في غياب الرؤية الإعلامية لمواجهة الإخوان!

منذ ساعة

هل لدى النظام في مصر رؤية إعلامية لمواجهة جماعة الإخوان المسلمين؟ وهل لدى الدول الصديقة والحليفة له في المواجهة مع الجماعة رؤية؟!
إذا نظرنا إلى الأداء الإعلامي في مصر، وهذه الدول، فستكون كارثة إذا اعتبرنا أن ما ينطلق من الشاشات هو هذه الرؤية، وهي ليست أكثر من فوضى إعلامية، توحي لك أنك كنت على متن طائرة، وقد سقطت بك في مستشفى العباسية للأمراض العقلية، وخرجت منها تمشي على قدميك، تمامًا مثل الذين كانوا على متن الطائرة الإماراتية المتجهة لتل أبيب، وهذا ضد طبائع الأشياء، كما قال لي متخصص في هندسة الطيران، وهذا ليس موضوعنا!
لن أناقش أهمية هذه المواجهة، وإن كان رأيي أن الإخوان لا يمثلون خطرًا الآن على النظام القائم، فهناك أشياء كثيرة غير مرئية لنا، ويكفي أن تفتح التلفاز على القنوات المصرية، أو تسمع للمسؤولين المصريين، فتجد تحذيرات من مؤامرات تستهدف استقرار البلد، حتى يستقر في وجدانك أن هناك خطرًا يدركونه، وليس بالضرورة أن تدركه، وأن هناك مخططات ومؤامرات لا ترى بالعين المجردة!

مع إنتاج الجزء الرابع من «الاختيار»

ومن ثم لن ننطلق من أرضية أنهم يضخمون الأمور، فألا وإنهم قرروا المواجهة، فهناك، بلا شك، خطر مستطير، وقد اكتمل الأمر بالإعلان عن إنتاج الجزء الرابع من مسلسل «الاختيار»، وهو العمل الدرامي الذي تخصص في مواجهة جماعة الإخوان، وكان المقرر أن يكون الجزء السابق هو الأخير، وقد كرس سردية أهل الحكم حول ثورة يناير/كانون الثاني 2011، فماذا بقي هناك من أمور تحتاج لمعالجتها، إلا أن الجماعة لا تزال تمثل خطرًا داهمًا على استقرار الدولة المصرية، الأمر الذي يبرر ضخ جزء جديد من المسلسل، كما يبرر استمرار مقدمي البرامج التلفزيونية على خط النار، فالأمر يستحق!
بيد أن المشكلة أن القوم، وعلى مدى ثلاثة عشر عامًا، لم يضعوا رؤية إعلامية تكتيكية أو استراتيجية لمواجهة الخطر الإخواني على استقرار البلاد، فقد تركوا المواجهة للاجتهاد الشخصي لمقدمي البرامج، فبدا الأمر كما لو كانت الطائرة قد حطت بنا في مستشفى المجانين! أعداد الضيوف الذين تتم الاستعانة بهم في المواجهة تقلصت، حتى صاروا في حكم المثل القائل: عد غنمك يا جحا؟ فأجاب بعدم اكتراث: واحدة قائمة، وواحدة نائمة. والقائمة والنائمة في أدائهما دون المستوى، وينتقلان بالحوار لمستوى التهريج، فليست لديهما مصداقية يحافظان عليها، فهما من المغامرين، شغلهما الوحيد هو بيع بضاعة كاسدة، وقد تبين أن السلطة تقدرها، لدرجة أنها عينت أحدهما بقرار رئاسي عضوًا في مجلس الشيوخ، وفي الأحوال العادية لا يمكنه أن يحلم بعضوية المجلس البلدي، مجرد أن يحلم! لتكون المهمة، مع هذا الخطل، الذي يدور في البرامج، مثل «مقاولة» لنقل «حمولة زلط» للطابق الأعلى، لا يعني الناقل ما هو أبعد من حدود هذا اللقاء، ولو كان يصب لصالح الجماعة؟!

