موسم أصيلة الثقافي: رهان على الاستثمار في الإنسان

منذ 58 دقيقة

أصيلة (المغرب) ـ «القدس العربي» : انطلقت فعاليات الدورة الخريفية لموسم أصيلة الثقافي الدولي السابع والعشرين التي تقام تحت رعاية العاهل المغربي، بندوة فكرية شارك فيها ثلة من الباحثين الأكاديميين والخبراء الاقتصاديين، فضلاً عن شخصيات دولية تقلدت مسؤوليات بارزة في العمل الحكومي أو في منظمات إقليمية وقارية.
وتمحورت الندوة حول «الرهانات الطاقية والمائية في افريقيا والمشاريع الاستراتيجية: نحو جغرافيا سياسية جديدة»، وأوضح حاتم البطيوي أمين عام مؤسسة «منتدى أصيلة»، أن الهدف من الندوة هو تسليط الضوء على التحولات العميقة التي تشهدها القارة الافريقية، في ظل استمرار التحديات البنيوية وبروز ديناميات استراتيجية جديدة.

تحديات القارة الافريقية

وأضاف في كلمته خلال الجلسة الافتتاحية، أن العديد من دول القارة الافريقية لا تزال تواجه تحديات الفقر والهشاشة المؤسسية وضعف البنية التحتية وصعوبات في منظومة الحوكمة، وهو ما يحدّ من قدرة هذه الدول على تلبية الحاجيات الأساسية لمواطنيها وعلى تبني سياسات تنموية مستدامة. وفي الوقت ذاته، يتابع المتحدث نفسه، يشهد السياق الدولي إعادة تشكيل متسارعة لموازين القوى، إذ تتصاعد المنافسة الجيوستراتيجية بين القوى الكبرى حول الموارد الطبيعية وطرق التجارة ومجالات النفوذ. ولاحظ أن هذا التطور يأتي في بيئة يطبعها التغير المناخي وتزايد الضغط على الموارد المائية والطاقية واضطراب سلاسل الإمداد العالمية.
وأكد البطيوي أن الدول الافريقية مدعوة أكثر من أي وقت مضى إلى تطوير رؤى مندمجة، قائمة على تنويع الشراكات وتعزيز الاستقلال الاستراتيجي وترويج نماذج تنموية مستدامة وشاملة. وأشار في هذا السياق إلى أن نجاح هذه الدينامية، يعتمد خصوصا، على الاستقرار السياسي وجودة الحوكمة والتنسيق الإقليمي وتعزيز القدرات البشرية، وإن المملكة المغربية تحتل مكانة مميزة في اعتمادها سياسة قائمة على التعاون جنوب ـ جنوب وعلى الشراكات متعددة الأبعاد؛ لافتا إلى أن «المبادرة الأطلسية» التي أطلقها العاهل المغربي محمد السادس في تشرين الأول/ نوفمبر 2023، تندرج ضمن هذه الرؤية، من خلال اقتراح إتاحة منفذ استراتيجي لبلدان الساحل إلى المحيط الأطلسي، بما يساهم في فك العزلة عنها، ودمجها اقتصاديا على المستوى الاقليمي؛ مضيفا إلى ذلك التعاطي مع القضايا الاستراتيجية الكبرى الأخرى، مثل منطقة التجارة الحرة القارية الافريقية والمشاريع الطاقية العابرة للحدود، كأنبوب الغاز نيجيريا ـ المغرب.
