غربة البنيوية…عودة المؤلف

منذ ساعة

جاك دريدا وجوديث بتل وجيل دولوز

ثمة من يربط أزمة البنيوية وتقوض مشروعها النقدي، بتضخم مشكلات العقل السياسي الغربي، وثمة من يجد أن فقدانها مركزيتها المعرفية والنقدية كانت بسبب عجزها عن مواجهة أزمة هذا العقل، ومواجهة التحولات العميقة التي اقترحتها سرديات ما بعد البنيوية، عبر أطروحات التقويض والإرجاء، وعبر عودة المؤلف الأيديولوجي والسياسي والسردي، وكذلك عبر تضخم ظاهرة «المركزية الغربية» ونزعاتها الراديكالية في الفلسفة والعسكرة والعنف الأيديولوجي والعنصري، وفي اللغة وإزاحاتها الرمزية والعلاماتية، وفي تمثلات السلطة التي جعلت النص تائها، من دون مؤلفه الفلسفي والليبرالي وحتى المخابراتي..
بدءا ينبغي الاعتراف بأن البنيوية ليست منهجا نقديا، وأنها الأقرب إلى الممارسة الثقافية، وأن جوهرها اللساني وتمثيلها الثقافي البنائي وجد في إطروحات دي سوسير، وفي أنسنة كلود ليفي شتراوس، وحتى في مقاربات رولان بارت والتوسير، مجالات معرفية فاعلة للاختبار، والاشتغال على مقاربة الظواهر الثقافية والسياسية الكبرى، عبر تحليل البنى العميقة المُشّكِلة لها، وعبر فاعليتها في مواجهة المهيمنات التي صنعتها الأيديولوجيا، في تعاليها الثقافي، وفي عنفها، وفي تمثيلها للصراع الثقافي بين السرديات الكبرى، وما تركته من بُنى مضخمة ومتعالية، على حساب البنى الداخلية التي تصنعها اللغة في تمثيلها الوجودي والمعرفي..

فشل البنيوية أو تراجعها، هو نتيجة لمتغيرات نقدية معقدة، مسّت جوهر إجراءاتها، وعلاقتها الملتبسة بالمعرفة، وبالقارئ الذي خرج بعد الحرب العالمية الثانية مصدوما، وباحثا عن التطهير، وعن الخيال الإنساني، وليس «الخيال الفاشي» كما سماه بختيار علي، حيث وجد نفسه في مواجهة واقع ثقافي وسياسي، وحتى أيديولوجي غربي معقد، على مستوى تمثيل السلطة، وعلى مستوى بروز تيارات نقدية مضادة، تبنّت أطروحات التفكيك، وإعادة قراءة النص/ الخطاب، وقراءة المؤلف والنسق الثقافي بوصفه مؤسسا أو بطلا، أو متمردا على ذاكرة الحداثة.
من أبرز روادها ميشيل فوكو وجاك دريدا وجيل دولوز وجوديث بتلر وجوليا كريستيفا، لا سيما بعد أن تخّلوا عن مركزية الأفكار الشمولية، وذهابهم إلى راديكالية النظر إلى صياغة مفهوم الثقافة، بوصفه مفهوما نقديا، للمؤسسة والفكر والمنهج، وعلى نحوٍ بدا فيه الخطاب البنيوي وكأنه خطاب مقفل، وبارد، وغير عقلاني في التعاطي مع «سيولة التحولات» وحتى مع الانهيارات الكبرى ما بعد الحرب العالمية، تلك التي أعادت صياغة المؤلف بوصفه فاعلا نقديا، ومتمردا على فكرة «المقبرة» التي صنعتها البنيوية، حيث موت المؤلف العقائدي والثوري، أو حارس المكتبة والمقبرة والأيديولوجيا. أقترح تحريرها هكذا، مع الحفاظ على فكرتها ونبرتها الفكرية وتخفيف الالتواءات:
تحول هذا الموت البنيوي إلى رهان داخلي على تمثيل «قوة النص»، بما يحمله من شيفرات وعلاقات وعناصر تمور بالتحيزات اللغوية والاجتماعية والسياسية، حتى بدت الأفكار وكأنها محكومة بهذه العلاقات. وقد قاد ذلك إلى تجريف حضور «المؤلف» والذات المفكرة التي يمثلها، وتهميش مفهومي الحرية والمسؤولية اللذين يجعلان منه فاعلا في توليد الأفكار والمعاني، بوصفه وجودا محكوما بالإرادة والمسؤولية، ومنتميا إلى فكرة الإنسانية، كما عبّر عنها جان بول سارتر في حديثه عن الوجودية بوصفها «مذهبا إنسانيا».
ومن أكثر جوانب هذا التصور إثارة للجدل تهميش الذات العارفة أو المفكرة، أي الذات الديكارتية الحاملة للشك، فضلا عن تضخيم فكرة «البنية» بوصفها قوة ثابتة وفاعلة، حتى تبدو «البنية الثابتة» مقابلا ثقافيا لـ«النظام المستقر»، بما يحد من فاعلية الإرادة وحرية التغيير والتحول الديناميكي للأفكار. فالأفكار، من هذا المنظور، تاريخية، فيما يغدو الثبات شكلا رمزيا للموت.

