الناسك وابن عِرس: من الحكاية إلى انفتاح الدلالة

منذ ساعة

تبدأ حكاية الناسك وابن عرس في «كليلة ودمنة» من عتبة دالة، حين يقول الملك للفيلسوف: «فاضرب لي مَثَل الرجل الذي يعمل العمل بغير روّية ولا تثبّت». تتجاوز هذه الجملة وظيفة الطلب السردي؛ إذ تحدد منذ البداية أفق الحكاية وغرضها، وتضع التثبّت في مواجهة التسرع بوصفه القضية التي سيبني عليها الفيلسوف جوابه. ومن هنا تنفتح الحكاية على طبقات من السرد والحجاج، فتتحول الحكاية إلى وسيلة للتفكير في السلطة والسلوك والمعرفة والثروة، وتتجاوز العِبرة المباشرة إلى دلالات أوسع.
تقوم الحكاية على التضمين السردي؛ فملك يسأل فيلسوفا، وفيلسوف يروي حكاية ناسك وزوجته، والزوجة تستعين بحكاية ناسك آخر وجرّة السمن والعسل، ثم تعود الحكاية إلى الناسك الأول لتبلغ ذروتها عند ابن عِرس. وهذا التدرج جزء من وظيفة النص الإقناعية؛ فالفيلسوف لا يقدم حكما مجردا، وإنما يصوغ حجة سردية تتحرك من القول إلى المثال، ومن المثال إلى التجربة، ومن التجربة إلى العاقبة. وهكذا يصبح السرد وسيلة لدفع المتلقي إلى سلوك محدد؛ وهو التريث قبل الفعل، والتثبّت قبل الحكم.
وتكتسب عبارة الملك الافتتاحية أهميتها من كونها تكشف مقصدية الحكاية. فالملك يطلب مثالا للرجل الذي يعمل بغير روّية، والفيلسوف يستجيب بحكاية تجعل العاقبة ماثلة أمام العين. فالقارئ يرى الجرّة وهي تنكسر، والحلم وهو يتبدد، وابن عرس وهو يُقتل، ثم تأتي الحقيقة بعد فوات الأوان. وبذلك تؤدي الحكاية وظيفة تعليمية تتجاوز التقرير المباشر؛ إذ تجعل الحكمة تجربة محسوسة، وتحوّل العِبرة إلى موقف يرسخ في الذاكرة.

