مراحل انحدار العرب من العزيمة إلى الهزيمة

منذ ساعة

كالهارب من الرمضاء إلى النار، اعتقد العرب أن التخلص من الخلافة الإسلامية في الإستانة والهيمنة العثمانية، يمر عبر التحالف مع «الغرب» الذي تقوده بريطانيا العظمى (البروتستانتية)، وفرنسا (الكاثوليكية). وبعزيمة العرب، وما سمي بـ»الثورة العربية الكبرى» التي أطلقها الشريف حسين بعزيمة أكيدة وصادقة، لكنها لم تكن سوى خديعة كبرى لتقديم خدمة للثنائي الغربي المهيمن (فرنسا وبريطانيا)، ليس لبناء المملكة العربية الشاملة للجزيرة العربية وبلاد الشام، كما كان حلم العرب، بل على العكس تماما لتقطيع أوصالها واستئصال قطعة من كبدها في فلسطين، واستعمارها من جديد حسب اتفاقية سايكس ـ بيكو، ووعد بلفور بصك جاهز للاستخدام موقع من عصبة الأمم في سان ريمو، وما كانت رسائل الحسين ـ مكماهون سوى حقن تخديرية للوصول إلى الغاية المنشودة من الغرب الميكيافيلي، التي بررت الغاية، بإجراء عملية التقطيع بالجسد العربي.
أي باختصار وضع العرب المخدوعون منذ قرن ونيف أول قدم لهم في متاهة درب الأحزان والآلام الطويل، ولا يزالون يتخبطون في المتاهة.
خلال ربع قرن بعد أول قدم في المتاهة دخل العرب في ثورات الاستقلال مجددا في سوريا والعراق ومصر وفلسطين ضد المستعمرين الجديدين، لكن عمل الجزارين لم ينته من تقطيع الجسد العربي، فأنشأت فرنسا دولة لبنان، وأهدت لتركيا لواء إسكندرون، وقسمت سوريا إلى خمس دول، وأنشأت بريطانيا دولة الأردن. ودعمت عصابات الإرهاب الصهيوني في فلسطين لارتكاب المجازر في الشعب الفلسطيني وتهجيره. ومنذئذ أصبحت فلسطين الجرح النازف العصي على الالتئام في الجسد العربي.
بعد الاستقلال طري العود لبعض الدول العربية الخارجة من مسلخ التقطيع (سوريا، لبنان، العراق، الأردن، مصر)، اصطدمت بقرار التقسيم الأممي فسيقت إلى حرب 48 وخرجت منه بنكبة، وتمددت دولة الاحتلال في باقي أراضي فلسطين غير آبهة القرار الأممي، الذي تهيمن عليه الدول الحامية لها. هذه النكبة سيتبين في ما بعد أنها لم تكن سوى بداية الصراع المرير «لتحرير فلسطين»، فبعد سقوط الملكية في مصر وتأميم قناة السويس عاد المستعمران القديمان بعتادهما ترافقهما الدولة الصهيونية في رحلة عدوانية في حرب فرضت على مصر فاحتلت صحراء سيناء، ولولا الإنذار السوفييتي الأمريكي لتمكنت من السيطرة على قناة السويس، وأخرجت صحراء سيناء من الخريطة المصرية.

قدم العرب خطة الملك عبدالله بن عبدالعزيز «الأرض مقابل السلام» على أساس الاعتراف الكلي بدولة إسرائيل مقابل الانسحاب من الأراضي المحتلة وقيام دولة فلسطينية. لكن إسرائيل خيبت آمال العرب ورفضت الخطة جملة وتفصيلا