من قتل حسن البنا؟

ما معنى أن يناقش برنامج عملية اغتيال المرشد العام المؤسس حسن البنا، في سنة 1949، الآن، كما حدث على قناة «صدى البلد»، وبدون حتى افتعال مناسبة لهذا الكلام، والاغتيال كان في شهر فبراير/شباط، ثم يستدعى من لم يكن له في العير ولا في النفير، ولم يكن محققًا في الحادث في وقته، ولم يكن مؤرخًا له بعد ذلك، وكل علاقته بالموضوع أنه كان عضوًا في جماعة الإخوان في فترة من الفترات، وتركها ليصبح أحد نجوم المرحلة، ويؤلف كتابين عن الجماعة، كل منهما على مستوى مختلف عن الآخر، ويصبح ضيفًا قارًا على البرامج التلفزيونية، قبل الأكل وبعده!
لقد قال العضو السابق في جماعة الإخوان ثروت الخرباوي إن من قتل البنا ليس الملك، ولكنه النظام الخاص، وكيف أن المرشد كان يخاف من هذا التنظيم!
وإذ أراد المذيع وضيفه انتزاع صفة الشهادة عن البنا، فقد خدما أهداف الجماعة بدون حول منها ولا قوة، إن الرؤية التي تسعى الجماعة لتمريرها على مدى سنوات طويلة، هي أن النظام الخاص خرج عن طوع البنا، وأن البنا عندما أصدر بيان «ليسوا إخوانًا وليسوا مسلمين» بخصوص اغتيال القاضي الخازندار، كان تعبيرًا عن براءة الجماعة من دمه، وفي المقابل كان خصوم الجماعة يقولون إن البيان توزيع أدوار، وأن الاغتيال مناورة من المرشد، ومن جماعة تستخدم التقية في السياسة! وهو جدل ممتد، عندما كان كلا الطرفين يهتم بالبحث عن الدليل، واعتماد المنطق في الحوار، قبل أن يتدهور الحال لمرحلة فرقعة البمب على رؤوس المارة في الشوارع، وقد قدر لي أن أتابع باهتمام هذا الجدل في فترة من حياتي!
فيأتي الآن ضيف قناة «صدى البلد»، والهدف نزع الشهادة عن البنا، ونزع القيمة، فيكون القول إنه كان يخاف من النظام الخاص، وأن هذا النظام هو من اغتاله، فكان القول لتقوية موقف الجماعة في مواجهة كل أصحاب الرؤى الأخرى من خصوم وغير ذلك. وهو ما لم ينتبه له ضيف فقرة القناة، لغياب الرؤية الاستراتيجية عنده، فيقذف بالقول فلا يدري أين يصيب؟!
قبل هذه المقابلة بأيام، حل ضيف القناة المصرية على قناة تتبع الحلفاء هي «سكاي نيوز عربية»، ويبدو أن مزاجه كان عنبًا، فصال بنا وجال في الملكوت، وكيف أن مرشد الجماعة الآن امرأة اسمها «سي»، وتتولى جهازًا اسمه «أم آي سيكس»! فإلى أين يريد القوم أن يذهبوا بنا، عندما تكون «حواديت» ما قبل النوم، عن «أبو رجل مسلوخة»، لينام على إثرها الطفل المتمرد خوفًا، هي المعتمدة في قضايا المواجهة الكبرى التي تقوم بها الدول عبر إعلامها؟ وإذا كان المتحدث ثروت الخرباوي، فهل يليق أن يكون المذيع أو المذيعة ثروت الخرباوي أيضًا؟

مرسي وتنظيم «القاعدة» وأيمن الظواهري

في المواجهة التي تفتقد إلى رؤية، وتفتقد إلى شخصيات اعتبارية لديها ما تخسره، كان ضيفًا آخر، جلب كلامه الضحك، فعم المشرق والمغرب، وهو يقدم على أنه قيادي سابق في تنظيم «القاعدة»، فيقرر بهذه الصفة أن الرئيس محمد مرسي دعاهم لاستيطان سيناء وتحويلها لمعسكر إرهابي، بهدف تحرك إسرائيل واحتلالها، وكيف أن مرسي اتصل بقائد تنظيم «القاعدة» أيمن الظواهري عبر الهاتف، وطلب منه أن يأتي بالتنظيم لسيناء، على وعد بأنه سيوفر لهم الحماية! وإذا كان هذا الخطل من الطبيعي أن يصدر من ضيف القنوات التلفزيونية، ما ظهر منها وما بطن، نبيل نعيم، فكيف بمن حاورته أن تتحول إلى نبيل نعيم أيضًا، وقد كان الحوار يمكن أن يسير في اتجاه تحافظ فيه على وظيفتها الرسالية، دون أن تبدو أمام المشاهد في غيبوبة لتمرير هذا العبث! فماذا لو سألته: وأين التقيت بالرئيس محمد مرسي ليطلب منك هذا الطلب؟ وهل اعترضت اتصاله الهاتفي بأيمن الظواهري بجهاز لديك، وقد كنت وقتئذ في مصر، ولم تكن معه في جبال تورا بورا؟ هل اتصل بك الظواهري وأخبرك بأمر هذه المكالمة التي جاءته من هاتف مجهول؟ وماذا كان ردك؟ وما هو رد أيمن الظواهري على هذا الطلب؟! وكيف جرى كل هذا من وراء ظهر الأجهزة المصرية؟ هل أبلغتهم بالأمر؟ فماذا فعلوا؟!
قد يكون الرد من جانب «الحالة» التي أجرت المقابلة أنها سايرته ولم تطرح عليه هذه الأسئلة للحفاظ على تماسك الرواية، فما هي الرواية أصلًا، وما هي الدروس المستفادة منها؟ أن مرسي كان متآمرًا على مصر؟ فأليس فيها ما يسيء للأجهزة الأمنية المصرية، التي لا يجوز لها أن تغفل عن مثل هذا الاتصال، وهذا الطلب لنبيل نعيم، فلم تقدمه مسجلًا للرأي العام، ولم يكن ضمن أحراز القضايا التي حاكمته عليها، بدلًا من افتعال اتهامات عن الهروب من السجن في ليلة الثورة ونحو ذلك!
إن نبيل يستدعي كلامًا نشر في الصحف قبل الانقلاب العسكري، في حملة الإبادة الإعلامية لمحمد مرسي، ويتبناه وكأنه صاحب الرواية، وقد أدخل بنفسه طرفًا فيها، وبحكايات تتصل بالتهريج!
لقد أعلن الخرباوي عن سبق صحافي تمثل في كشفه أن الداعية ذائع الصيت الشيخ كشك من الإخوان، وتسأل: وما الدروس المستفادة من ذلك؟ فهل الشيخ كشك موضوع الآن، والرجل منع من الخطابة في سنة 1981، وتوفي منذ ثلاثين سنة، وليس جزءًا من أي حكاية الآن؟ وعندما ينسبه الخرباوي بكل ثقله للإخوان، فإن هذا لصالحهم، وهم يؤاخذون على أنه لا يوجد من بينهم داعية، أو مفسر، أو فقيه، أو محدث، فيسعفهم بهذه الرواية. فلا بد من رؤية إعلامية لمواجهة الإخوان، حتى لا يصب الأداء لصالحهم.
حتى لا يكون الإعلام في حكم من أراد أن يغيظ زوجته فخصى نفسه!

 صحافي من مصر

✎

فريق تحرير الحدث الإخبارية

فريق التحرير في الحدث الإخبارية — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

أخبار ذات صلة

0 تعليق