تتبنى آلية الاشتغال الفني، بنائيا ودلاليا، لدى التشكيلي وليد رشيد القيسي في معرضه الأخير المقام في عمّان، موقفا فكريا يتجاوز حدود المعالجة الشكلية. ومن خلال المعاينة الأولية لرسومات المعرض وأعماله الخزفية، يتضح أننا أمام مغامرة شكلية تكشف عن ترابط وثيق بين رؤية فلسفية للفن واستقلالية في الأسلوب والتقنية المستخدمة. ولم يكن هذا التوجه وليد المعرض الحالي، فقد سبق للقيسي أن أنجز مجموعة من الخزفيات القائمة على أساس تخييلي، تتحكم في بنائها رؤية واعية بعيدة عن الانفعال والعفوية، وتنطلق من حرية تامة في التكوين، لتنتج أعمالا تقترب في ملامحها من الطوطمية والغرائبية.
إذن نحن لسنا أمام حلقة مفرغة إنما نلجأ إلى متوالية بصرية تتخذ من تعدد واختلاف الأشكال بعدا فلسفيا ومحتوى جماليا، وهي محاولة بقيت أسيرة تدشين لصورة الأسطورة الحية في التلاعب مع الأشكال الفنية، إنه لا يضعنا أمام منطق روحي، بل هناك تصورات داخل العمل تقرّبنا لفهم موقفه من العالم وأوهامه وحروبه وانكساراته، ووفق هذا المنطق تتحلى أعمال معرضه (المقام في كاليري الأورفلي بتاريخ الرابع عشر من سبتمبر/ايلول) بمهابة أسطورية، كأنها خلاصة لنظرة تأملية تبحث عن نظائر غريبة، تعرّي تعبير الألم والقسوة، وتبيّن ملامح غرابة ما يحيط بالإنسان ولكن لنتساءل من أين أتت هذه الفكرة طالما الأعمال التي نقف أمامها لم تستخلص البساطة في ما يتلاءم مع منطق الجمال في لعبة فنية لا نلتمس فيها التكافؤ مع الواقع؟ يبدو أن طريقة المواجهة الأسلوبية وبيان تفردها وخصوصيتها عند وليد القيسي، هي بمثابة تمسّك بمبدأ التهيؤ لمشروع قائم ومتواصل، ولكن أهم ما يثار في ذلك المشروع الابتعاد عن المباشرة والبساطة والتوجه العام في هذا الكشف جعله يذهب بعيدا في التعامل وبحرية مع مواده الخام، لينتج أشكالا غريبة مع أنها في لحظة اتزان وتمكّن وإغواءات بصرية بعيدة عن فكرة الرسم التشبيهي، أو المقارنة مثلما نجد ذلك في رسومات لوحته الغنائية، أنها تتلاءم مع متخيّل تتنامى فيه طاقة شكلية ظاهرة فيها النزعة الحسية، على العكس مما رافق الرسم من أشكال نحتية فهي لا تزعم بوضوح بيان صورة للشكل والمحتوى، بل تتجه لاستعراض تراكيب بنائية تحيل المتلقي إلى التشويه والغرائبي مع أنها تقوم على تنوع في الثراء الشكلي الغريب.
اللافت أن هذا المشروع لا يقصي توجهات الفن الأخرى لكنه يشق طريقه ضمن انتقال في خيار التوافقية التي تقدم تصورات مبنية على معمار هندسي تجريدي يخضع لحرية تامة في رصد أثر المواضيع المبينة في بنية العمل، والمهم عندنا أن هذا التأكيد يقودنا إلى توصلات ثانوية أخرى منها أن سعي الفنان وهو يبتعد عن التشخيصية ببراعة تجعله يلامس المجرّد والمتعالي في العمل الخزفي، بينما ينهض الخطاب الثقافي على اقتفاء أثر الحداثة في العمل الفني، فهل سنجد خلخلة في بيان الأنساق في التكوين الفني من أجل أن يأخذ الاشتغال صورة تعلي خطاب الفلسفة، مقابل كسره وتهشيمه لترجيح موضوعة (الأشكال وغرابتها ) طبيعة هذا التصور عند وليد تشترط آلية جمالية يقوم بها الشكل الأخير، فما يتماشى مع العقل ليقع تحت ضغط الشعور، وما يتردد أمام العين سينطوي بعده على الإتيان بفن أشبه ما يكون فطريا غريبا عن المحاكاة، فهل نستطيع فهم رسالة عمله وما الذي يود قوله؟ في كل ممارسة يعمل عليها هذا الفنان هناك بعد ذهني يريد لتكويناته أن تتبناه بصرف النظر عن الانتهاء بفجوة المواضيع الغريبة، إنه يريد لأي جزء غير مكتمل التكوين اللحاق بالمبدأ الحقيقي لفهم الأشياء التي تحيطنا ونراقبها عن كثب، يريد عملا فنيا تتفاقم فيه حساسية الاغتراب لكنه يصف ما تشوه قبله يريد المساس بما هو حسي وصولا لإيحاء خالص في جماله، وقد يبدو هذا التوصيف قائما في خزفياته الموجودة في معرض قاعة الأورفلي، أما لوحاته فقد توسعت فيها طاقة الألوان وبدت كأنها تفسير ينتهي بتفاقم التراجيديا من أجل بث لمسات جمالية في كتل لونية ووجود حزوز في السطح التصويري.
بالنسبة لي أجد أن الاثنين وإن كانا مختلفين (الرسم /والخزف) إلا أن فكرة التحول وترويض مادة الرسم والخزف بين يدي هذا الفنان كانت بمثابة ترجيح لمقول التبدل الذي نعيشه، إنه تنصل عن شيء مقابل الاحتكام لمستويات الموضوعية التي يريدها عبر أعماله الفنية، فما تلك الموضوعية؟ وليد فنان يدفعه الشعور بحب المادة إلى وجود ألفة مع الفن فما أن ترى عملا خزفيا قد تقول إنه مختلف عن الأعمال الأخرى لغيره والحديث هنا ليس عن الأسلوبية والتقنية ومادة التلوين، بل الغرابة في استحضار مشاعر لا توصف بانها وثيقة مع خطاب الفن، بل هناك عرض بصري تتسامى فيه روح الشكل مع غرابة النظرة وهذا هو الهدف الذي يعبر عن حاجة ملحة أمامنا تتبناها نزعة مثالية لم نفهم مغزاها بعد.
كاتب عراقي


















0 تعليق