يحدث لمن يقرر السفر إلى فرنسا خلال الأشهر الأخيرة أن يتردد، يعيد حساباته، خصوصا إن كان من بعض «بلدان المنشأ» دون غيرها وهو يتابع أولويات رواد مواقع التواصل الاجتماعي في البلد، إذ يبدو الرابط الظاهر بين جميعها واحدا: العنصرية. عنصرية على العكس، لن يلحظها الزائر، خصوصا للمدن الكبرى، المدن التي أفرزت وجوها سياسية كـ»زهران ممداني» في نيويورك ومؤخرا نسخته الألمانية المحتملة «إليف إرالب». صحيح أن عاصمة الجن والملائكة لم تحد عن قاعدة اليسار الحاكم ممثلا منذ شهر مارس/آذار الماضي في شخص إيمانويل غريغوار عن الحزب الإشتراكي، والذي عوض رفيقته في الحزب آن إيدالغو، لكن حملة التخوين، التشكيك والاستهزاء التي تنال من وجوه سياسية «جديدة»، من ذوي الأصول غير الأوروبية، جربوا حظوظهم خلال التشريعيات والمحليات الأخيرة ونالوا ثقة قواعدهم الانتخابية، وحتى من الذين صار لهم باع، تبعث على الشك، وإمبراطورية «بولوريه» الإعلامية تتسع، والبلاتوهات تفتح أذرعها أمام أكثر الأصوات تطرفا، فيما تقف بعض الميديا الرقمية في وجه شهية الرجل التي لا قسم لها سوى المال، وبين الاثنين يقف الفرنسيون أنفسهم، وزائرو البلد محتارين في أحوال البلد، الذي عرف تاريخيا بنضالات أكثر عمقا، تماما كما تاريخ كولونيالي أسود!
البابا واللائكية!
لا كلمة تلوكها وجوه اليمين المتطرف الفرنسي بقدر كلمة لائكية، كذلك يفعل اليسار الفرنسي، ولكن لكل طرف غرضه من استخدام «الكلمة السحرية». أما الطرف الأول، فغالبا غرضه من استخدام الكلمة هو التنديد بضعف اندماج أجيال المهاجرين، واكتساب هوية البلد، وأما الطرف الثاني فعلى العكس، في خطابه تأكيد على ضرورة احترام المهاجرين في خلفياتهم الثقافية المتنوعة، بعيدا عن الحسابات الدينية. عادت الكلمة السحرية لتجييش الحشود هذا الأسبوع، على مواقع التواصل الاجتماعي تحديدا، تزامنا مع زيارة رجل الفاتيكان الأول إلى عاصمة الأنوار، وشيء من ضاحيتها ومدينة «لورد» الصغيرة، ثم مدينة «ميتز» غير بعيد عن الحدود الألمانية.
في الوقت الذي انشغل به بعض من إعلام البلد في الترحيب، والتطبيل، وتأكيد الغبطة بمشاهد المؤمنين الذين غزوا شوارع العاصمة الفرنسية، في سلام وأمن، وإدارة محكمة بلا تجاوزات للقداس الذي أمه الرجل في ساحة «لاكونكورد»، وتابعه الآلاف من الذين اصطفوا على جنبات الشوارع وطول جادة «الشانزليزيه»، حيث لف، وبارك الآلاف، في صور رائعة، اهتم جزء آخر من الإعلام بمصادر تمويل الزيارة في بلد يحرم فيه الخوض في الشأن الديني في الفضاء العام.
هكذا أكد رجال دين في تدخلاتهم الإعلامية الكثيرة على دور المحسنين ممن قدموا تبرعات سخية لضمان زيارة تليق برجل يجمع الدبلوماسي بالديني، زيارة يبدو أنها لم تكن على أجندة «ليو 14». لكن على مواقع التواصل الاجتماعي اُخذ النقاش بعيدا.
ركزت بعض الميديا الرقمية، والصفحات الرسمية لبعض إعلام اليسار على «جلسات الاعتراف» التي امتدت على طول أشهر جادة في العالم، وما كادت تفعل حتى تحول الفضاء الرقمي لساحة «معركة»: «تصوروا لو كانت صورا لمسلمين يؤدون صلواتهم في الشوارع علق كثر»، «أين اللائكية مما يفعله هؤلاء؟»، «شوارعنا تحولت فجأت لكنائس مفتوحة»، علق تيار واسع. تعليقات رد عليها كثر بتعليقات من شاكلة: «عرفتم الآن هوية فرنسا الحقيقية»، «المسيحية – اليهودية هي هوية فرنسا التاريخية»، «فرنسا بلد كاثوليك»، «إنه أمر عادي بالنسبة لزيارة رجل يحمل ثقلا مزدوجا سياسيا ودينيا، ليس في الأمر بأس».
بين التيارين، لم تخلف الكثير من الوجوه التي أعلنت ترشحها للانتخابات الرئاسية المقبلة موعد زيارة رجل الكنيسة الأول، حتى غابرييل أتال ذو الأصول اليهودية، والذي أعلن في وقت سابق ميوله الجنسية المثلية، ولا – مؤكدا- «مارين لوبان» «جاندارك الهوية الفرنسية الأصيلة»، التي تحظى بمكانة في «قلب وجيب» «بولوريه» المحافظ المتدين، إلا أن صلاتها لم تستجب على ما يبدو بعد «التنبيه الخاص»، السلبي، الذي حصدته من فيه «الحبر الأعظم، الذي وجد في برنامجها الانتخابي معارضة للتنوع المجتمعي الذي لا يمت بصلة للائكية والجمهورية اللتان تتسعان للجميع!
