هناك أصوات لا تنتهى بانتهاء المباريات، ولا تغيب برحيل أصحابها، أصوات حفرت مكانها فى ذاكرة الكرة المصرية، حتى أصبحت جزءًا من حكاياتها، وشريكًا فى أفراحها وانكساراتها.
كابينة المعلقين أخرجت مدارس مختلفة خلال عشرات السنين
كان المعلق قديمًا قادرًا على أن يحوّل تسعين دقيقة إلى حكاية لا تُنسى، وأن يجعل من هدف عابر لحظة تاريخية، ومن مباراة عادية ذكرى تعيش فى وجدان الجمهور لسنوات.
وفاة ميمى الشربينى عن عمر يناهز 87 عامًا بعد مسيرة رياضية حافلة ومدرسة خاصة فى التعليق «بيليه» معلق رياضى فى البرازيل خلال كأس العالم 2010 «الكورة أجوان».. جملة اختصرت فلسفة شيخ المعلقين محمد لطيف، و«خش التاريخ يا راجل».. صرخة ارتبطت بحماس حمادة إمام، أما ميمى الشربينى فكان له عالمه الخاص، الذى لا يُنسى فيه «عنقود مهارات» و«إكسترا مهارات» و«مواليد منطقة الجزاء»، وفى مدرسة التلقائية وخفة الظل، ترك محمود بكر بصمته الخالدة بجملته الشهيرة «عدالة السماء نزلت على استاد باليرمو»، بينما امتلك على زيوار وإبراهيم الجوينى وحسين مدكور وعلاء الحامولى أساليبهم الخاصة التى صنعت ملامح جيل كامل من المعلقين.
محمد لطيف
لم تكن هذه الأصوات مجرد وسيلة لنقل أحداث المباراة، بل كانت جزءًا من متعة كرة القدم نفسها، فالجمهور لم يكن ينتظر الهدف وحده، بل كان ينتظر كيف سيصفه المعلق، وكيف سيمنحه لحظة تستحق أن تُحكى وتُستعاد، ومع مرور السنوات، جاءت أجيال أخرى، وظهرت أسماء صنعت لنفسها بصمة مختلفة، من بينها مدحت شلبى، الذى ارتبط اسمه بتعليق «بيبو وبشير.. بيبو والجون»، فى واحدة من أشهر مباريات القمة المصرية.
ميمى الشربينى
كيف تحوّل الميكروفون، الذى كان يومًا بوابة لصناعة النجومية والخلود، إلى ساحة يتسابق فيها البعض على لفت الانتباه؟، وهل كثرة القنوات والمعلقين صنعت أزمة فى الموهبة، أم أن الأزمة أعمق من ذلك، وتمتد إلى غياب الهوية والبصمة الخاصة؟
بين جيل صنع ذاكرة جماعية لجماهير الكرة، وجيل جديد يحاول أن يجد لنفسه مكانًا وسط زحام الأصوات، نفتح ملف تراجع التعليق الرياضى المصرى، ونبحث عن إجابة لسؤال ربما أصبح يشغل كثيرًا من عشاق اللعبة: هل نحن أمام أزمة عابرة فى التعليق، أم أننا نشهد انحسار مدرسة كاملة كانت يومًا من أبرز علامات الكرة المصرية؟
أيمن يونس: «التريند» شوَّه المعانى.. والانتماء للأندية أفسد موهبة المعلق
يرى أيمن يونس، نجم الزمالك السابق والمحلل الرياضى، أن الحديث عن تراجع التعليق الرياضى المصرى لا يمكن فصله عن التحولات التى شهدتها صناعة كرة القدم والإعلام، مؤكدًا أن الجيل القديم من المعلقين كان يمتلك قدرات استثنائية فى تقديم محتوى بسيط، لكنه يحمل روحًا جميلة ومعانى إنسانية وأخلاقية.
ويقول يونس إن حقبة المعلقين الكبار، وعلى رأسهم محمد لطيف، كانت مرحلة ثرية للغاية، إذ امتلك هؤلاء المعلقون القدرة على صناعة الأحاسيس المرتبطة بكرة القدم، من خلال الإفيهات والمعانى والإرشاد الأخلاقى، وهو ما منح التعليق وقتها قيمة تتجاوز مجرد وصف أحداث المباراة.
لكن المشهد تغير، بحسب يونس، مع التطور التكنولوجى الهائل، وانتشار وسائل التواصل الاجتماعى، وتحول «التريند» إلى هدف يسعى إليه كثيرون، حتى أصبحت بعض الإفيهات السخيفة قادرة على تحقيق الشهرة، تمامًا مثل الإفيهات التى تتمتع بخفة الظل.
ويضيف: «التريند بقى بيلعب فى دماغ كل واحد بيعلق على مباراة أو بيظهر فى التليفزيون»، ولا ينكر نجم الزمالك السابق وجود مواهب فى الجيل الحالى من المعلقين، لكنه يرى أن الأزمة تكمن فى غياب الإجماع على هذه المواهب، مقارنة بالأجيال السابقة التى كانت تحظى بقبول واسع من مختلف الجماهير.
ويشير إلى أن حالة الاستقطاب الرياضى، وما وصفه بصناعة العنصرية بين جماهير الأهلى والزمالك، ساهمت فى تشويه صورة المعلقين، بعدما أصبح البعض يُظهر انتماءه للنادى الذى يشجعه، بدلًا من الالتزام بالحياد المفترض فى المهنة.
ويستشهد يونس بالراحل محمد لطيف، الذى كان أحد نجوم الزمالك، لكنه لم يكن يُظهر انتماءه للنادى خلال التعليق، مؤكدًا أن المعلق والمحلل ومقدم البرامج يجب أن يكونوا بعيدين عن الانحياز للألوان، ويتابع أن المشهد الحالى أصبح يتسم بطلبات جماهيرية من نوعية: «أنا ماتش الزمالك عايز معلق زملكاوى، ماتش الأهلى أنا عايز معلق أهلاوى»، وهو ما يعكس تحول الجمهور إلى مجموعات متعصبة تبحث عن الانتماء إلى ما يشب.. يشبه القبائل الرياضية.
ويؤكد يونس أن المشكلة لم تعد فى وجود المواهب من عدمه، بل فى عدم اكتمال هذه المواهب بسبب الانتماءات الرياضية، قائلًا إن الجماهير نسيت أن الانتماء الأهم يجب أن يكون لكرة القدم نفسها، وليس لنادٍ ضد الآخر.
فبينما يرى أيمن يونس أن الانتماءات الرياضية والاستقطاب الجماهيرى أضعفا من حياد المعلق، يؤكد طارق يحيى أن البحث عن التريند والخروج عن سياق المباراة أصبحا من أبرز مظاهر الأزمة، تشير سهير عثمان عبدالحليم إلى أن المهنة تحتاج إلى استعادة مجموعة من القواعد المهنية، وفى مقدمتها الثقافة والموضوعية والقدرة على التواصل مع الجمهور.
لكن السؤال الذى يظل مطروحًا: هل يستطيع التعليق المصرى أن يستعيد مدرسته القديمة، ويصنع جيلًا جديدًا يمتلك بصمة خاصة، أم أن التحولات التى فرضتها التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعى ستجعل من الصعب تكرار تجربة المعلقين الذين ارتبطت أصواتهم بذاكرة الكرة المصرية؟ فالموهبة وحدها قد تصنع صوتًا لافتًا، لكن الثقافة والحياد والتلقائية هى التى تصنع معلقًا لا يُنسى.
طارق يحيى: كثرة القنوات والمعلقين صنعت أزمة.. والمعلق بقى بيدور على التريند
يرى طارق يحيى، نجم الزمالك السابق، أن كثرة القنوات الرياضية والمعلقين ساهمت فى خلق أزمة داخل التعليق المصرى، بعدما اختلفت طبيعة المهنة عن السنوات الماضية، التى كان فيها عدد القنوات محدودًا، وكانت الأسماء الكبيرة تفرض حضورها بالموهبة والأسلوب الخاص.
ويشير يحيى إلى أن المشهد الحالى أصبح مزدحمًا بالأصوات، وهو ما يطرح تساؤلات حول طبيعة الأزمة التى يواجهها المعلقون، خاصة مع ظهور أساليب لا ترتبط دائمًا بأحداث المباراة نفسها.
ويؤكد أن بعض المعلقين يخرجون عن سياق اللقاء، من خلال سرد قصص تاريخية لا ترتبط بما يحدث داخل الملعب، أو الانتقال من موضوع إلى آخر بصورة تربك المشاهد وتبعده عن أجواء المباراة.
ويرى أن المشاهد لا يحتاج إلى كل هذا الإسهاب، بقدر حاجته إلى تعليق يواكب أحداث اللقاء، ويقدم له المعلومات فى توقيتها المناسب، دون أن يتحول الميكروفون إلى مساحة للحديث بعيدًا عن كرة القدم.
ويضيف يحيى أن التعليق الرياضى قديمًا كان يتميز بالعفوية والتلقائية، وكان المعلقون قادرين على تقديم الإفيهات بصورة طبيعية، دون افتعال أو محاولة مستمرة لجذب الانتباه، لكن المشهد الحالى، بحسب رؤيته، أصبح مختلفًا، بعدما تحول البحث عن التريند إلى أحد أبرز أهداف بعض المعلقين.
ويقول: «أنا عن نفسى بعلق، بس بقول مش لازم الناس كلها تجرى على التريند، لكن المعلق حاليًا قاعد يدور على التريند»، ويستعيد يحيى ذكريات الجيل الذى كان الجمهور ينتظر سماعه، وعلى رأسه كابتن ميمى الشربينى وكابتن حمادة إمام، مؤكدًا أن هذا الجيل امتلك أسلوبًا خاصًا جعل التعليق جزءًا أصيلًا من متعة المباراة، وليس مجرد وسيلة لنقل أحداثها.
الدكتورة سهير عثمان عبدالحليم: المعلق مشجع قبل ما يكون ناقلًا للمباراة.. والحياد غائب
ومن منظور أكاديمى وإعلامى، ترى الأستاذة الدكتورة سهير عثمان عبدالحليم، أستاذ الصحافة والإعلام الرقمى بكلية الإعلام جامعة القاهرة، أن أحد أهم أسباب تراجع التعليق الرياضى يتمثل فى عدم قدرة بعض المعلقين على الفصل بين دورهم المهنى وانتماءاتهم الرياضية.
وتوضح أن المعلق الرياضى لا يقتصر دوره على الوصف التفصيلى لأحداث المباراة، بل يجب أن يتحلى بالموضوعية والحياد قدر الإمكان، وألا تتحول انتماءاته للأندية إلى عنصر مؤثر فى طريقة تقديمه للقاء.
وتقول إن عددًا من المعلقين الحاليين، دون تحديد أسماء بعينها، يعانون من مشكلة واضحة فى الفصل بين كونهم معلقين رياضيين ومشجعين، خاصة فى المباريات التى يخوضها قطبا الكرة المصرية الأهلى والزمالك أمام منافسيهما.
وتضيف أن الانتماء الرياضى يظهر أحيانًا بصورة واضحة خلال التعليق، سواء من خلال طريقة وصف الأحداث أو الانفعال مع الفرص والأهداف، وهو ما يضعف من ثقة الجمهور فى المعلق، ويؤثر على الصورة المهنية للتعليق الرياضى.
وتؤكد أن المقارنة بين الجيل الحالى وكبار المعلقين السابقين، مثل محمد لطيف وميمى الشربينى ومحمود بكر وحمادة إمام، تظل مقارنة صعبة، لأن هؤلاء امتلكوا ثقافة عامة واسعة، ومهارات اتصال عالية، وقدرة على تقديم المباراة بصورة ممتعة دون تحميل الجمهور مسؤولية انتماءاتهم الرياضية.
وتشير إلى أن هؤلاء المعلقين كانوا قادرين على تقديم معلومات ثقافية وتاريخية فى توقيتها المناسب، بما يخدم أحداث المباراة ويضيف إليها، وليس بهدف استعراض المعرفة أو الخروج عن سياق اللقاء، وتوضح أن المعلق الرياضى يجب أن يمتلك صوتًا قويًا، ومهارات اتصال مميزة، وثقافة عامة كافية، إلى جانب قدرته على تقديم المعلومات فى اللحظة المناسبة.
وتقول إن استحضار موقف تاريخى أو لقطة قديمة يشبه ما يحدث داخل الملعب يمكن أن يضيف قيمة للتعليق، لكن الإسهاب فى الخلفيات التاريخية قد يؤدى إلى خروج المشاهد من أجواء المباراة، ويجعل المعلق وكأنه يتحدث فى عالم منفصل عن اللقاء.
وتلفت إلى أن الحياد والموضوعية الكاملة قد يكونان صعبين، لكن على المعلق أن يسعى إليهما قدر الإمكان، حتى لا يتحول التعليق الرياضى إلى مساحة للتعبير عن الانتماءات الشخصية على حساب الجمهور.
وفى تقييمها للأسماء الحالية، تشير أستاذة الإعلام إلى أن بلال علام من الأسماء التى تستمتع بالاستماع إليها، وترى أنه من المعلقين الذين يمتلكون أسلوبًا قريبًا من ذائقتها، لكنها لا ترى فى الوقت الحالى أسماء كثيرة تقترب من مدرسة المعلقين الكبار الذين صنعوا تاريخ التعليق المصرى.
وتختتم رؤيتها بالتأكيد على أن الأزمة ليست فى غياب المواهب تمامًا، بل فى غياب مجموعة من العناصر التى صنعت تميز الجيل السابق، وعلى رأسها الثقافة، والقدرة على التواصل، والحياد، والتلقائية، والوعى باللحظة المناسبة للحديث أو الصمت.
بين جيل صنع الذاكرة وجيل يبحث عن التريند تتفق الشهادات السابقة، رغم اختلاف زوايا النظر، على أن أزمة التعليق الرياضى المصرى لا تتعلق فقط بكثرة القنوات أو عدد المعلقين، وإنما تمتد إلى طبيعة العلاقة بين المعلق والمباراة والجمهور.
- «الزراعة» تنفي إغلاق حديقة الزهرية في الزمالك
- وزارة الرياضة تكشف تفاصيل مراجعة ملف شركة الكرة بالزمالك
- تعيين أحمد أبو عميرة مسؤولًا عن الرؤية البصرية والإبداع بوزارة الدولة للإعلام- تفاصيل
- الزمالك يتلقى عروضًا للاستثمار في شركة الكرة.. والإدارة تؤجل الحسم
- نجم الزمالك السابق يكشف أهمية مواجهة وادي دجلة في كأس عاصمة مصر