وبعدما أوضح أن هذه البنيات تعدّ اليوم أدوات أساسية لتعزيز الأمن الطاقي والتعاون الإقليمي والتنمية الاقتصادية، أشار أمين عام «منتدى أصيلة» إلى أنه بالتوازي مع ذلك، تفرض قضية الماء نفسها، باعتبارها رهانًا استراتيجيًا أساسيًا. وقال «في ظل التغير المناخي والنمو الديمغرافي والتوسع الحضري السريع، يصبح الأمن المائي عاملاً حاسما في الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. كما أن الولوج المستدام إلى الماء يحدد مقومات الأمن الغذائي وإنتاج الطاقة وتطور الزراعة والتنمية الصناعية. ويتجلى هذا الوعي المتزايد في قرار الاتحاد الافريقي بتخصيص سنة 2026 لمسألة الماء».
واستطرد حاتم البطوي قائلا: «إننا أمام تلاقٍ بين الرهانات الطاقية والمائية والتجارية واللوجستية، وهي رهانات تسهم، لا محالة، في بروز جيوسياسية جديدة لافريقيا. إذ تتحول الموارد الطبيعية والبنيات التحتية الاستراتيجية وممرات الربط إلى أدوات للنفوذ وإعادة تشكيل الشراكات الدولية».
وبالنيابة عن وزير الشباب والثقافة والتواصل، ألقى الكاتب العام لقطاع الثقافة (وكيل وزارة) محمد بنيعقوب، كلمة خلال الجلسة الافتتاحية لموسم أصيلة الثقافي، استحضر فيها الجهود التي بذلها الراحل محمد بن عيسى في جعل هذه التظاهرة الثقافية جسرا متينا تلتقي فيه إرادات الشرق والغرب في مدينة أصيلة، لتدارس مختلف القضايا والإشكالات ذات الأبعاد المحلية والإقليمية والدولية. ووجه عبارات التقدير كذلك إلى حاملي المشعل، وفي مقدمتهم حاتم البطيوي، العازمين على مواصلة المسيرة بدماء جديدة وبتطلعات التوفيق والسداد.
وواصل كلامه قائلاً: «إن موسم أصيلة الذي يوجد على مشارف إنهاء نصف قرن من التبادل الثقافي والعطاء الفكري والفني يعدّ من أعرق التظاهرات الثقافية والفكرية في المغرب، كما يشكل مكانة رفيعة من خلال استضافته للشخصيات والمفكرين والأدباء والفنانين الذين تناوبوا على منصاته ومحترفاته»، ما جعل هذه المدينة الصغيرة مركزا للفعل الثقافي الوطني والدولي ومنارةً جديرة بالتقدير والاعتبار. وأكد أن وزارة الشباب والثقافة والتواصل حريصة دائما على مواكبة موسم أصيلة بالدعم والتشجيع والحضور المتواصل، وأضاف: «إلى جانب طرقه للقضايا الكبرى في مجالات الفكر والسياسة والاقتصاد والبيئة، كان هذا الموسم على الدوام ورشة للقرب الثقافي والفني ومحترفا للفن التشكيلي، يزرع في الناشئة بذور التنشئة السليمة القائمة على اكتساب ملكات التفكير والإبداع».
وذكر أن المغرب بحاجة إلى هذه التنشئة في ظل رهاناته التنموية والإشعاعية في مختلف المجالات والتي تتجاوز المحلي والوطني لتعانق القارّي والدولي وتطلعات التفوق والريادة. وأثنى المتحدث على البرمجة السنوية لهذا الموسم، التي تقارب دائما موضوعات ذات آفاق قارية ودولية جامعة، كما أشاد بشكل خاص بموضوع الدورة الحالية الذي يتدارس الرهانات الطاقية والمائية في افريقيا، ومن خلالها الاستراتيجية، نحو جغرافية سياسية جديدة»، وقال المسؤول الوزاري إن ذلك يجسد إدراكا بليغا للتحولات السريعة التي يشهدها العالم والتي تتطلب مواكبة قائمة على البحث والتوقع. وختم محمد بنعيقوب كلمته بالقول «لا شكّ في أن هذه الدورة ستكون فضاء للحوار والتبادل الفكري البناء».

