التعبئة العامة في اليمن… ماذا يعني القرار وماذا تحقق منذ إعلانها؟

منذ ساعة

مازن ناصر

تعز- «القدس العربي»: مضى نحو أسبوع منذ إعلان التعبئة العامة في اليمن، بدأت خلاله مؤسسات الدولة والسلطات المحلية اتخاذ خطوات لتنفيذ القرار، بالتزامن مع استمرار التصعيد في عدد من الجبهات.
في 25 سبتمبر/أيلول، دعا رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، إلى «التعبئة العامة والنفير الوطني» لمواجهة تصعيد الحوثيين، وبعد ثلاثة أيام وافق مجلس النواب على الطلب. لكن بعد مرور أيام على القرار، برزت أسئلة مهمة: ماذا تعني التعبئة العامة قانونياً؟ وكيف يفترض أن تنعكس على مؤسسات الدولة والجبهات؟ وما الذي تحقق فعلاً منذ إعلانها؟

قرار يتجاوز التجنيد

التعبئة العامة، وفق قانون الاحتياط العام، ليست مجرد دعوة إلى رفد الجبهات بمقاتلين جدد. فالقانون يعرفها بأنها تهيئة الموارد المادية والبشرية والمعنوية للبلاد وإعدادها للانتقال من الحالة السلمية إلى حالة الحرب.
ويشرح رئيس منظمة سام للحقوق والحريات، توفيق الحميدي، أن موافقة مجلس النواب على القرار تمثل خطوة أساسية في هذا المسار، قائلاً: «موافقة مجلس النواب لقرار التعبئة العامة تعني استكمال أحد شروط شرعيتها المنصوص عليه في المادة 73 من الدستور اليمني وبالتالي انتقال هذه الدعوة من الإطار التشريعي إلى دعوة سياسية تنفيذية يضطلع بها مجلس الدفاع الوطني من خلال القوانين المنصوص عليها والمخولة له بإجراء التعبئة والتجنيد».
وحسب الحميدي، لا تعني الموافقة منح السلطة صلاحية مطلقة في تقييد الحريات «إلا ما كان ضرورياً من أجل التعبئة العامة».
المعنى الأوسع للقرار، وفق قراءته، هو توسيع نطاق المشاركة في حماية الدولة، بحيث لا تبقى المهمة محصورة في القوات القائمة، وإنما تمتد إلى مختلف القطاعات والموارد.
ويضيف في حديث لـ»القدس العربي» أن «هذه الموافقة تعني استكمال شروط شرعية إعلان هذه التعبئة ومنح مجلس الدفاع الوطني إدارة أو صلاحيات كبرى في المرحلة المقبلة لعملية الحشد بشكل عام».
لا يترك الدستور مسألة إعلان التعبئة مفتوحة أمام أي جهة. فالمادة 37 تنص على أن التعبئة العامة تنظم بقانون ويعلنها رئيس الجمهورية بعد موافقة مجلس النواب. كما يحدد الدستور دور مجلس الدفاع الوطني في الشؤون المتعلقة بتأمين الجمهورية وسلامتها.
واستند مجلس النواب في قراره الصادر في 28 سبتمبر/أيلول إلى هذه الأحكام، إضافة إلى قانون إنشاء مجلس الدفاع الوطني وقانون الاحتياط العام وقانون الدفاع المدني.
وبموجب قانون مجلس الدفاع الوطني، لا يصبح المجلس مجرد جهة استشارية بعد إعلان التعبئة؛ إذ يعتبر منعقداً بصورة مستمرة، ويتولى تقدير حالة الطوارئ وحالة الحرب والتعبئة واتخاذ الإجراءات بشأنها طبقًا للدستور.
ويتولى المجلس جميع مسائل التعبئة والإشراف على تنفيذها. كما يختص برسم السياسة العامة لإعداد وتعبئة إمكانيات الدولة ومواردها البشرية والمادية والفكرية والمعنوية، ووضع قواعد التعاون بين القوات المسلحة والأمن والإدارات والمصالح الحكومية وغير الحكومية لدعم المجهود الحربي.
وهذا يعني، وفق مختصين، أن تقييم التعبئة لا يقتصر على عدد الملتحقين بالجبهات، بل يشمل قدرة الدولة على تنسيق مواردها ومؤسساتها لخدمة متطلبات المرحلة.

ماذا حدث منذ الإعلان؟

خلال الأيام الثلاثة التالية لموافقة مجلس النواب، بدأت مؤشرات الانتقال من الإعلان إلى بناء آليات التنفيذ تظهر بصورة أوضح داخل المؤسسات الرسمية.
في 29 سبتمبر/أيلول، عقد مجلس الدفاع الوطني اجتماعاً لمناقشة مستوى جاهزية القوات المسلحة والأمن والتشكيلات العسكرية في مختلف الجبهات. وفي اليوم التالي، عقد وزير الدفاع اجتماعاً عسكرياً في عدن لمناقشة ترتيبات تنفيذ التعبئة والنفير العام وآليات التنسيق بين الجهات المعنية.
الأهم أن وزارة الدفاع بدأت تشكيل لجان مختصة تتولى توزيع المهام والمسؤوليات المرتبطة بالتعبئة. وفي 30 سبتمبر/أيلول، اجتمع نائب رئيس هيئة الأركان مع رؤساء وأعضاء هذه اللجان لمناقشة آلية بدء التنفيذ، وحشد الموارد البشرية والمادية وتنسيق الأدوار بين الجهات المختلفة.
وفي تعز، أقرت اللجنة العليا للطوارئ الآليات التنفيذية لتطبيق قرارات مجلس الدفاع والتعبئة العامة، مع التركيز على تأمين الخدمات الأساسية، وتعزيز الاستجابة الإنسانية للنازحين والمتضررين من التصعيد الميداني. في وزارة الداخلية، دُشنت في 1 أكتوبر/تشرين الأول حملة وطنية للتعبئة والنفير لمنتسبي الوزارة، مع التركيز على رفع الجاهزية والانضباط والتنسيق بين القطاعات والوحدات وحماية المنشآت والمرافق الحيوية.
أما الحكومة، فقد وسعت نطاق إجراءاتها لتشمل الاقتصاد والخدمات، من استقرار الأسواق وتأمين السلع الأساسية وانتظام الرواتب، إلى جاهزية القطاع الصحي والكهرباء والاستعداد للتعامل مع التداعيات الإنسانية والنزوح.
هذه التحركات تكشف أن المرحلة الأولى من التعبئة اتجهت، حتى الآن، إلى بناء هيكل التنفيذ.
في تعز، لم تنتظر حالة الاستنفار الشعبي إعلان التعبئة رسمياً. فمع تصاعد المواجهات منذ مطلع سبتمبر/أيلول، تحرك سكان في المدينة والأرياف لإسناد القوات الحكومية، قبل أن يتحول ذلك لاحقاً إلى جزء من الإطار الذي تحاول السلطات تنظيمه تحت مظلة التعبئة العامة.
مصدر عسكري غير مخول بالتصريح لوسائل الإعلام، أفاد لـ»القدس العربي» بإعداد لجان تتولى الجوانب البشرية والمادية والتدريبية والمعنوية للعملية. وتشمل التصورات المطروحة إعادة استيعاب أفراد الاحتياط الموجودين خارج الخدمة وتأهيلهم، إلى جانب المواطنين والمقاومين والشباب الراغبين في المشاركة.
وتشهد عدة جبهات في محافظة تعز تصعيداً عسكرياً منذ نحو أسبوعين، مع معارك متقطعة ومحاولات تسلل حوثية قالت القوات الحكومية إنها تهدف إلى قطع طريق عدن–تعز، أحد طرق الإمداد الرئيسية.
ويمتد التصعيد إلى محافظة لحج المجاورة، حيث تدور مواجهات حول مرتفعات جبلية تشرف على الساحل الغربي وباب المندب، في ظل سعي الحوثيين إلى تثبيت سيطرتهم على تلك المناطق.
بالنسبة إلى الباحث اليمني المتخصص في الشؤون العسكرية والاستراتيجية، علي الذهب، لا تقاس قيمة التعبئة بعدد الاجتماعات واللجان التي تشكلت، وإنما بما تنتجه على الأرض.
ويرى أن الإعلان جاء في سياق حرب مستمرة، قائلاً: «لو نظرنا إلى الواقع وما نحن فيه منذ أكثر من 12 عامًا نحن في حالة حرب وهذه الحرب لم تعد تحتمل تأخير أي إعلان من هذا القبيل يفترض أنه حالة تعبئة مستمرة منذ سيطرة الحوثيين على السلطة».
لكن الذهب يرى أن المشكلة لا تتعلق بالإعلان وحده، وإنما بقدرته على التحول إلى إجراءات ملموسة «مهما كان حجم الإعلان أو وقته فلن يكون له قيمة ما لم يجد نفسه على الأرض يعني إعداداً وتنفيذاً».
ويربط تقييمه بما يجري في تعز تحديداً، مشيرًا في حديثه لـ»القدس العربي» إلى أن «ما تشهده تعز من هجوم شرس على مختلف محاورها وجبهاتها من قبل الحوثيين (…) دون أن يكون هناك أي دعم حقيقي يُعبّر أو يعكس إعلان التعبئة فلا قيمة له».
ولا يرى الذهب أن الاجتماعات والإجراءات التي أعقبت القرار تكفي وحدها لإثبات انعكاسه على الميدان، إذ يقول: «لا بد أن يكون هناك فعل شعبي وإعلامي وسياسي وفكري وثقافي وديني على كافة المستويات».
بالنسبة إليه، التعبئة لا تتوقف عند الجانب العسكري، وإنما تشمل كذلك الحشد السياسي والإعلامي والمجتمعي، إضافة إلى ما يسميه «تعبئة مضادة لتعبئة الحوثي».

