سيرة الهوامش الصغيرة في رواية «الشاف» لـ محمد شيكر

منذ 49 دقيقة

فيما يمكن تصنيفه كـ «تخييل ذاتي»، يحكي محمد شيكر سيرة الهوامش الصغيرة في روايته الخامسة «الشاف»، دار حنظلة 2026، (294 صفحة) بكثير من البساطة، ولكن بكثير من الاقتدار على تحريك خيوط الحكي. الملحمة الأخيرة هي بمثابة تاريخ سري لا يكاد يُلحظ، لمجتمع رعوي بدأ يتلمس حضور المستعمِر بعد هزائم عبد الكريم الخطابي وفرض الحماية لتبلغ أقصى الأماكن أو ما يعرف بـ «أرض السيبة» في المغرب العميق، وهو الوقت الذي عرَف بداية انخراط المغاربة ليكونوا وقود فرنسا لمحاربة الألمان في تشكيلات عرفت بـ «الكوم»(Goumiers)، وما ترتب عنها من مآس وخسائرَ بشرية.
تُستَهل الأحداث من الريف المغربي، لتروي حكاية الجد وعلاقته بالكولونيل الفرنسي بورنازيل، وهي علاقة مركَّبة تجد في القنص مشتركها الإنساني. هذه العلاقة ستمتد مع الابن المنخرط في «الكوم»، وتتواصل زمنيا إلى أواسط السبعينيات، وهي التي عرفت تاريخيا بأزمنة الانقلابات وما أعقبها من «سنوات الرصاص». وإذا أردنا الدقة فالرواية تضع البطل في مسار أحداث تاريخية معروفة محددة زمنيا فيما بعد الحرب العالمية الثانية وعلى الخصوص نكبة فلسطين الكبرى في 1948. تبدأ الرواية هكذا: «جلس سي ادريوش القرفصاء عند الزاوية المظلمة من لهري. كان المحل يعجُّ بالزبائن من يهود ومسلمين ومسحيين وكأن نكبة 1948 ليست بالقريبة، أو بالأحرى، كأنها لم تحدث بتاتا» ص 5. لكن الأحداث تعود إلى ما قبل هذا التاريخ، حين تحكي طفولة سي ادريوش في صاكا، وطفولة موح في مسرح آخر هو منطقة ميسور وبالتحديد «قصر إكلي».
لن أتتبع الحكي لأستعيد الخطوط والمنحنيات، الأحداث والشخصيات، والأزمنة والتطورات. فهذه سأتركها للقارئ لاكتشافها والاستمتاع بها، أو للتزود بالمعرفة الروائية، باعتبار أن المحكي هو أيضا سيرة تعلُّمٍ، بوقوعه على تماس مع الأحداث والوقائع التاريخية والعلمية والاجتماعية والأنثروبولوجية، وباعتبار الرواية أيضا محل ترافع حول مجموعة من الأفكار والمفاهيم والقضايا، باعتماد أساليب الحجاج والإقناع، التواصل والبلاغة. فالرواية أطروحة عامة في المعرفة لها منطقها الخاص.

سأقتصر في هذه النافذة على المحكيات الصغيرة التي تعطي، في نظري، للرواية قيمتها الكبرى. وسأقوم بتبئيرها حول مخلوقات هامشية تؤثث فضاءنا الإنساني، لكنها في الغالب لا تلقى إلا الإهمال والجحود. تلك هي الحيوانات والبهائم التي يتم ترقيتها لتصبح خزان القيم المفقودة في الإنسان. أول تلك الحيوانات هما البغل «مبارك» والبغل «مبروك». يتحدث الراوي عن البغلين بكثير من الاحترام والتقدير. فهما عموما بغلان منضبطان، لا يتلقيان التعنيف والعقاب، إيقاع سيرهما محدد حسب الحاجة، دون زيادة أو نقصان. العلاقة بالبغلين علاقة وثيقة تزيدها السنون رسوخا وتجذرا. وهي علاقة ورثها عن مُقبِلٍ على التقاعد من الخدمة العسكرية: « علاقته بمبارك ومبروك، علاقة تعود إلى سنوات خلت عندما التحق بثكنة «الكوم» الموجودة بضواحي بني وكيل بجوار ثكنة لا ليجو [Légions]…لم يكن يعرف من فاه بهذه الأسماء لأول مرة ليلتقطها الكوم ويتبناها، لكنه لم يكن يشكّ فيمن اختارها وقام بتمريرها». الأكثر طرافة هي العلاقة التي ترقى بالحيوانين إلى مستوى العلاقات الإنسانية، المكتملة الأركان التي تجعل الترقي الموضوعي في الخدمة العسكرية ينسحب عليهما أيضا، لو أنصف الدهر: «في المجمل، علاقته ليست علاقة ببهيمتين ولا بدابتي خدمة، علاقته بهما بجانب مسعود [حصان التلقيح] …، علاقة مسؤول بمساعديه وزميل بزملائه. بالنسبة إليه كان من المفروض أن يحسب مبارك ومبروك، بالإضافة إلى مسعود، من الكوم. تعطى لهم أرقامٌ كالكوم، وأجرٌ كالكوم، وبرمسيون [عطلة] كالكوم. لو أُنصِفوا، لكانت لهم اليوم على الأقل رتبة كبران (عريف)، بل ربما كانت ستكون لمبروك رتبة أعلى من رتبته لأقدميته. ضحك في سرِّه وهو يتخيل نفسه مساعد «مبروك»» ص 8. بل والأدهى حين يعترف الإنسان أن البغلين أكثر التزاما منه، وأكثر حرصا على عدم هدر الزمن، وأنه لن يستطيع أن يرتقي لمستواهما أو يضاهيهما: «بزَّاف عليَّ نكون مبارك أو مبروك» [مهما فعلت لن أرقى لمستوى مبارك أو مبروك]. مبارك ومبروك لا يطيقان الانتظار ولا يقبلان تضييع الوقت» ص 6.

الحيوان الآخر الذي حظي بعناية خاصة هو العنزة الصهباء. فقد كانت هبة من السماء. لا تفارقه. وتساعده في حراسة قطعان الماعز، تلعب معه وتنوب عنه إذا ما غفا. كانت تقوم بأدوار هي في العادة من صميم عمل البشر، لذلك كان مقامها غير مقام القطيع، وسكنها تحت الخيمة كفرد من العائلة. «أما إذا غفا نتيجة التعب، فإنها تقف بالقرب منه تراقبه وتقوم في نفس الوقت مقامه، فتكثر من ثغائها تحفيزا للكلاب(…) وإن هي أحسّت بخطر ما يُداهمه كالزواحف أو يداهم القطيع كالحيوانات المفترسة، تقوم بنطحه نطحا خفيفا ليستيقظ» ص 19. الصهباء، وحدها كانت على علم برغبته وبقراره الانخراط في الجيش، قبل حتى من أهله وعشيرته. «علّمها الرقص على أنغام قصبته، فشاع بين معارفه أن للعنزة الصهباء روح غير روح بقية الماعز». فذاع صيتها، فعرض الكولونيل بورنازيل في سبيل الاستحواذ عليها الأثمان والإغراءات، دون نجاح، وكي يقطع الطريق على كل محاولاته، رد سي ادريوش على الكولونيل: “إنها ابنتي، فهل هناك من يبيع بناته؟» ص 21. الانقلاب في سيرة العنزة تمثَّل في نهايتها المأساوية، إذ جنت وألقت بنفسها من شاهق. «كان الكوم يقدِّمون له التعازي ظنًّا منهم أنه فقد إحدى أخواته» ص 24. لم تنته حكايتها عند هذا الحد، بل انتقلت إلى مستوى آخر من إشعاع «ما وراء القبر». فالثقافة الشعبية تصنع المعجزات من لا شيء، وتحول قبرا مغمورا إلى ضريح تتبرك به الجموع، وتفك عقدها النفسية بالتمسح عليه والتمرغ بين أحضانه. «أشِيع، بضعة شهور على نفوقها، أن للصهباء بركة.

كانت تتوارد النساء على قبرها من كل حدَب، بعد أن أصبحت تُسمَّى بسيدي الصيهب. لم يُصدِّق سي شكير ما كان يرُوج. انتقل بنفسه إلى قبرها فوجده يعجُّ بالزوار. استغرب، كيف للناس الانقياد لما يشاع دون التحرِّي والتساؤل على الأقل عن السبب الذي أدَّى إلى دفن ما عُرِف بالصيهب خارج المقبرة.