ذكاء عنصري
لا يمر يوم دون أن يتابع العالم فصول مستجدات في مخترع البشرية الأهم على ما يبدو: الذكاء الاصطناعي. في استراليا تقاضي الحكومة أطرافا طورت ذكاء اخترق أنظمة معلوماتية حكومية «بدون أي توجيه بذلك»، أما الحبر الأعظم فقد جدد في لقاء رسمي له مع الرئيس ماكرون على ضرورة الانتباه لمخاطر المخترع الأهم، في حين يكون قد أشار ذكاء السياسي والكاتب الفرنسي العنصري «إيريك زمور» عليه بإمكانية توظيف الذكاء الاصطناعي لتعويض العمالة المهاجرة وفض سيرة الهجرة التي تنخر بلد الأنوار بحسبه.
وفي بلد الأنوار والتآخي والمساواة كشعار جمهوري، أطلقت إحدى فصول ما اعتبره كثر أحد أبشع ممارسات العنصرية الأدبية الحديثة، ضد الكاتب الكندي-الهايتي: «تيليسون أوريليان». القضية بدأت بعد تمكن الرواية من ولوج قائمة الترشيحات لنيل أهم جوائز الفضاء الفرانكوفوني: «الغونكور». لم تمر فترة طويلة حتى أطلق حساب مجهول يدعى «اكشف كلودك» (نسبة إلى نظام الذكاء الاصطناعي كلود» على موقع «إكس»، تويتر سابقا) اتهامات للرواية بكونها نتاج استخدام شبه كلي للذكاء الاصطناعي، بحسب كشوف يكون قد قام بها.
المنشور، الذي كان ليمر دون اهتمام، تحول لحديث العام والخاص، واضطر أكاديمية «غونكور» لإعلان سحب الرواية الصادرة عن دار «غراسيه» الشهيرة من قائمتها «حفاظا على سمعة المؤسسة العريقة»، في حين أوقفت المؤسسات التي تضمن تسويقا للكتاب بحضور الروائي كل تعامل معه.
القضية التي بدأت على مواقع التواصل الاجتماعي، وسرعان ما تحولت إلى قضية رأي عام، أطاحت برواية عرفت رقم مبيعات محترم حتى قبل أن تصل السباقات الرسمية المهمة، وجعلت الكثير من وجوه الساحة الأدبية الفرنسية من كتاب ونقاد، حتى الأكثر جدية ينخرطون في محرقة ضد الكاتب وكتابه، في حالة أشبه بالحمى من الدفاع عن الكتابة الإبداعية، التي تواجه تحديات حقيقية، وتحول الجميع إلى مختص بأنظمة الكشف عن استخدام الذكاء الاصطناعي.
لم تهدأ الأمور قليلا حتى بدأت بعض الأصوات الإبداعية من بلدان شتى تعبر عن مخاوفها، هي التي تكون قد جربت مصداقية وسائل الكشف هذه، ووجدت أن نصوصها التي لا تزال تشتغل عليها متهمة بالانتحال بدورها.
القضية التي بدأت كانتفاضة ضد التحايل الإبداعي، وحماية الحقوق الفكرية، تحولت إلى صراع حول هوية الكاتب وأصوله: «لو كان كاتبا من أصول أخرى، لما عرف هذه الحملة المسعورة»، «العتب على لون بشرته»، «حتى نصوص فيكتور هوغو أكد الذكاء الاصطناعي أنها منتحلة بنسبة خمسين وسبعين في المئة»، «بل حتى الكتاب المقدس» رد أحدهم. آخرون وجدوا حججا أخرى لدعم الكاتب الذي أكد أكثر من مرة براءته متحججا باستلهامه ثقافته المحلية «الكريول» في الأشعار والريتم الذي صنع أجزاء من مؤلفه: «الآن وقد تعرض لهذه الحملة المسعورة، سأذهب وأشتري كتابه، يا له من تسويق عكسي فعال» علق أحدهم. «إنها الغيرة من تميز مؤلف هايتي»، في حين علق آخرون: لو كان رجلا أبيض لصمتوا» وقد استذكرت حسابات كثيرة ما واجهه الكاتب الفرنسي الشهير ميشيل هويلباك من اتهامات قريبة منذ قرابة العشرين سنة حول مؤلفه: «الخريطة والإقليم»، والتي لم تمنعه من الحصول على الغونكور يومها، ولا حتى الاتهامات التي تصعد بين الفينة والأخرى ضد كتاب «سوبر ستارز» جاك أتالي، ولا تنال منه، دون أن ينسوا صاحب «واجب العنف» المالي يومبو وولوغام، الذي توقف عن الكتابة عقب حملة مشابهة سنة 1968، فيما بدا إرثا وتقليدا «فكريا» مؤسساتيا فرنسيا خالصا.
كاتبة من الجزائر


















0 تعليق