أعترف بأني معجبة بذلك الصنف من الكتاب الذي لا يقعد مكتوف اليدين منتظرا نزول الوحي عليه، بل يجرّ الإلهام من أذنه إلى مكتبه، وشعاره الأبدي جملة توماس إديسون الشهيرة «العبقرية هي: 1% إلهام و99% عرق» ومن هؤلاء الأدباء الحديديين إرنست همنغواي وهاروكي موراكامي وفلوبير ونجيب محفوظ والعقاد، من ضمن قائمة طويلة ليست الروائية البلجيكية المقيمة في فرنسا أميلي نوثومب سوى واحدة من جنود هذا الخيار الشاق. فهي من الروائيات اللواتي ألزمن أنفسهن بنظام كتابيٍّ صارم له عمودان فقريان ثابتان: الاستيقاظ يوميا الساعة الرابعة صباحا للكتابة، وإصدار كتاب كل سنة، ولم تخرق القاعدة الأخيرة منذ 1992، وبذلك بنت لنفسها قاعدة جماهيرية عريضة من القراء تنتظر كلَ موسمِ دخول أدبي في فرنسا الكتاب الأخير لنوثومب، ولم تخذل الروائية قراءها مرة واحدة، على الأقل من جهة الصدور.
وكتابها الأخير «الرجوع المستحيل» الذي صدر في ترجمته العربية قبل شهر عن دار الرافدين، حبة في مسبحة كتبها ويحمل الرقم 33. وهو لا يخرج عن جرح غائر في حياتها، نذرت له القسم الأبرز من كتاباتها، أي فردوسها المفقود اليابان. فقبل ستين سن ولدت نوثمب في ذلك البلد وقضت السنوات الخمس الأولى من طفولتها هناك، وتعلقت بمربيتها اليابانية وتحدثت بلغة أهل البلد، لكنها اقتلعت من هناك، توضح ذلك بلسانها «كان والداي دبلوماسيين لا يكفان عن الانتقال من مكان إلى آخر باستمرار مصطحبين معهما ذرية تزداد صدماتها النفسية في كل مرة، وبدلا من أن أعتاد على الأمر اكتسبتُ حساسية عالية تجاه فكرة الرحيل بعينها».
بقي الحنين الياباني يراودها مرارا وتكرارا، فعادت إلى بلاد الشمس المشرقة وهي في الحادية والعشرين من عمرها لتعيش تجربتيْ عمل وعشق فاشلتين، وثّقت التجربة الأولى في واحدة من أهم رواياتها «ذهول ورِعدة» التي نالت عنها الجائزة الكبرى للرواية من الأكاديمية الفرنسية وقد اقتبست بعد ذلك في فيلم، وروت لنا تجربتها الثانية في روايتها «لا حواء ولا آدم» الصادرة قبل عشرين سنة، وقد تُرجمت الروايتان إلى العربية. وبعد ستة عشر عاما من آخر زيارة لها إلى اليابان، عادت إلى ملاعب طفولتها الأولى باقتراح من قناة تلفزيونية فرنسية لتصوير فيلم عن هذه الطفولة، وقد وثّقت أميلي هذه الرحلة كعادتها في كتاب «النوستالجيا السعيدة». وحسنا فعلت المكتبة الوطنية الفرنسية حين أضافت إلى الكتب الثلاثة المذكورة كتابيها «ميتافيزيقا الأنابيب» و»بيوغرافيا الجوع» وهما عن طفولتها الأولى في اليابان وأصدرت مجموعة الكتب الخمسة تحت عنوان واحد «يابان أميلي نوثومب».
بعد هذه الرحلات المتعددة لترميم شرخ الطفولة، وصلت أميلي إلى قناعة بأن ما مضى لا يمكن أن يُسترجع، فكل رحيل جديد هو انحراف عن المسار، لذلك استقرت في أم الدنيا باريس معتبرة أن السفر شكل من أشكال العنف، ولكن الحنين إلى مسقط الرأس داء لا يُشفى منه وهي التي تقول عن اليابان «إنها بلدي المفضل في العالم، أرضي المقدسة، يكفي ذكر اسمها كي أدخل في حالة من الغياب الكلي، لكن مثل هذا الحب العارم لا يمنحني أي مهارة خاصة، بل يسلبني كل حق في الخطأ» ورغم إقرارها بمحاولاتها الأولى الفاشلة في استعادة هذا الحبيب الأول (اليابان) تعترف «الفشل لم يبدد شيئا من حبي لها، فقد ظللت مغرمة بهذا البلد إلى حد الجنون». فأتاحت لها الأقدار زيارة جديدة إذ فازت صديقة لها مصوّرة تدعى بيب باني بجائزة عبارة عن تذكرتي سفر ذهابا وإيابا لشخصين إلى اليابان، فاقترحت المصوّرة على صديقتها الكاتبة أن ترافقها لاعتقادها بأنها ستكون لها خير دليل، باعتبارها أقامت هناك لسنوات وهي بلا ريب تتقن اللغة اليابانية. ولكن الحقيقة أن علاقة أميلي نوثومب باللغة اليابانية التي كانت تتحدثها في طفولتها أشبه بالمد والجزر، كما وصفتْها حين كتبتْ «كلما ابتعدتُ انحسر بحر الكلمات، ولم يكن عليّ إلا أن أعود ليعود المد مجددا ويطفو قاربي على الماء»، وهذا ما حصل حين بدأت رحلتها ذات الأحد عشر يوما مع صديقتها، فقد استرجعت كثيرا مما ظنت أنه امّحى من لغتها اليابانية فكتبت في رجوعها المستحيل «أنا أعلم أنها لا تزال هناك متوارية تحت ركام لا يحصى… اليابانية هي لغتي الشبح فأنا حتى سن الخامسة كنت أتقنها بطلاقة، وفي الحادية والعشرين عدت إلى اليابان وأعدت تعلّمها»، وها هي تستعيدها مجددا وهي في منتصف الخمسينيات من عمرها.