كانت تتوارد النساء على قبرها من كل حدَب، بعد أن أصبحت تُسمَّى بسيدي الصيهب. لم يُصدِّق سي شكير ما كان يرُوج. انتقل بنفسه إلى قبرها فوجده يعجُّ بالزوار. استغرب، كيف للناس الانقياد لما يشاع دون التحرِّي والتساؤل على الأقل عن السبب الذي أدَّى إلى دفن ما عُرِف بالصيهب خارج المقبرة. كان يود تنبيه الجموع واطلاعهم على قِصَّة الصهباء لكنه فضَّل عدم البوح بالحقيقة لأنها لن تصمد أمام ما كان يُحكى من معجزات تحققت بفضل بركة سيدي الصيهب. فالحقيقة تضيع في دهاليز الإشاعة وتفقد بريقها أمام ما هو زائف لتناغمه مع الواقع وتماشيه مع الثقافة المُهيمنة» ص 25. الصهباء التي تحولت إلى سيدي الصيهب، لم يعد يقتصر ضررها على آثارها الاجتماعية، بل تعدت ذلك لتصبح تهديدا فعليا بمصادرة أرض مملوكة لأصحابها وتحويلها إلى مزار وأنشطة اقتصادية تدور في فلكها، بعد أن أصبح بناء ضريح سيدي الصيهب مطلبا شعبيا ملحا إلى السلطات. لم يفلح صاحب الأرض بإقناع السلطة بأن ذلك يخالف العقل والقانون والعقيدة، فما يهمها في نهاية المطاف هي المقاربة الأمنية التي تجعل من البحث عن السلوى والعلاج والتطهير وسائل لضبط الحشود والمجتمع. في ذروة الصراع بين أصحاب الأرض والسلطات المصرة على تأبيد الخرافة والشعوذة حينما تخدم مصالحها، يفاجأ الحاكم الفرنسي بأن القبر قد تم فتحه وسرقة بقايا العنزة، وبالتالي لم يعد لمسألة الضريح من موضوع يسنده. ليرتج على الحاكم، وينقلب السحر على الساحر. «كفى خزعبلات. إن كان هناك جن فأنا أتحدَّاه بأن يصرعني ويجعل مني مسكنه.

لم يتمكن من إتمام كلامه. أحس بدوخة. كاد أن يسقط لولا تدخل سي شكير ومساعده. أجلساه داخل سيارته. عندما تبددت دوخته واستراح بعض الشيء، انفعل عند سماعه سي شكير وهو يوصي مساعده بأن يأتيه بفقيه ليقطع الطريق على الجن الذي كان السبب فيما حدث له. فالدوخة توحي بأن الجن طرق بابه ليسكنه. قال بالفرنسية وبنرفزة والخوف باد عليه: «إنها أرض ملعونة». ص 30.
التالي في مقام الوجود الحيواني هو اليتيم. وهو كلب بمواصفات خاصة، يستطيع أن يكتشف مناطق الألغام، ويوجه مرافقيه نحو المسارات الآمنة. من مزاياه أيضا، القيام بواجباته على أحسن وجه إلحاح أو عقاب. وهذا لا يصرفه عن القيام بعديد المهام التي تتجاوز طبيعته الحيوانية. مما يجعله كائنا أعلى يصعب توصيفه: فهو يلاعب الأطفال والشباب. ويدفع الأمهات للاهتمام بصبيانهن. «اليتيم كلب ليس كالكلاب». «كل ما يصدر منه يوحي بأنه وإن كان حيوانا فهو شيء آخر…ما هو هذا الشيء الآخر؟» أجاب سي ادريوش بأنه من الصعب تحديد الشيء الآخر، ولو أن كل ما يأتي به اليتيم يؤكد وجوده». ص 215، 216.
أقصى ما يطمح إليه الإنسان يتجسد في هذا الكلب بسلوكه التلقائي دون غش أو مراوغة. «فلو كان كل مخزني مثل ليتيم لما كانت هناك مراقبة، ولأصبحت التراتبية شكلية». ص 214. بل إن دلالة التشبيه التي كانت دائما في الأدبيات الكونية تشبِّه الأدنى بالأعلى، وتقارب الأضعف للأقوى (فلان كالأسد، كالقمر)، انقلبت هنا وصار طموحها أن يصير الإنسان مضاهيا للحيوان. «ولد أختي كليتيم [كاليتيم]، لا يحتاج لمن يوصيه. قوة خفية أنارت له الطريق» ص 217. التشبيه هنا لا يزيد الرواية إلا وضوحا وترسيخا للعنصر الحيواني الأصيل الذي يساهم في نجاح السرد.
التفصيل الآخر على هذا العنصر الحيواني يتمثل في الكلب «القانع». ويتم تقديمه على أنه سلوقي، «أصبحت له مكانة خاصة وسط العائلة إن لم أقل أصبح عضوا من أعضائها. كان والدي يعتني به اعتناءه بذريته وكانت والدتي تهتم به اهتمام الأم بفلذة كبدها وكان طيطي يخصّه بعطفه ورعايته. أوضح لي هذا الأخير أن الكلاب وفية بسليقتها وأن تلك التي تخون هي الكلاب المسعورة من فصيلة البشر»، ص 134. جاء هذا المقطع في سياق الرواية أثناء الحديث عن اغتيال شخص «خائن» متعامل مع الاستعمار، في السوق. وهو ما يؤكد رؤية الرواية بأن البشري يقع في مرتبة أدنى من الحيواني، وأن القيم الحقيقية يجب البحث عنها في مقام آخر من الطبيعة التي لا تغدر ولا تنقلب لمجرد تبدل المصالح. القانع أيضا كان مشاركا فعليا في أنشطة خلايا المقاومة «خلية الكسكاس» في المرحلة الاستعمارية من خلال تأمين اجتماعاتها. جماعة الكسكاس سُميت هكذا لأنها كانت تضع شمعة تحت إناء مثقَّب (آلة لطهي الكسكس)، مما ينتج عنه انتشار الضوء على الجدران بشكل يبهر السارد: «كان الكسكاس حيلة استعان بها والدي لإبعاد فضول المارة ووسيلة للاحتياط من جارنا عمي البشير» ص 136. من مزايا الكلب القانع التعرف على العملاء وكشفهم. إلا أنه ثبت أن عميلا كان ضمن الدائرة الضيقة لخلية الكسكاس، ولم يستطع القانع أن يفضحه. «وكيف أنه لم يكتشف العميل من بين ضيوف الكسكاس؟»، «ربما لأنني لم أنتبه لثقتي العمياء في الثلاثة»، ص 231.

نهاية القانع لا تقل في مأساويتها عن نهايات هذه الحيوانات الودودة. وهو بعدٌ يمكن أن ندرجه ضمن مخطط الرواية المصمم، أصلا، لإيصال التوتر إلى درجاته القصوى وجعل الأحداث العادية أكثر إقناعا وأكثر إمتاعا. العنصر الأسطوري في السرد يعطي الانطباع بأنه يشتغل ضمن إرادات خفية وغامضة. يكشف نرثروب فراي في كتابه «تشريح النقد»، ص 175، عن اللعبة في مثل هذا المخطط: «تدل حياة كهذه في بعدها الوجودي على مفهوم يرى القدر الذي لا محيد عنه أو الإرادة الخفية التي تفعل ما تشاء كامنين خلف ظواهر الأمور. لكنهما في واقع الحال ليسا أكثر من تصميم أدبي محض يعطي البداية علاقة ارتباط تماثلية مع النهاية، والإرادة الوحيدة التي تفعل فعلها هي إرادة المؤلف». وما يؤكد أن رواية «الشاف» تتبع نفس الاستراتيجية هو النهاية الدرامية التي تخترق المصائر الحيوانية بدءا بالعنزة الصهباء وانتهاءً بالكلب القانع، حيث يجري تقديمها على أنها أكبر من حياة حيوانية، أكبر حتى من حياة إنسان ساع إلى الاكتمال، أو على الأقل، ساع إلى تحقيق حد أدنى من قيم رمزية عليا من الجمال والكرامة والعدل.
يتضح جليا من منظور هذه القراءة أن إدراج العنصر الحيواني والاشتغال عليه سرديا، ليس مصادفة، أو أمرا تنظيميا ثانويا، بل إنه نابع من رؤية أعمق تنطلق من المجال وتؤوب إليه، وهذا المجال رعوي بامتياز، يسخِّر كل العناصر السردية لخدمته. وإذا جاز لنا أن نستعمل بعضا من أساليب تحليل الخطاب، لقلنا بأن الرؤية التي تنتظم الرواية هي الرؤية الأبوية الرعوية التي تجعل أقصى طموحها أن يحل الابن مقام الأب، ويؤبِّد بالتالي النمط الاجتماعي الذي يسود المجتمعات التقليدية: «كان الحلم الذي راود سي ادريوش والذي كان يحرص على عدم البوح به إلى أن يتحقق هو أن يأخذ مكان والده الذي أصبح شاغرا منذ وفاته، فيوحِّد العشيرة من جديد، ويعيد إليها هيبتها وإشعاعها»، ص 271.
………………..
«الكوم»: جنود مغاربة خدموا في الجيش الفرنسي.
لاليجو: جنود أجانب (أفارقة بالأساس) خدموا في الجيش الفرنسي.

✎

فريق تحرير الحدث الإخبارية

فريق التحرير في الحدث الإخبارية — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق