كمال القاضي
لا تزال شجون السينما الفلسطينية مُتضمنة في أحداث وتفاصيل الحكايات اليومية المتواترة، عن حُلم الاستقرار والعودة إلى أحضان البيوت ودفء الأسرة، ومرح الأطفال وطعم الجلوس تحت ظلال الشجر وعبق الزهور وأغصان الزيتون.
لم تُباعد الحرب بين أهل غزة وأمانيهم، بل زادتهم تمسكاً بالأمل والحياة والإيمان بحقهم المُطلق في الأرض والسكن، والخلود إلى النوم في أمان واطمئنان بعد سهر طويل وأرق مُمتد في ظُلمة الليل وعتمة الخيام، وشُح الرزق ونُدرة المياه وصراخ الأطفال جوعاً وعطشاً.
يوميات بائسة ما زالت الأفلام الفلسطينية الطويلة والقصيرة والتسجيلية والوثائقية ترويها بألم وحُزن، لعل أحداً يسمع ويعي ما يُعانيه سكان الأراضي المُحتلة جراء الحصار في غزة، وغيرها من بقية المُدن والقرى المنكوبة، فثمة رسالة يمكن أن تحملها السينما إلى العالم، لا تستطع وسائل اتصال أخرى أن تنقلها إلى المعنيين بحقوق الإنسان والمتشدقين، بالعدالة الدولية في غير سياقاتها الطبيعية والضرورية.
الأفلام الفلسطينية التي تخرج تفاصيلها وحكاياتها من قلب الأزمة تتسم بالرؤى الإنسانية وتجافي صور الدم والقتل المُستباح في وضح النهار وغسق الليل، فهي لا تُعيد إنتاج ما يحدث في الواقع اليومي المُعاش، وإنما تلفت النظر إلى ما وراء الصور المنشورة في الصُحف والمنقولة عبر الفضائيات بالأقمار الاصطناعية، تلك التي فقدت تأثيرها من كثرة التكرار، فلم تعد تؤلم أحداً من الساسة والزعماء.
آخر ما أنتجته السينما غير المُمولة والمصنوعة ذاتياً داخل غزة المُحاصرة المُثابرة، تجربة جديدة تخالف كل ما سبق من أطروحات الأفلام القصيرة والتسجيلية، من حيث اللغة والصورة والموضوع، والحوار الوارد على لسان البطلة الصغيرة «أمل» رمز البراءة والعفوية والصدق.
تحمل التجربة الجديدة في الفيلم الروائي القصير للمخرج وكاتب السيناريو سعود مهنا، عنوانها الذي يُميزها «اشتياق»، للدلالة على المعنى والشعور المُختزن في صدر البطلة التي لا يزيد عمرها عن ثلاثة عشر عاماً، فهي تعيش نهارها بين صخب الدبابات وصوت القاذفات، ورجاءً مفقود في الإحساس بالأمان، بينما ترى في منامها ما تتمناه ويحتفظ به عقلها الباطن، إذ تحلم الطفلة الصغيرة بأنها عادت إلى بيتها وصعدت إلى حجرة نومها وعانقت عروستها التي أُجبرت على فراقها منذ عامين ماضيين.
وفي غمرة الفرح بالعودة فتحت دولابها الصغير لتبحث عن فساتينها الزاهية الملونة وحذائها الجديد الذي تركته قبل أن تضعه في قدميها، فقد كانت تدخره للعيد الذي لم يأت، فأضحت الدنيا ظلاماً حولها في السابع من أكتوبر وتبدد حُلمها فصار كابوساً.
ظلت الطفلة أمل تبحث في أركان البيت المكون من طابقين تحيطهما حديقة غناء عن شقيقيها وهما اللذان فقدتهما في الحرب، قبل أن يُخبرها والدها أنهما ارتقيا مع والدتها إلى العالم الآخر مصحوبين بالرحمة والرضا والغُفران، أجواء خيالية أضفاها المخرج سعود مهنا على الأحداث عبر أدواته الفنية التي عززتها الإضاءة المُبهجة بدرجاتها البيضاء القوية المُتناغمة مع لون البيت الفاتح الذي يُشبه الفيلا بستائره النظيفة المُتطايرة من النوافذ.
حالة أعادت إلى الأذهان صورة البيوت الفلسطينية قبل تدميرها، وكيف أنها كانت واحات للراحة والاسترخاء والسكينة في وقت سابق لدخان الحرب الذي اعتراها فأخفى أجمل ما فيها وطمس معالمها وروحها وبريقها ولمساتها الفنية، فغدت من بعد شموخها ركاماً وأطلالاً حزينة يبكي عليها أصحابها.
الفيلم الذي لا تزيد مدته على 6 دقائق فقط اختزل بكل تفاصيله الدقيقة، حصاد سنتين من الأزمات والمُعاناة والمرارة، فقد لعب التكثيف الدرامي فيه دوراً بارزاً، فلم يُستهلك فيه الحوار بغير ضرورة، حيث أغنت الصور الدلالية التي نجح المصور والمونتير أحمد أبو هداف في التعويض بها عن أي حوار زائد، للتعبير عن الفكرة المراد تجسيدها والحُلم الذي استفاقت منه البطلة دعاء الدباس على صوت أبيها الفنان إياد دندن، حين ناداها بصوت مرتفع ليوقظها من نومها كي يُخبرها بوصول عربة المياه، فأيقنت دعاء أنها لا تزال في مُعترك الحياة اليومية، تُقاسي ما يُقاسي غيرها من شظف العيش وخشونة الفراش وقلة الزاد.. نعم إنها لا تزال أسيرة الوجع والانتظار، تعيش اليتم بمعناه وتصبر على نوائب الدهر وهي الزهرة الصغيرة التي لم تتفتح كل أوراقها بعد.
لم يتبق للطفلة البريئة في الدنيا غير أب طيب حنون وأصدقاء من أقرانها يشاركونها حُلم العودة للبيت والحديقة والمدرسة.
تلك كانت رؤية السينما الفلسطينية المُختلفة، مُتمثلة في فيلم اشتياق المُنتج بدعم ذاتي من مُلتقى الفيلم الفلسطيني الكائن بحسب سجله وعنوانه القديم بمدينة غزة، والذي يترأسه مخرج وكاتب الفيلم سعود مهنا.
يبقى الثناء على الموسيقى التصويرية حقا مكفولا لمن وضعها، حيث ساهمت مع الإضاءة والمونتاج وبقية العناصر الفنية الأخرى في تعزيز الحالة الإبداعية الاستثنائية برُمتها، الأمر الذي زاد من تفاعل المُتلقي وإحساسه بكل ما هو مقصود ومُستهدف من الفيلم بالدقائق الست المُبهرة، الفارقة على مستوى الحدث والرؤية البصرية والجمالية والذهنية.


















0 تعليق