ما بعد البنيوية وتقوض المركز الثقافي

لا يمكن تفسير «ما بعد البنيوية» الا بوصفه نقدا لاذعا للبنيوية، ولكل إجراءاتها في النظر إلى الفكر، وإلى السياسة، وإلى العلاقات التي تحكمها، حيث أبرز هذا «المابعد» حيوية التحول، والرغبة بمواجهة المركزية، والذهاب إلى المتغير بوصفه علامة على طبيعة التناقضات التي بدأت تواجه الفكر الغربي، ولعل أطروحات ميشيل فوكو وجاك دريدا وجيل دولوز بشكل خاص كانت من أكثر الإجراءات النقدية التي أعلنت «فشل البنيوية»، حيث تحولت القراءات العالمة إلى موجهات، جعلت من النقد ممارسة واسعة الطيف لنقد السلطة والتاريخ، والأيديولوجيا، وللمقدس الثقافي وتمثلاتها للبنى الثابتة، وللتشكلات التي أنتجتها، وحتى لمفهوم «المعنى» الذي جعلته هذه الأطروحات «سائلا» وغير مقيّد بالأحكام، وبمهيمنات الأيديولوجيا والمعنى الخالد الذي ارتبط بالقياس الدوسسيري لمفهومي الدال والمدلول..
إن ارتباط تمثيل المعنى ببنى ثابتة ليس بعيدا عن أطروحات الثبات، في الأيديولوجيا، وفي المقدس، وفي المركزية، فضلا عن أنه سيمثل مشكلة معرفية كبيرة، ففي الوقت الذي بدأت فيه المتغيرات الثقافية في الغرب صادمة، لا سيما في المجال الأيديولوجي والأكاديمي، فإن تمثيلها في موضوعات التاريخ والسلطة والخطاب بدت أكثر خطورة، وأكثر عنفا في مواجهة تداعيات قضايا الهوية والديمقراطية والحريات، وفي الانفتاح على الدراسات الثقافية وعلى موضوعات الجندر والنقد النسوي، وعلى قضايا الهجرة والهجنة والعلاقة الملتبسة مع الآخر، فضلا عما يتعلق بإشكالات ما يثار الآن حول إعادة النظر بالتمركز الغربي، وبأطروحات النيوليبرالية، والتي تعني في جوهرها تقويضا عموميا لكل المركزيات القديمة، بما فيها مركزية السوق الخطاب والأيديولوجيا والجماعة والحزب..

الفشل المنهجي وأزمة الخطاب

ليس للبنيوية منهج واضح، وأنها الأقرب إلى الممارسة الثقافية، أو إلى الإجراء الذي يُعنى بتحليل الخطاب، وهذا ما يجعلها «تتجاهل التاريخ» وتطوراتها وحركته بالمعنى الهيغلي، وكذلك إهمالها للصراعات السياسية والاجتماعية والطبقية، وهذا ما جعل البنيوية في دائرة الشك، من حيث تمثيلها الثقافي للبنى المغلقة، ومن حيث علاقة خطابها بمنابر غامضة، وجدت في البنيوية، وبسرديتها حول «موت المؤلف» مجالا للحديث عن موت القيم والأفكار والرموز والبطولة والثورة. إن فشل البنيوية يعني فشل تطبيقها الناجز، وفشل استمرارها كآلية في إجراءات تحليل الخطاب، وفي تفسير الظواهر الثقافية، وفي التعاطي مع التحولات التاريخية والاقتصادية والاجتماعية، وحتى بالمتغيرات الحادثة بالدرس الأكاديمي ذاته.
إن حصر فاعليات البنيوية بقضايا محددة، تخص النقد الادبي، والتمثيل السردي، والنقد اللغوي والأدبي، يجعلها أكثر التباسا، لا سيما في إعادة النظر إلى اشتغالات شتراوس حول الأنثروبولوجيا البنائية، وإلى تصورات جان بياجيه عن نمو الهيكل المعرفي، وعن إجراءاته الخاصة بالتعلم وبتنظيم المعلومات، وكذلك بتفسير العالم الذي يعيشه، ويواجه تحدياته المعرفية، فضلا عما يتعلق بـ»البنيوية التكوينية» التي ارتبطت بلوسيان غولدمان، الذي جعل من ماركسيته مجالا لاختبار نظرته لسسيولوجيا الأدب، ولإجراءاته بـ»ربط النص بالسياق التاريخي» ومن منطلق أن النص ليس بنية مغلقة، وإنما هو بنية اجتماعية دالة، ليست بعيدة عن «رؤية العالم» كما يقول، ولا عن تمثيلها للوعي الطبقي الكائن والممكن. رغم أن بنيوية غولدمان شكلت انعطافا مهما بعلاقة المنهج الاجتماعي، بالإجراء البنيوي الذي هو تمثيل سياقي، إلا أن الفاعل في هذا التمثيل، والتعالق لم يكن بعيدا عن التحيز الماركسي/ الأيديولوجي الخاص بعلاقة النص بـ»الوعي الاجتماعي»، وهو أضعف وجودها في تمثيل الجدّة في النظر إلى إجراءات البنيوية في الخروج عن عالمها المغلق، رغم أهميتها في تنمية خبرة الباحث والناقد في مقاربة الدرس الأدبي/ النقدي، وفحص العلائق الداخلية/ أي تمثيل البنى التي تمنح النص طاقته التعبيرية، وفاعليته في تحريك الدلالات اللغوية، لتمثيل مداليلها في عالم الشيفرات والعلامات والأيقونات والرموز، وكذلك في عالم التصادم بين التماثل والاختلاف، التي جعلها جيل دولوز عنصرا نقديا في مشغله ما بعد البنيوي..

البنيوية وعقدة الاختلاف

بقطع النظر عن أطروحة جيل دولوز حول «الاختلاف» المابعد بنيوي، فإن من أكثر إشكالات البنيوية مفارقة كانت مع الماركسية، حيث كانت تنظر لها بأنها جزءا من الفهم المثالي للعالم، وأن اكتفاءها بتمثيل البنى العميقة والثابتة، يجعلها في عزلة عن تمثيل الصراع والتحول اللذين يواجه العالم أسئلتهما وتناقضاتهما الكبرى، لا سيما في النظر إلى التاريخ، وحتى إلى السرديات التي باتت تشكل مجالا لتقويض التاريخ ذاته، ولما رسخ فيه من أنماط قارة، ومن مركزيات تكرست عبر السلطة والأيديولوجيا والمقدس والطبقة. حديث التوسير عن مشكلة البنيوية يدخل في إطار إشكالية وعيه مع الطرح الماركسي، حول البنى الحاكمة، أي «الأجهزة الأيديولوجية للسلطة» ومدى علاقتها بتشكيل «النظام الاجتماعي» وبالأفكار والعوامل المحركة للتاريخ، فبقدر ما تدرس البنيوية البنى التي تشكل الخطاب والنظام، وحتى التاريخ وتغيّر المجتمعات، فإن الماركسية تنظر الصراع الطبقي وإلى تمثيل الخطاب بوصفه القوة الفاعلة في تحريك التاريخ، وأن التوفيق بينهما سيكون ملفقا، وعاجزا عن التخفيف من مظاهر الأزمة التي ارتبطت بصراع الأنماط والمركزيات الحاكمة في عالم الرأسمالية، وبطبيعة القوى الفاعلة والنافذة في صنع تشكلات ذلك التاريخ، وبالتالي فإن مقولة «موت المؤلف والوعي» عند البنيويين، سيقابلها «موت التاريخ والإرادة والصراع الطبقي» عند الماركسيين..

كاتب عراقي

✎

فريق تحرير الحدث الإخبارية

فريق التحرير في الحدث الإخبارية — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

أخبار ذات صلة

0 تعليق