موارد وخدمات

تظهر تصريحات الحكومة والسلطات المحلية خلال الأيام الماضية اتجاهاً إلى توسيع مفهوم التعبئة ليشمل الموارد والاقتصاد والخدمات والاستجابة الإنسانية.
قانون الاحتياط العام يضع ضمن الاحتياط المادي موارد ومنشآت ووسائل يمكن توجيهها لخدمة المجهود الحربي، كما ينص على دور لمختلف أجهزة الدولة في تنظيم هذه الموارد وتسليمها للجهات المختصة. ويشمل ذلك قطاعات مثل الطرق والموانئ والوسائل الطبية والمنشآت والمعدات ذات الصلة.
وفي هذا السياق، ناقش مجلس الوزراء في 1 أكتوبر/تشرين الأول عدة إجراءات لتشمل، إلى جانب الجاهزية العسكرية والأمنية، استقرار الأسواق وتأمين السلع الأساسية وانتظام الرواتب والالتزامات الحكومية، ورفع جاهزية القطاعات الصحية والخدمية ومعالجة أوضاع الكهرباء والاستعداد للتعامل مع موجات النزوح والاحتياجات الإنسانية.
وفي اليوم نفسه، أعلنت السعودية تقديم قرابة 60 مليون دولار لدعم الموازنة العامة للحكومة اليمنية، قالت إنها تهدف إلى تعزيز انتظام التدفقات المالية الحكومية، ودعم كفاءة السياسة المالية، بما يسهم في تعزيز القوة الشرائية ودعم الاستقرار الاقتصادي. ولا يعني ذلك أن الدعم نتيجة مباشرة لإعلان التعبئة؛ لكنه يأتي في سياق الحاجة إلى الحفاظ على قدرة الحكومة المالية خلال مرحلة يفترض أن تتزايد فيها النفقات والاحتياجات، وفق مراقبين.
حتى الآن، يبدو أن الإجراءات اتجهت نحو تنظيم التعبئة وتحديد آليات تنفيذها، فيما لا تزال نتائجها على الأرض بحاجة إلى مزيد من الوقت لمعرفة أثرها بشكل واضح.

✎

فريق تحرير الحدث الإخبارية

فريق التحرير في الحدث الإخبارية — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق