من الموضوعات التي عالجتها المباحث اللسانية والإنشائية الحديثة، ظاهرة «الحبسة». وقد لاحظ ياكبسون أن اضطراب المشابهة يرتبط بالاستعارة، وأن اضطراب المجاورة يرتبط بالكناية. وبين أن اضطرابات الكلام يمكن أن تنال، وإن بنسب ودرجات متفاوتة، من كفاية الفرد اللغوية ومن قدرته على تركيب الوحدات اللغوية وانتقائها. والوقوف على أي من هذين الإجرائين يصيب منه الاضطراب أكثر، أمر في غاية الأهمية: لوصف الحبسة وتحليلها وبيان أنواعها. وليست هذه بموضوعنا، فأنا إنما ألتمس في هذه المباحث مهادا نظريا لافتراض أسوقه على حذر. ولذا فإن ما يعنيني هو التمييز بين نوعين رئيسين من الحبسة، يتحدد في ضوئهما إن كان القصور الأساسي يرجع إلى الانتقاء والاستبدال، فيما يظل التركيب والنسيج اللغويين مستقرين نسبيا، أو إن كان مرده إلى التركيب والنسيج، من دون فقدان إجراءات الانتقاء والاستبدال المعهودة فقدانا تاما.
أما في الحبسة الراجعة إلى قصور في الانتقاء، فإن الجمل تدرك من حيث هي بقايا، أو آثار حذف أو إضمار وإيجاز تستكمل جملا قيلت سابقا؛ أو هي مما يتخيله محبوس اللسان، أو يتلقاه من مخاطب حقيقي أو متخيل. وفي هذا النوع فإن الكلمات الجوهرية يمكن تجاوزها أو تعويضها ببدائل تكرارية مجردة تتمثل في ابتداء عدة عبارات بلفظة واحدة، أو كأن يستبدل اسم خاص باسم أعم؛ وهذا مما لاحظه فرويد. ولذا فإن السياق في هذا النوع من الحبسة عامل لا غنى عنه، أو هكذا يفترض فيه. ولكن المسألة، على ما يبدو من الدراسات اللسانية الحديثة، ليست بهذه البساطة؛ الأمر الذي يستدعي مراجعة المقولة اللغوية التي ترى أن اللفظة مفردة ليس لها من دلالة خارج السياق الذي ينتظمها، والمقصود
بـ»السياق» ها هنا ما تحيل عليه مصطلحات عربية قديمة لا بأس من التذكير بها، بل «تحيينها» مثل «النظم» و»التأليف» و»التركيب» و»السبك». من ذلك قول ابن الأثير: «إن تفاوت التفاضل يقع في تركيب الألفاظ، أكثر مما يقع في مفرداتها، لأن التركيب أعسر وأشق»، أو لأن اللفظين قد «يدلان على معنى واحد، وكلاهما حسن في الاستعمال، وهما على وزن واحد وعدة واحدة؛ إلا أنه لا يحسن استعمال هذه في كل موضع تستعمل فيه هذه، بل يفرق بينهما في مواضع السبك».
وقول ابن الأثير يفسر لنا أحد شروط الجودة في نظرية العمود، وهو «صحة التأليف»، أو «العلة الفاعلة». وليس التأليف» إلا النظم أو السبك، أي ما يدل على أن الجمال والقبح إنما يتركزان في علاقة الألفاظ بعضها ببعض، وفي علاقة الجزء بالكل أي في السياق. ولعل خير دليل لذلك الصورة الأثيرة التي ما انفكوا يتداولونها شعراء ونقادا؛ وأعني بها تشبيه الألفاظ باللآلئ المنثورة التي تستمد قيمتها من الصورة التي توضع فيها. ومثالها قول ابن الأثير: «يخيل للسامع أن هذه الألفاظ ليست تلك التي كانت مفردة. ومثال ذلك كمن أخذ لآلئ ليست من القيم الغالية ذاتها فألفها وأحسن الوضع في تأليفها، فخيل للناظر أنها ليست تلك التي كانت منثورة مبددة».
ولكن لا بد من الإشارة إلى أن المقولة اللغوية، التي نحن بصددها، تتجلى كأوضح ما يكون في نظرية عبد القاهر في «النظم»، حيث الألفاظ لا تتفاضل من حيث هي كلم مفردة، وإنما باعتبار مكانها. ففي هذا وغيره من أمثلة أخرى كثيرة، سواء في المدونة النقدية عند العرب، أو في النظريات الأدبية الحديثة، نلتقي دائما بالنظرية القائلة، إن لفظة ما ليس لها حقا من معنى، ما لم ينتظمها سياق. والقول بسريان هذه المقولة (المصادرة) يحتاج إلى وقفة أو بعض وقفة، كلما تعلق الأمر بالحبسة أو بنوع منها. فقد بينت الدراسات أن وقوع كلمة بعينها مرتين في سياقين مختلفين لا يعدو، أكثر من كونه تجانسا بسيطا. والمتجانسات لا تؤدي ما تؤديه الألفاظ الواضحة من حيث الإخبار والإبلاغ ونقل المعلومة. ولذلك ينزع صنف من محبوسي اللسان إلى استبدال المتغيرات السياقية للكلمة الواحدة نفسها، مستعملين ألفاظا مختلفة يتعين كل منها، تبعا لمقام القول وملابساته. ويمكن أن نعتبر هذا الاستبدال مظهرا من مظاهر اللغة الواصفة ينشد منه المرسل، كلما استبدل إشارة «مشكلة»؛ وأخذ بأخرى تنضوي إلى الدليل اللغوي نفسه، أو بمجموع إشارات من الدليل، أن تكون رسالته سهلة البلوغ، بحيث يتيسر فك رموزها. أما إذا تركزت الحبسة في قصور عن تسمية الأشياء بأسمائها، فقد لا يعدو ذلك أكثر من كونه نوعا من فقدان اللغة الواصفة.
أما قديما فنكاد لا نعرف عن الحبسة، إلا ما قيل عن الحبسة، أو «التمتمة» التي كان أبو تمام يعاني منها، ومعرفتنا بها محدودة جدا، لا تعدو إشارات جاءت مقتضبة في بعض المصنفات القديمة، ولكن لا أحد من القدامى التفت إليها، أو التمس فيها علاقة ما بلغته أو بأسلوبه، بل هي إشارات متناقضة، فقد نسب الصولي إلى عون بن محمد قوله: «كانت فيه (أبو تمام) تمتمة يسيرة، وكان حلو الكلام فصيحا، كأن لفظه لفظ الأعراب». وأورد بيتين نسبهما إلى مخلد بن بكار الموصلي، فيهما تعريض بحبسة أبي تمام أو تمتمته:
يا نبي الله في الشعر ويا عيسى بن مريمْ/// أنت من أشعر خلق الله ما لم تتكلمْ
وذكر ابن رشيق في «باب من رغب من الشعراء من ملاحاة غير الأكفاء «أن أبا تمام كانت فيه «حبسة شديدة»، وأورد البيتين المنسوبين إلى مخلد؛ ولم يذهب أبعد من ذلك شأنه شأن الصولي، بل إن الصولي يكاد ينفي عنه هذه الحبسة، فهو يعدها مجرد تمتمة يسيرة، ويذكر في موضع آخر من كتابه أن أبا تمام كان مليح الحديث كثير الفكاهة. ومن المعاصرين لم تسترع هذه «الحبسة» سوى سيد عبد العزيز الأهل. وقد حمل الغريب التمامي عليها تمحلا وتكلفا. وكذا نحا محمد عطا وقد خلص إلى أن إسراف الشاعر في البديع كان عرضا من أعراض الحبسة. وكأن أبا تمام لم يكن من ذوي البيان واللسن والبديهة؛ على ما أثبته غير واحد من القدامى. يقول: «وهنا يظهر العامل النفسي؛ فأبو تمام كان يشعر شعورا قويا بنقص، فدفعه هذا لاشعوريا إلى تجميل كل ما تمتد إليه يده أو يطالع به الناس كملبسه وشعره، بل إغراقه فيه (البديع) دليل قوي على أنه كان يعمل على أن يلفت إليه الأنظار، ويجذب صوبه النقاد ويحدث في الدنيا دويا».
لكن يحمد لهذين الباحثين، رغم تحفظنا الشديد على المنهج الذي توخياه والنتائج التي توصلا إليها؛ أنهما لفتا الانتباه إلى حبسة أبي تمام في علاقتها بشعره، أو بمذهب البديع الذي عرف به، على حين أشاح عنها البعض، واعتبرها إسرافا من الباحثين في تفسير الغرابة اللغوية عند الطائي. وأشار المستشرق الألماني يوهان فك إلى هذه الحبسة، وقطع من دون أي تعليل بأنها لم تؤثر في أسلوب الشاعر. يقول فك: «وكان أبو تمام يعاني حبسة تعوق حرية تعبيره، بيد أن هذا لم يؤثر في أسلوبه». والحق هو أعاد كلام ابن رشيق لا غير. وهذا كلام فيه تناقض لا نخاله يخفى؛ فالباحث يقر بأن هذه الحبسة كانت تصرف أبا تمام عما يريد من القول وتحبسه عنه، وتقيد حرية تعبيره.
ثم يبادر فيستثنيها ويخرجها من أحكام الحبسة، ليقرر أن لا أثر لها في أسلوب الشاعر، أو في ما يمكن أن نسميه إكراهات الكتابة. ذلك ما نستنتجه من إشارة فك الخاطفة. ولا مناص من هذا الاستنتاج، فقوله الثاني يناقض قوله الأول ويخالفه كل المخالفة، إلا أن تكون الترجمة غير دقيقة. وهذا مستبعد، أو أن يكون المقصود بقوله، إن الحبسة لم تؤثر في أسلوب أبي تمام تأثيرا سلبيا أي هي لم تخل بـ»لغة الشعر الرفيع»، وما يمتاز به شعر أبي تمام من «استواء وانسجام فاقد النظير» بعبارته؛ فلعل هذا هو الأرجــح. بـيــد أن قول فك بعد ذلك، وأكثره منقول عن «موشح» المرزباني، يضعف من هذا الترجيح، ويعيدنا ثانية ـ من دون قصد من الباحث – إلى موضوع الحبسة. يقول فك: «والذي يأخذه عليه نقاده هو ميله إلى الأصالة والغوص، الذي لا يندر أن يسمو عنده إلى مستوى الغريب المهجور، أو ينحدر إلى مستوى السوقي المبتذل، فيطبع أسلوبه بطابع المتعمل المصنوع.
فقد أخذت عليه شدة جرأته في الاستعارة؛ مثل جعله الأعمار المبكرة في الانتهاء تنضج قبل نضج التين والعنب؛ ومثل حديثه عن الخطوب يكاد يصرع منها الدهر؛ وعن مشيب الفؤاد، وعن ماء الملام الذي أسقيَه؛ واقتضابه في بعض القصائد، وفرط ولوعه بالجناس في شتى صوره؛ مما كان مدعاة إلى مآخذ كثيرة.
كاتب تونسي

















0 تعليق