وتكشف حكاية الناسك وجرّة السمن والعسل عن عمق هذه الوظيفة. فعندما يبدأ الناسك في استباق المستقبل، تتصدى له زوجته قائلة: «ما يحملك على أن تتكلم في ما لا تدري هل هو كائن أو غير كائن؟ فاسكت عن هذا الكلام، وارضَ ما قسم الله لنا»، ثم تضع حكمة بالغة: «فإنّ العاقل لا يتكلم في ما لا يدري، ولا يحكم على المقادير في نفسه ولا يقدّر في نفسه شيئا». وهنا تنتقل الحكاية من التحذير من العجلة إلى مساءلة حدود المعرفة نفسها: ما الذي نعرفه؟ ومتى يصبح من المشروع أن نحكم؟ ثم تأتي حكاية الجرّة لتجسّد هذا المبدأ؛ فالناسك يرى جرّة صغيرة، فيبني فوقها مشروع حياة كاملا: يبيعها، ويشتري أعنزا، ثم أبقارا، ويزرع، ويجمع المال، ويبني بيتا، ويقتني المتاع والخدم، ثم يتزوج وينجب ولدا ويؤدبه. وهكذا يتحول المعطى المحدود إلى مستقبل متخيل مكتمل، قبل أن تصيب العصا الجرّة فتنكسر وينهار البناء كله.
تنفتح الجرّة على دلالة الحلم الاقتصادي؛ فداخلها مادة قابلة للبيع، ومنها يبني الناسك تصورا متدرجا لتكوين الثروة. تظهر التجارة والاستثمار وتوسيع الثروة بوصفها إمكانات للنمو، ثم يُجهض المشروع قبل أن ينتقل من المخيلة إلى الواقع. وتسمح هذه النهاية بقراءة ثقافية ترى أن الحكاية تضع مسافة بين الطموح المشروع وبين الحلم المنفصل عن شروط الواقع، كما تفتح سؤالا عن إمكان الصعود الاجتماعي وحدوده: هل تحذر الحكاية من وهم التملك المتخيل، أم توحي كذلك بثقافة تنظر إلى تجاوز المواقع الاقتصادية القائمة بقدر من الريبة؟ وتظل الإجابة مفتوحة، وهو ما يمنح هذا المستوى من الحكاية قيمته التأويلية.
وفي هذا السياق تظهر المرأة في موقع اجتماعي دال. فهي التي تدرك الخلل حين يستولي الخيال على زوجها، وهي التي تقدم الحجة، وتختار المثال، وتوجه السلوك. فداخل مؤسسة الزواج تتغير التراتبية؛ فالرجل صاحب القرار في الظاهر، بينما تتولى المرأة وظيفة التوجيه، وهنا يحدث انتقال لافت من موقع التابع إلى موقع الموجّه، فتكتسب المرأة سلطة معرفية وأخلاقية واضحة.
أما النسق السياسي، فيتجسد في حضور الملك على طرفي الحكاية. فهو الذي يطلب المثل في البداية، ثم يعود عبر رسول لملك يستدعي الناسك من بيته. بهذا الحضور المزدوج يتحول الملك إلى علامة على مركز السلطة؛ إذ يغادر الناسك بيته استجابة للأمر، ويتغير مسار حياته الخاصة وفق إرادة السلطة. وتسمح هذه البنية بقراءة ترى في حضور الملك إيحاء بثبات التراتب السياسي والاجتماعي، وبأولوية قرار السلطة في تنظيم حركة الأفراد. وتبلغ الحكاية ذروة دلالتها السياسية في مقتل ابن عرس؛ فالناسك لا يخطئ في التقدير فحسب، وإنما يمارس سلطة الحكم والعقاب تحت تأثير الظن. فابن عرس دافع عن الولد وقتل الأفعى، ولكن الناسك يرى الدم على ابن عرس، فيحوّل العلامة الملتبسة إلى يقين، ثم يحوّل اليقين إلى عقوبة قبل أن يمنح نفسه فرصة للتحقق، فيقتل ابن عرس ظنا منه أنّه قتل ولده. وحين تنكشف الحقيقة، يكون القرار قد استنفد إمكان التراجع، ويغدو الندم عاجزا عن إصلاح ما وقع. ومن هنا تنفتح الحكاية على نقد مضمر للسلطة حين تتصرف بغير روّية؛ فقد يقود سوء تقدير صاحب القرار إلى ارتكاب أخطاء قاتلة تتجاوز آثارها لحظة القرار. وكأن المثل الذي يُروى أمام صاحب السلطة يرتد إليه درسا في الحكم الرشيد: ألا يجعل الشبهة يقينا، ولا الانفعال حكما؛ فقد تصل الحقيقة بعد أن يصبح التراجع مستحيلا.
ويظهر النسق الثقافي في شخصية الفيلسوف، الذي يمنح الحكاية شكلها ودلالتها. فهو الوسيط بين السلطة والمعنى، يحوّل الواقعة إلى مثال، والمثال إلى حكمة، والحكمة إلى قاعدة للسلوك. وإذا كان الملك يمثل سلطة القرار، فإن الفيلسوف يمثل سلطة التأويل وتشكيل الوعي.
ويمكن أن تُقرأ الحكاية بوصفها نصا تتجاور فيه القيم المعلنة مع الأنساق المضمرة، إذ لا يكتفي بتعليم التثبت، وإنما يعيد في مستوى أعمق إنتاج منظومة من القيم التي تميل إلى الاستقرار والاحتياط والقناعة والتزام الحدود، بينما يجعل الاندفاع والطموح المنفصل عن شروطه أقرب إلى التهور. وهكذا تبدو القيم السائدة هي المنتصر الأبرز، مع بقاء هذا الاستنتاج في دائرة التأويل التي يتيحها النص.
وتتجاوز هذه الدلالات زمن الحكاية إلى حاضر تتجاور فيه المعلومات الدقيقة والمضللة، وتتسارع فيه الأخبار، قبل أن تتاح للحقيقة فرصة التحقق، وتتكرر فيه صور سوء تقدير المواقف وإساءة استخدام السلطة. وهنا تستعيد الحكاية حضورها لأنها تكشف عن نمط من الخطأ ما يزال يتكرر بأشكال جديدة: معلومة ناقصة، وتأويل متعجل، وسلطة قادرة على تحويل التأويل إلى فعل، ثم حقيقة تصل بعد أن يصبح التراجع مستحيلا. ومن هذه الزاوية لا يعود ابن عرس شخصية في حكاية قديمة فحسب، وإنما يصبح صورة لكل بريء يُدان قبل أن يُسمع، ولكل قرار يصدر قبل اكتمال الصورة. كما تتحوّل الجرّة إلى صورة أخرى لوهم المستقبل، حين يتحوّل الاحتمال إلى يقين، ويُبنى القرار على سلسلة من التوقعات التي لم تُختبر.
ولعل قوة الحكاية تكمن في قابليتها لقراءات متعددة، إذ تتجدد دلالاتها بتجدد الأسئلة التي يطرحها القارئ. في حين تظل علاماتها ثابتة: الملك، والفيلسوف، والمرأة، والناسك، والجرّة، وابن عرس، والأفعى؛ فيما تتحرك دلالاتها، إذ يمكن أن تُقرأ درسا في التثبّت، أو حجاجا في الحكم الرشيد، أو تفكيرا في حدود المعرفة، أو مساءلة للموقع الاجتماعي والاقتصادي، أو تنبيها إلى خطر السلطة حين تعاقب قبل أن تتحقق. وهنا تستعيد الحكاية عبارة تلخص طاقتها التأويلية: «النص نصٌّ مشاعٌ؛ ثابتٌ بعلاماته، متحركٌ بدلالاته». فالحكاية تحفظ علاماتها الأولى، فيما تستمر دلالاتها في الحركة؛ ومن هنا تنتقل من زمنها القديم إلى قارئ جديد، يحمل إليها أسئلته، فتمنحه في كل مرة معنى جديدا.

كاتب يمني

✎

فريق تحرير الحدث الإخبارية

فريق التحرير في الحدث الإخبارية — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق