنطقة المغاربية، التي لم تجد طريقها نحو التنمية المستدامة، يؤكدها الكثير من المعطيات المتعلقة بالمرأة على غرار مستوى اندماجها المهني الضعيف، الذي تؤشر عليه مستويات البطالة العالية التي تعيشها، ناهيك من أشكال العنف المسلطة عليها داخل وخارج الإطار الأسري – المفضي إلى الوفاة في أحيان كثيرة – المتزايد سنويا في كل المنطقة المغاربية.

كاتب جزائري

✎

فريق تحرير الحدث الإخبارية

فريق التحرير في الحدث الإخبارية — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

أخبار ذات صلة

0 تعليق