جيل جديد يكبر في بيئة ثقافية

بدوره، قال طارق غيلان رئيس المجلس البلدي لمدينة أصيلة، إن «موسم أصيلة» لم يعد مجرد تظاهرة ثقافية، بل أصبح جزءا من ذاكرة أصيلة وهويتها ومن حضورها الثقافي داخل المغرب وخارجه. واستحضر في كلمته روح ابن أصيلة ومؤسس موسمها الثقافي، محمد بن عيسى، قائلاً «لقد كان للراحل حلم كبير لمدينة صغيرة، لكنه آمن بأن المدن لا تقاس بمساحاتها، وإنما بما تنتجه من معنى وما تصنعه من أفكار»، وتابع: «إنها رؤية تركت لأصيلة رأسمالاً رمزيا ثمينا، ومسؤوليتنا أن نصونه، ليس باستحضار الماضي، وإنما بأن نجعل هذا التراث عمادا من أجل صناعة المستقبل».
وبعدما أثنى على الجهود التي يبذلها أمين عام منتدى أصيلة حاتم البطيوي، رفقة أعضاء المؤسسة وشركائها، من أجل ضمان استمرارية هذا المشروع الثقافي والمحافظة على روحه وفتح آفاق جديدة أمامه»، أوضح رئيس المجلس البلدي أنه «حين نتحدث عن موسم أصيلة فإننا لا نتحدث عن ندوات كبرى ومعارض فنية فقط، أو أسماء دولية مرت من هذه المدينة، فهناك أثر آخر ربما يكون أكثر عمقا واستدامة، هو أثر الموسم في الإنسان»، وشرح ذلك بالقول: «لقد استثمر موسم أصيلة منذ سنوات طويلة في أطفال المدينة، من خلال ورشات الإبداع والكتابة والفنون التشكيلية، وفتح أمامهم فضاءات للخيال والتعبير والاحتكاك بالفنانين والمبدعين والثقافات المختلفة، وكان ذلك في جوهره استثمارا في إنسان أصيلة. وكم من طفل دخل ورشات موسم أصيلة حاملا أحلامه، ثم كبر وهي يحمل معه شيئا من قيم الجمال والحوار والانفتاح والاختلاف. وكم من شاب من أبناء المدينة ساهمت هذه البيئة الثقافية في توسيع أفقه وتشكيل جزء من شخصيته وطريقة تفكيره ونظرته إلى العالم».
وأضاف باعتزاز: «اليوم، أرى جيلا جديدا من أبناء أصيلة لا يكتفي بالحضور أو بالمشاركة، بل إنه أصبح مُبادِرا ومنتجا للفعل الثقافي، يطلق مشاريع وفعاليات ومبادرات جديدة، وقد استلهم كثيرا منها بصورة مباشرة أو غير مباشرة من روح موسم أصيلة وما راكمه داخل المدينة». واعتبر المتحدث هذه الحصيلة من أجمل ثمار الموسم، «لأن نجاح أي مشروع ثقافي ـ كما قال ـ لا يقاس فقط بما ينجزه في لحظته، لكن أيضا بالإنسان الذي يسهم في تكوينه وبالفكرة التي يزرعها وبالمبادرة التي تولد من أثره بعد سنوات».
وأكد أن هذا الإرث يضع على بلدية أصيلة مسؤولية كبيرة، وتابع: «إن مسؤوليتنا ليست فقط أن نحافظ على الهوية الثقافية التي صنعت تميز المدينة، وإنما أن نعمل على تطويرها وتحويلها إلى قوة للتنمية وصناعة المستقبل. لقد راكمت أصيلة على مدى عقود رأسمالا رمزيا وثقافيا استثنائيا، واليوم علينا أن نترافع جميعا من أجل أن يتحول هذا الرصيد إلى رافعة لتنمية المدينة، وأن ننتقل من الإشعاع الثقافي إلى اقتصاد حقيقي، اقتصاد الثقافة والمعرفة والإبداع، يستثمر في الإنسان، في الشباب، في التراث، في الصناعات الثقافية والإبداعية وفي السياحة الثقافية وفي الفرص التي يتيحها التحول الرقمي». واستدرك المسؤول المحلي بالقول: «هذا لا يعفينا من تطوير المدينة والبحث عن فرص أخرى ومتنوعة لتنمية المدينة وخلق فرص العمل لشباب المدينة والاستثمار في شتى المجالات. لكن، مع الحفاظ على قوة المدينة كقطب سياحي وثقافي متميز في المغرب». وسجّل أن الطموح هو أن ينعكس ما راكمته أصيلة من حضور دولي على حياة سكان المدينة وعلى فرص شبابها وعلى جاذبيتها الاقتصادية والثقافية، في أفق أن تصبح المعرفة والإبداعات جزءا من نموذجها التنموي.
والجدير بالذكر أن الجلسة الافتتاحية لموسم أصيلة الثقافية، تميزت بحضور العديد من الشخصيات الفكرية والسياسية والدبلوماسية، من بينهم: رومانو برودي، الرئيس الأسبق للحكومة الإيطالية، وموسى فقيه، رئيس مفوضية الاتحاد الافريقي سابقا، وميغيل أنخيل موراتينوس، وزير الخارجية الإسباني الأسبق وغيرهم…
يشار إلى أن فعاليات الدورة الحالية من موسم أصيلة الثقافي، تتضمن مجموعة من الندوات، منها الندوة التكريمية «طوني مارايني والمشهد التشكيلي العربي»، وندوة عن «العالم العربي في أفق 2030: التحديات والتحولات والآفاق»، وندوة عن الكاتب التونسي حسونة المصباحي تحت عنوان «سفر في التعابير والأمكنة». وهناك أيضا اللقاء الشعري الرابع الذي يتضمن ندوة حول «الشعراء الجدد في العالم العربي والشعريات المتحولة: من تعدد الأشكال إلى تداخل الوسائط»، إلى جانب تنظيم الدورة الثامنة لجائزة بلند الحيدري للشعراء العرب الشباب.
وتتعزز دورة هذا العام بإقامة ندوة «خيمة الإبداع» التي يكرم فيها ومن خلالها الأديب والمفكر الأكاديمي المغربي مبارك ربيع، بحضور نخبة من النقاد والباحثين من المغرب ومن خارجه. وبالإضافة إلى ذلك، تُنظم مجموعة من العروض الموسيقية المتنوعة في فضاء محمد بن عيسى للثقافة والفنون بمكتبة الأمير بندر بن سلطان. كما ستُنظم مجموعة من الفعاليات الخاصة بالفنون التشكيلية، تشمل الحفر والصباغة والليتوغرافيا، بمشاركة فنانين من بلدان عربية وأجنبية، إلى جانب تنظيم «مشغل مواهب الطفل» و«مشغل التعبير الأدبي وكتابة الطفل»، بهدف إتاحة فضاءات للتعلم والتجريب أمام الناشئة، وتنمية قدراتهم الفنية والأدبية. كما يحتضن رواق محمد بن عيسى للفنون الجميلة، في مركز الحسن الثاني للملتقيات الدولية، معرضا لأعمال الفنانين التشكيليين المغربيين محمد المرابطي ويونس الخراز، في حين يستضيف قصر الثقافة معرضا للصور الفوتوغرافية للراحل محمد بن عيسى، إلى جانب معرض جماعي لإبداعات مواهب الموسم.

✎

فريق تحرير الحدث الإخبارية

فريق التحرير في الحدث الإخبارية — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق