بعد سيطرة جماعة الحوثي على صنعاء عام 2014 انهارت مؤسسات الدولة، وكان أهم هذه المؤسسات مؤسسة الجيش الذي كان قد تعرض قبلها لهيكلة غير منتظمة، وتجريف كبير.
تمدد الحوثيون من صعدة إلى عدن، وفي ظل تفكك الجيش وسيطرة الحوثي على قياداته في صنعاء، ومع غياب الحماية من بطش الميليشيات شكلت كل منطقة أو محافظة في اليمن مقاومتها الشعبية، وظهرت حينها تسميات مثل: مقاومة مأرب، ومقاومة عدن، ومقاومة تعز، ومقاومة صنعاء، ومقاومة الضالع، والمقاومة التهامية، ثم جاءت المقاومة الوطنية، وجاءت تشكيلات العمالقة الجنوبية، والنخب المختلفة مثل الشبوانية والحضرمية، وجاءت الأحزمة الأمنية، وظهرت تشكيلات مسلحة مناطقية، بحكم الضرورة، بفعل انهيار الجيش وسيطرة الحوثيين على قيادته وأسلحته، وكانت هذه الظاهرة مقبولة، بل وإيجابية، في حينها، بسبب غياب الجيش.
يعد ذلك جاء التحالف العربي، وتم دحر الحوثيين من معظم مناطق البلاد، لكن تلك التشكيلات المسلحة، وبدلاً من أن تندمج حينها في إطار مؤسسي، ضمن وزارة الدفاع، ظلت على ما هي عليه من استقلالية، وجاءت وزارة الدفاع لتضفي فقط الصبغة الرسمية، أو شبه الرسمية على هذه التشكيلات التي كانت متفاوتة، من حيث الاهتمام والتسليح، ودفع المرتبات.
ومع مرور الزمن، وبدلاً من دمج هذه التشكيلات العسكرية استمر النفَس الجهوي في تشكيل المقاتلين، فجاءت قوات درع الوطن وقوات الطوارئ وغيرها، وظلت السمات المناطقية تشكل طابع هذه التشكيلات، في مجملها، عدا عن بعض التشكيلات التي استوعبت جنودها من مناطق مختلفة، وإن ظلت أغلبيتها تحتكم للأطر الجهوية المعروفة، وهو ما لم يساعد على انسجام تلك التشكيلات في إطار مؤسسي واحد. وفوق ذلك كان لتواجد مشروعين مختلفين، داخل إطار مؤسسات الشرعية اليمنية أثر مدمر، منع تشكل قيادة موحدة، ضمن سلطة الحكومة اليمنية، الأمر الذي عمق خلاف المشروعين السياسيين المتنافرين: مشروع الدولة اليمنية الواحدة، ومشروع أو مشاريع التقسيم.
كان ذلك – وليس قلة الإمكانات أو المقاتلين – العامل الحاسم في الخسائر التي لحقت بالحكومة الشرعية، على المستويات المختلفة: أمنياً وعسكرياً، وسياسياً واقتصاديا.
ويمر الزمن، وتأتي أحداث حضرموت نهاية العام الماضي، وهي الأحداث التي أخرجت من المحافظة قوات عيدروس الزبيدي، نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي السابق، وزعيم المجلس الانتقالي الذي كان يطالب بتقسيم اليمن، والذي أعلن حل نفسه، بعد خروج قواته من حضرموت، وبخروجها أعيد إلى حد ما رسم المشهد الأمني والعسكري والسياسي في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة اليمنية، عدا عن أن مجلس القيادة الرئاسي – بدوره – استعاد بعض الانسجام، بالشكل الذي يمكن معه القول إن الانسجام الذي حدث على مستوى التحالف العربي، بوحدة القيادة، ألقى بظلال إيجابية، على مستوى انسجام العمل والسياسات، داخل مؤسسة الشرعية اليمنية.
لا سبيل لليمنيين لكلي يستعيدوا دولتهم إلا بتوحيد كافة الفصائل المسلحة، والاتفاق على مشروع سياسي واحد، وتجاوز المشاريع الفئوية والحزبية والجهوية والأيديولوجية التي استنزفت الكثير من الطاقات والإمكانيات
وبالعودة إلى التشكيلات العسكرية المختلفة التي تشكلت إثر سقوط صنعاء في يد الحوثيين يمكن القول إن هذه التشكيلات لم يتم حتى الآن دمجها بشكل منسجم، ضمن إطار قيادي واحد، لصعوبات سياسية وفنية وأمنية، وتعقيدات تراكمت، خلال سنوات الفشل في توحيدها، منذ تشكلها، وحتى اليوم. ولأن هدف دمج تلك القوات، ضمن إطار مؤسسي واحد لم يتحقق، فقد تم التفكير في تشكيل غرفة عمليات واحدة، لتنسيق عمل هذه التشكيلات، ولكن هذه الغرفة لم تستطع – حتى الآن – القيام بمهامها، كما ينبغي، بسبب تركة ثقيلة من الانقسامات، والعمل المنفرد الذي تكرس، خلال السنوات الماضية، الأمر الذي كان له الأثر الأكبر، فيما حصل من انتكاسة في الساحل الغربي، وباب المندب.
وخلال المواجهات بين الحوثيين والقوات الحكومية في الساحل الغربي بدا واضحاً أن القوات التي كانت تقاتل دفاعاً عن المخا وباب المندب لم تكن تحتكم إلى قيادة واحدة، ولم يمنع وجود غرفة العمليات من الانكسارات التي حدثت، وإن كانت القوات قد هبت من العمالقة الجنوبية ودرع الوطن لدعم قوات المقاومة الوطنية والتهامية في الساحل، إلا أن عدم التنسيق بين هذه القوات بدا واضحاً، الأمر الذي – في تصوري – كان له الأثر الأكبر، في تقدم الحوثيين، حتى وصلوا إلى باب المندب.
لا يمكن هنا التعلل بعدم وجود السلاح الذي كان متوفراً، لكن في المخازن، دون أن تتاح الفرصة للمقاتلين للحصول عليه، ولا يمكن التعلل بقلة المقاتلين الذين كانوا يكفون لصد هجمات الحوثيين، لكن الأمر يرجع إلى قيادة العمليات، وضعف مهارات القيادة والسيطرة، وعدم وجود التنسيق التام، الأمر الذي بسببه كانت الألوية تنسحب انسحاباً عشوائياً، مع انتشار شائعات ساعد الحوثيون على نشرها، تقول بوجود خيانة، فلم يكن أمام الجميع إلا التفكير بالانسحاب الذي كان في مجمله غير منظم، وكان انهياراً كارثياً، فُقد معه الكثير من الأرواح والعتاد العسكري، والأرض التي سيطر عليها الحوثيون، بما في ذلك مضيق باب المندب المهم لأمن حركة الملاحة الدولية.
نعود للقول إن معالجة ما جرى في الساحل الغربي يتطلب العودة لجذر المشكلة المتمثل في عدم انسجام القيادة العسكرية الذي نتج عن نشوء تشكيلات مسلحة جهوية في عام 2015، وهو ما كان مقبولاً حينها، لكنه لم يعد مستساغاً، بعد مرور أكثر من عشر سنوات على ظروف نشأة وتشكل تلك التشكيلات المختلفة التي تحتاج اليوم إلى عمل جاد، لدمجها، ضمن إطار مؤسسي واحد.
وهنا يمكن الإشارة إلى أن العامل الأبرز في قوة الحوثيين، ليس السلاح، ولا القوة البشرية، على أهمية ذلك، ولكن العامل الأبرز هو وحدة القيادة والهدف والمشروع، الأمر الذي يجب أن يكون هو أولوية الأولويات، بالنسبة لمجلس القيادة الرئاسي والحكومة، إذا ما أريد لليمنيين أن يستعيدوا دولتهم من قبضة تلك الميليشيات.
باختصار، يمكن القول إن ظروف 2015 ليست ظروف 2026، وإن تحديات الأمس غير تحديات اليوم، ولا سبيل لليمنيين لكلي يستعيدوا دولتهم إلا بتوحيد كافة الفصائل المسلحة، والاتفاق على مشروع سياسي واحد، وتجاوز المشاريع الفئوية والحزبية والجهوية والأيديولوجية التي استنزفت الكثير من الطاقات والإمكانيات، خلا الفترة الماضية.
٭ كاتب يمني


















0 تعليق