ما من شك في أن مواقف حكومة رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنام الأخيرة وما سبقها، قد خرجت عن المألوف في السياسة البريطانية تجاه فلسطين، ليس فقط من باب البيانات المعلنة، بل أيضاً من خلال الخطوات الصريحة التي تعتزم بريطانيا اتخاذها. فالخطاب السياسي والمواقف الإعلامية لم يأتيا من فراغ، بل من تعاظم الأصوات المؤيدة لفلسطين داخل المستوى السياسي البريطاني وما صاحب ذلك من تطورات المشهد في قطاع غزة والضفة الغربية، وتنامي الدعم الشعبي لفلسطين والفلسطينيين في بريطانيا.
فالصورة التي عبرت عنها جلسة البرلمان الأخيرة، وما صدر من مواقف يمكن وصفها بالتاريخية، لوزير الخارجية البريطاني أيد ميليباند، تطرح أسئلة مهمة عن التوقيت والهدف من خطوات كهذه، كما تطرح في ما تطرح، سؤالاً مشروعاً مفاده: هل استفاقت بريطانيا؟
الخطاب السياسي والمواقف الإعلامية لم يأتيا من فراغ، بل من تعاظم الأصوات المؤيدة لفلسطين داخل المستوى السياسي البريطاني وما صاحب ذلك من تطورات المشهد في قطاع غزة والضفة الغربية
كلمات ميليباند الأخيرة توحي بذلك، خاصة أنها تأتي من شخص يهودي الديانة، رفض محاولات نتنياهو تحويل الصراع العربي الإسرائيلي إلى صراع ديني، مؤكداً رفضه كذلك لمعاداة السامية، ومشدداً على ضرورة إنجاز حرية الشعب الفلسطيني وإقامة دولته المستقلة.. يقول مليباند: لا يمكن تبرير المعاناة التي تسببت بها حكومة نتنياهو في غزة والضفة الغربية، هذه المعاناة وصمة عار على ضمير العالم. أريد بهذا الخصوص أن أقول لملايين الناس في هذا البلد، وفي أماكن أخرى أيضا، ممن تأثروا بمحنة الشعب الفلسطيني، وأثار غضبهم ما يتعرض له (هذا الشعب): لقد كنتم على حق، نعم كنتم على حق، وفي ظل هذه القيادة التي أعدنا ضبط نهجنا: نحن نندد بالتطهير العرقي الذي يرتكبه المستوطنون الإرهابيون، ونندد وبالأدلة القاطعة، ارتكاب (إسرائيل) جرائم حرب في غزة، ونندد بالاحتلال الإسرائيلي غير القانوني لفلسطين. وعليه سنحظر استيراد السلع من المستوطنات غير القانونية، وسنحظر خطوط إمداد المستوطنات غير القانونية، من التمويل البريطاني وقطاعي البناء والإعمار والخدمات برمته.
وعندما يتعلق الأمر بمحاولة تدمير حل الدولتين، فإن هذا الحزب (حزب العمال) وهذه الحركة، وهذه الحكومة إنما تقول: لن نسمح لكم (أعداء الحرية) بالنجاح في ما تصبون إليه. ومع ذلك فإن كلمات ميليباند هذه لا تدعو للاحتفال، ما لم نرَ خطوات تنفيذية على الأرض. فبريطانيا الغارقة في تبعات وعدها المشؤوم، وتلكؤها السابق في دعم حقوق الشعب الفلسطيني ورفض معاناته، ومواقفها التاريخية الداعمة لحكومات الاحتلال الإسرائيلي المتعاقبة، تحتاج اليوم إلى تبرئة للذات عبر الاقتراب من تسمية الامور بمسمياتها من حيث الأقوال التي تنتظر الأفعال، والرغبات التي تنتظر التنفيذ، إذ لا مكان بعد اليوم للأمنيات الوهمية ولا للوعود البراقة.. فلسطين تنتظر الفعل والإنجاز.
إن استفاقة بريطانيا الحقيقة ستحتاج إلى الكثير من العمل، بدءاً من تحويل مفوضية فلسطين في لندن إلى سفارة، مروراً بتنفيذ مواقف رئيس وزرائها ووزير خارجيتها، ووصولاً إلى رد ودائع الشعب الفلسطيني المالية، ودعم ترشيح فلسطين للعضوية الدائمة في الأمم المتحدة. لقد شبع الشعب الفلسطيني الخطابات النارية والشعارات الرنانة والوعود الفارغة، كما سئم محاولات البعض مقايضة أجساد أبناء وبنات الفلسطينيين ولحم أطفالهم ونسائهم وشيوخهم بأكياس الطحين الممجوجة والمساعدات الموعودة وحزم الدعم المقيدة. الشعب الفلسطيني كما يقول رجل الدبلوماسية المقدسي عفيف صافية: ليس شعباً فائضاً عن الحاجة، وليس أقل آدمية من أحد. فهل استفاقت بريطانيا؟ ننتظر ونرى.
كاتب فلسطيني
[email protected]


















0 تعليق