تيقن الرئيس جمال عبد الناصر من أن المشروع الصهيوني لا ينحصر في فلسطين، بل يمتد إلى حدود الفرات والنيل كما كان الصهاينة يبوحون به بصوت عال على ويرسمون الخرائظ ويعرضونها على كل منابر العالم. وتأكد يقينه في حرب يونيو الذي انتكس فيها العرب بعد أن انتكبوا، واحتلت الدولة المارقة سيناء من جديد، وما تبقى من أراضي فلسطين، التي كانت تحت وصاية أردنية، والجولان السوري بعد خيانة حافظ الأسد (الذي لا يزال محتلا حتى اليوم وطالب به الرئيس أحمد الشرع مؤخرا على منبر الأمم المتحدة وهدده وزير الاحتلال يسرائيل كاتس بأن الجولان أراض إسرائيلية للأبد، وكذلك جبل الشيخ والأراضي التي احتلت بعد سقوط نظام الأسد). العرب أكدوا في قمة الخرطوم لاءاتهم الثلاث كالتزام «استراتيجي»: (لا صلح، لا تفاوض، لا اعتراف) وجهزوا أنفسهم سرا بعد وفاة عبد الناصر (مصر السادات، وسوريا الأسد) لخوض معركة الفصل. فبعد ست سنوات من التحضير اشتعلت حرب أكتوبر وتم اختراق خط بارليف وتحرير قناة السويس، وبضع عشرة كيلومترات داخل صحراء سيناء، وعلى الجبهة السورية لم يحرر شبر واحد، بل توغل جيش الاحتلال أكثر في الأراضي السورية. قام حافظ الأسد على إثرها بالتوقيع على اتفاقية فصل القوات 1974 مع العدو الإسرائيلي، فانسحبت إسرائيل من مدينة القنيطرة ليظهر الأسد كبطل قومي وصار «بطل تشرين محرر القنيطرة»(واليوم ألغت دولة الاحتلال اتفاقية فصل القوات واحتلت كامل الجولان إضافة إلى مناطق آخرى) وبالطبع كان هذا أول ثقب في شرنقة «الاستراتيجية العربية ولاءتها الثلاث» من قبل دمشق «قلب العروبة النابض».
بعد سنة من هذا التاريخ دخلت لبنان في حرب أهلية على خلفية طرد منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان. ودخل الجيش السوري تحت غطاء الجامعة العربية كقوات ردع في لبنان، لكنه لم يردع أحدا، بل كان أول من قام بمجازر ضد الفلسطينيين في تل الزعتر. أما في مصر فقد أصغى الرئيس أنور السادات إلى وسوسات الشيطان هنري كيسنجر، بأن عملية تطبيع مع إسرائيل ستعيد لمصر صحراء سيناء. فاستقل أول طائرة رئاسية وهبط في مطار بن غوريون وتم استقباله في الكنيست في يوم تاريخي (20 نوفمبر 1977) ليلقي كلمته باستجداء السلام من الدولة المارقة المحتلة المعتدية، أمام رئيس الوزراء مناحيم بيغن (رئيس عصابة الإرغون سابقا) الذي كان مصنفا إرهابيا من قبل بريطانيا. فباتت لاءات الخرطوم في خبر كان، ومعها «الاستراتيجية العربية « وتم توقيع معاهدة كامب ديفيد، ورفع لأول مرة العلم الأزرق في القاهرة أكبر عاصمة عربية. على إثرها قامت قيامة العرب وتنافخوا فطردوا مصر من الجامعة العربية، وتم اغتيال السادات في يوم النصر في 6 أكتوبر1981. وخلفه الرئيس حسني مبارك الذي لم ينقض المعاهدة. (صرح رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو مؤخرا، أنه لولا التدخل الأمريكي لكانت إسرائيل احتلت دمشق والقاهرة). في عام 1982 شنت دولة الاحتلال حربا شعواء على منظمة التحرير في لبنان واحتلت العاصمة بيروت، وحاصرت منظمة التحرير التي كان شعارها (حاصر حصارك لا مفر إضرب عدوك لا مفر) لكن «العين لا تقاوم المخرز»، فتم طرد منظمة التحرير الفلسطينية في النهاية وتسفيرها إلى تونس، ولم تتوقف الحرب الأهلية، بل وقعت مجازر صبرا وشاتيلا بعدها مباشرة بمباركة وزير حرب الاحتلال أرييل شارون. وانطلقت الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987 ورغم الاعتداء الصارخ على لبنان ومنظمة التحرير واندلاع الانتفاضة أصر العرب على الخضوع لسراب السلام مع دولة الاحتلال، فجلسوا إلى طاولة مؤتمر مدريد في 1991 أمام إسحق شامير (رئيس عصابة شتيرن سابقا). وخرجوا منه بفشل ذريع. قامت منظمة التحرير على إثرها بتوقيع اتفاقية أوسلو 1993 (غزة أريحا أولا واليوم لا غزة ولا أريحا لا أولا ولا آخرا) وتبعتها الأردن سريعا باتفاقية وادي عربة 1994. في عام 2000 تزامن حدثان مهمان: انتفاضة الأقصى التي استمرت خمس سنوات، وانتصار المقاومة التي تبناها حزب الله (ذلك أن الأنظمة العربية تركت الساحة لحركات المقاومة من منظمات وميليشيات) بانسحاب إسرائيل من جنوب لبنان وكان انتصارا كبيرا لحزب الله. في مؤتمر القمة العربية في بيروت المنتصرة في 2002 قدم العرب خطة الملك عبدالله بن عبدالعزيز «الأرض مقابل السلام» على أساس الاعتراف الكلي بدولة إسرائيل مقابل الانسحاب من الأراضي المحتلة وقيام دولة فلسطينية. لكن إسرائيل خيبت آمال العرب كما حصل في مدريد ورفضت الخطة جملة وتفصيلا، رغم أن العرب تخلوا عن كل أوراقهم وعلى رأسها المقاطعة العربية. بمعنى آخر أنها مصرة على الاحتلال والمزيد منه مستقبلا، وهذا ما حصل. ففي عام 2006 اندلعت الحرب مرة أخرى بين إسرائيل وحزب الله، وبينها وبين المقاومة في غزة. و(تكررت في عام 2008، و2012، و2014، و2021، و2022، وانتهت بعملية طوفان الأقصى واحتلال غزة وتهويد القطاع).
في عام 2020 فاجأت الإمارات العربية والبحرين والسودان العرب بتوقيع اتفاقية إبراهيم مع دول الاحتلال، ثم تبعهما المغرب في 2023. ويتم الآن الضغط على السعودية لإجراء عملية التطبيع. وتسعى سوريا بعد سقوط النظام البائد، وكذلك لبنان اللتان تتعرضان حاليا لحرب شعواء، واحتلال اراضيهما للتطبيع أيضا مع دولة الاحتلال المارقة. ودمرت غزة بعد عملية طوفان الأقصى وارتكبت إبادة جماعية بحق الفلسطينيين. واعتبرت محكمة الجنايات الدولية بنيامين نتنياهو كمجرم حرب ووزير دفاعه السابق اولاف غالانت، وتقدمت جنوب افريقيا بشكوى لمحكمة العدل الدولية بارتكاب إسرائيل إبادة جماعية (لم تلتحق أي دولة عربية لهذه الشكوى سوى فلسطين وليبيا، بينما التحقت 8 دول أجنبية إليها).
اليوم يقع العرب بين حربين مدمرتين إيران والحرب الإسرائيلية الأمريكية، وإسرائيل وحربها على لبنان وسوريا وفلسطين، فلا هم في هذه ولا هم في تلك يتلقون الضربات دون رد بعد أن حل بهم الضعف والهزيمة، ويصلح فيهم قول المتنبي «فعلى أي الجانبين تميل». واكتشفت دول الخليج أن الحامي الأمريكي لا يحمي أحدا، فقد دمرت قواعده فيها وصار بحاجة لدول الخليج لحماية قواعده. هذه الصحوة من الغفوة دفعت إلى ضرورة إنشاء تحالف قوي وتغيير قواعد اللعبة وما اتفاق مكة إلا مؤشر أول لبناء استراتيجية دفاع جديدة يؤمل أن لا تكون كاستراتيجية اللاءات الثلاث.

كاتب سوري

✎

فريق تحرير الحدث الإخبارية

فريق التحرير في الحدث الإخبارية — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق