لم تعد المشكلة في مصر هي إنشاء جامعة تكنولوجية جديدة، ولا إضافة مبنى أو برنامج دراسي يحمل اسمًا حديثًا، فالدولة قطعت بالفعل شوطًا مهمًا في تأسيس منظومة التعليم التكنولوجي، ووصل عدد الجامعات التكنولوجية إلى 14 جامعة.
لكن السؤال الأصعب الذي يجب أن نطرحه بعد سنوات من انطلاق التجربة هو: هل نجحنا في بناء التعليم التكنولوجي داخل عقل المواطن المصري كما نجحنا في بناء جامعاته على الأرض؟
هنا أعتقد أن أمامنا تحديًا أكبر من الإنشاءات والتجهيزات.
فما زالت قطاعات واسعة من الأسر المصرية تنظر إلى كليات الطب وطب الأسنان والصيدلة والعلاج الطبيعي باعتبارها قمة الهرم الجامعي، وما زالت هذه البرامج تحظى بجاذبية اجتماعية كبيرة، بينما يحتاج التعليم التكنولوجي إلى مزيد من العمل حتى يتحول في الوعي العام إلى اختيار أول للطالب، وليس مجرد مسار بديل عندما لا تقوده درجاته إلى اختيارات أخرى.
والأخطر أن «عقدة الخواجة» ما زالت حاضرة في جزء من ثقافتنا التعليمية؛ فنتحدث بإعجاب عن النموذج الألماني في التعليم التطبيقي، وعن التجارب الآسيوية في ربط الجامعات بالصناعة، وعن قدرة دول أخرى على تخريج تقنيين وتكنولوجيين يقودون خطوط الإنتاج، بينما لا نمنح المسار نفسه بالقدر الكافي من المكانة الاجتماعية عندما نحاول بناءه بأيدٍ مصرية.
إذن القضية ليست جامعات فقط، وإنما ثقافة مجتمع.
المواطن لن يغير نظرته إلى التعليم التكنولوجي ببيان صحفي أو حملة دعائية، وإنما عندما يرى أمامه خريجًا مطلوبًا في المصانع والشركات، يحصل على دخل مناسب، ويملك مسارًا واضحًا للترقي المهني، ويستطيع تأسيس مشروعه، وتتنافس الشركات على استقطابه.
عندها فقط ستبدأ الصورة في التغير.
ولذلك فإن المرحلة المقبلة يجب ألا يكون سؤالها: كم جامعة تكنولوجية سننشئ؟ بل: كم خريجًا حصل على وظيفة في تخصصه؟ وكم شركة شاركت فعليًا في تصميم البرامج؟ وكم طالبًا تدرب داخل مصنع حقيقي؟ وما نسبة التوظيف بعد ستة أشهر أو عام من التخرج؟ وما متوسط دخول الخريجين مقارنة بالتخصصات الجامعية الأخرى؟
هذه الأرقام هي التي ستصنع الثقة.
كما أن الصناعة نفسها يجب ألا تظل ضيفًا على التعليم التكنولوجي، بل ينبغي أن تكون شريكًا أصيلًا فيه؛ من تحديد المهارات المطلوبة وتصميم المناهج إلى التدريب والتقييم والتوظيف. فلا معنى لجامعة تكنولوجية تدرس تخصصًا لا يحتاج إليه محيطها الصناعي، ولا لبرنامج يحمل اسمًا جذابًا بينما لا يعرف الطالب أين سيعمل بعد التخرج.
ونحتاج كذلك إلى مواجهة سؤال المكانة الاجتماعية للخريج بشجاعة. لماذا يحلم الأب بأن يقول إن ابنه طبيب أو مهندس، بينما لا تحمل بعض المهن التكنولوجية المتقدمة المكانة الاجتماعية نفسها رغم أن سوق العمل قد يكون أكثر احتياجًا إليها؟
هذه ليست مسؤولية الأسرة وحدها.
إنها مسؤولية منظومة كاملة تبدأ من المدرسة والتوجيه المهني، وتمر بالجامعة والإعلام وقطاع الصناعة، وتنتهي بصورة الخريج في سوق العمل.
التعليم التكنولوجي مشروع قومي لا يقل أهمية عن التوسع في الجامعات التقليدية؛ لأنه يرتبط مباشرة بالصناعة والإنتاج والتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي والطاقة والتكنولوجيا الحديثة.
ومن هنا فإن نجاحه الحقيقي لا يقاس بعدد الجامعات التي تحمل لافتة «جامعة تكنولوجية»، وإنما بقدرته على تغيير ثلاثة أشياء: فكر الطالب، ونظرة الأسرة، واحتياجات سوق العمل.
لقد أنشأنا الجامعات، وهذه خطوة مهمة.
لكن المعركة الأصعب الآن هي أن نجعل المواطن يؤمن بأن ابنه يستطيع أن يصنع مستقبله من داخل جامعة تكنولوجية كما يصنعه من كلية طب أو هندسة، وأن يصبح الالتحاق بالتعليم التكنولوجي اختيارًا عن قناعة وطموح، لا اختيارًا تفرضه نتيجة التنسيق.
بعد 14 جامعة تكنولوجية، حان الوقت للانتقال من مرحلة إنشاء الجامعات إلى مرحلة صناعة الثقة.
لأن المباني يمكن إنجازها خلال سنوات، أما تغيير ثقافة مجتمع تجاه التعليم والعمل والمكانة المهنية، فهو المشروع الأصعب والأطول.
والسؤال الذي يجب أن يبقى مفتوحًا أمام الجميع: متى يصبح التعليم التكنولوجي حلمًا للأسرة المصرية، لا مجرد بديل على قائمة التنسيق؟


















0 تعليق