تروي الكاتبة في «الرجوع المستحيل» وقائع الأحد عشر يوما اليابانية في ما يشبه دفتر يوميات، يتحول في مواضع كثيرة إلى دليل سياحي يستعرض الأماكن والمدن والمتاحف والمطاعم والحدائق، مع جرعة من المواقف الساخرة تسبّبها صديقتها المتطلبة المزعجة أحيانا التي تعاني حساسية شديدة نتيجة الربو، ونفورا من الالتزام الحرفي بالنظام الياباني الصارم، فمثلا فقدان تذكرة قطار الذي يعتبر حدثا تافها في كل بلدان العالم لا يكفي في اليابان «دفع غرامة أو رسوم إضافية، بل سيتعدى ذلك إلى اعتراف علني بخرق قانون جوهري ألا وهو الالتزام بالقانون»، وحتى الهمس في المتاحف ممنوع، فهم يرون أن الصمت أساس التأمل، ولنا أن نتخيل ردة فعل امرأة فرنسية متعودة على الحرية المطلقة وفعل ما تريد مثل صديقة الكاتبة تجاه هذا الانضباط المبالغ فيه. ورغم الحنين الذي تصفه نوثومب بعلَّتها المتجذرة، التي ينبغي مقاومتها، حيث له «شعور غسقي تراه ينمو في صدرها رويدا رويدا»، مع كل مكان عرفته سابقا ومع حبيبها السابق، أو مع والدها ذي الحضور الطاغي في كتاباتها، خاصة بعد وفاته إلا أنها تقر بكثير من الشجاعة قائلة «إذا كان هناك فن لا أبرع فيه، فهو فن العودة إلى الوطن». ومع هذا تبذل نوثومب جهدا – خاصة مع قمع صديقتها لها وتحذيرها من اقتراف جريمة الحنين- لتعيد اكتشاف اليابان من دون أن تكون مهووسة بما عاشته فيها في طفولتها وشبابها وكهولتها، وتنجح أحيانا في كبح جماح الحنين وتفشل أحيانا أخرى، فالمكان يحاصرها بالذكريات والروائح ومذاق الأرز بالبيض النيء أُكلتها الطفولية المفضلة، ومراسم الشاي ومعابد زارتها مع أب محفور في وجدانها، وحينما سئلت في مقابلة صحافية إن كانت هذه الرحلة القصيرة بمثابة حداد مزدوج على الأب وعلى الطفلة التي كانتها، وافقت وأضافت فقدا ثالثا: اليابان نفسها، ووصفت الرحلة بأنها «حداد ثلاثي». وهذا ما يفسر لنا عنوان الكتاب «الرجوع المستحيل» فحضور الطفلة الصغيرة موؤود، والأب غير موجود، والوطن مفقود.
وبعيدا عن التفاصيل اليومية للرحلة النوثومبية القصيرة تقفز من صفحات الكتاب صغير الحجم (120 صفحة) تأملات في القراءة والكتابة وهي مهنة نوثومب الأصلية، فنجدها تصطحب رواية «على عكس التيار» لجوريس كارل هويزمان لتعيد قراءتها من جديد بعد أن قرأتها سابقا وهي في الثامنة عشرة من عمرها، موضحة أن «إعادة القراءة ليس قراءة وحسب، بل إنها فعل حب.. واختبار الحب من النظرة الأولى مرةً أخرى هو ضرب من الجنون»، ففي رأيها أن «إعادة القراءة تسمح من بين أشياء كثيرة أخرى بتجربة تطور حساسيتنا مع مرور الزمن»، والمفارقة أنها – وهي المسافرة – تقرأ رواية عن رفض السفر واللجوء إلى عالم داخلي بديل عن الواقع، مبررة سبب إعجابها بهذه الرواية تحديدا بقولها «قلّما وجدت متعة تضاهي قراءة رواية يبدو كأنها كتبت من أجلك وحدك»، معتبرة السفر أكثر الفضاءات ملاءمة للقراءة وبتعبيرها «فأنا أحب ألا يكون لي في العالم مرساة أخرى سوى الكتاب». كما أن أميلي لم تتوقف عن عادتها في الاستيقاظ اليومي في الرابعة صباحا لتكتب، فالكتابة قدرها، حيث تكيّف واقعها لممارسة هذا الشغف اليومي موضحة أن «تباين الظروف التي أكتب فيها لا يزعجني، ونادرا ما يؤثر عليّ، لسنوات طويلة اضطررت أن أتعلم كيف أكون مبدعة شاملة فقد كتبت في الطائرة وأحيانا حتى في الحافلة وفي هذه الحالة التكيف مع البيئة يعني في الواقع الانفصال عنها قليلا».
«الرجوع المستحيل» لأميلي نوثومب رحلة تعافٍ من وطن مفقود منذ الخامسة من العمر بحثتْ عنه في الواقع فلم تجده، فصنعته في ذاكرتها، ومع أنها تؤكد لقرائها باستحالة الرجوع إليه، إلا أننا متأكدون أنه قدرها الذي لا مفر منه سوى بالكتابة عنه وهذا ما تجيد فعله في كل كتاب جديد.
شاعرة وإعلامية من البحرين

















0 تعليق