في رثاء الألف جنيه!

بوابة فيتو 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
في رثاء الألف جنيه!, اليوم الخميس 24 سبتمبر 2026 12:16 مساءً

حتى وقت قريب، كان للألف جنيه قيمته ورونقه. كان يمكن أن تشتري به 3 جرامات من الذهب، أو تحصل على نحو عشرة كيلو جرامات من اللحوم الطازجة، أو تبتاع طقمًا كاملًا من قميص وبنطال وحذاء تختال به بين قومك كأنك قارون زمانك، أو تقتني هاتفًا حديثًا، أو تزود سيارتك بالوقود 10 مرات مشبعات، أو تدعو أسرتك أو بعض أصدقائك على عشاء فاخر ووليمة عامرة في أحد المطاعم الشهيرة.


كان للألف جنيه يومئذ اعتبار ووقار، ولكن لأن دوام الحال من المحال، فقد ذل من كان يومًا عزيزًا وصار مُهانًا في زمن التضخم والارتباك الاقتصادي المزمن، ولم يعد للألف جنيه قيمة تذكر؛ فقد تبدده فاتورة كهرباء عشوائية لا تخضع للحد الأدنى من المنطق.. ادفع ولا تناقش يا أخ علي! 

وقد تدمره زيارة طبيب يسبق اسمه بعدة ألقاب ودرجات علمية وهمية في غياب قسري لأجهزة وزارة الصحة والسكان، وقد يبتلعه عدة كيلو جرامات من الفاكهة التي جعل الغلاء طعمها مهما كان حلوًا مُرًا علقمًا، ولن تكفيك الألف جنيه لملء خزان سيارتك بالبنزين مرة يتيمة!


قد يتبدد الألف جنيه في أي بند من بنود الإنفاق اليومية، وأنت لا تملك من أمرك شيئًا، ولكننا مضطرون إلى أن ندفع عن يد ونحن صاغرون.
 

أصبح من الطبيعي أن تجد رقم الألف جنيه الآن فوق تي شيرت بسيط جدًا أو حذاء تخجل من أن تنام به لا أن تخرج به، أو سلة مهملات من البلاستيك المقوى، أو قطعة إكسسوار منزلية صغيرة معدومة الأثر..
 

باختصار غير مخل.. لا تشتري الألف جنيه 2 كيلو جرام من اللحم البلدي. اللحوم المستوردة -التي كان المصريون يخجلون من شرائها- صارت فوق مستواهم ودخولهم وبعيدة المنال!


وسط هذه الدوامة التي نعيش خلالها، يكاد المرء أن يفقد عقله ورشده، ويردد مثل محمود عبد العزيز في فيلم "جري الوحوش": "أنا مش أنا يا دكتور"؛ حيث لا يعرف للشهر أولًا من آخر؛ فهو في أوله مشغول بتسديد متطلبات ومتآخرات عاجلة، وفي آخره مديون كالعادة.. ولفي بينا يا دنيا، ودوخينا يا دنيا، ومدد مدد مدد، الديون والقروض والفواتير مبتخلصش يا عم الحاج!


في ظل تراجع القيمة الحقيقية للجنيه المصري الذي تسببت السياسات الاقتصادية، قبل أي شيء، في أن يفقد قيمته وهويته وعافيته وكرامته.. يبقى السؤال الذي لا إجابة له: كم تحتاج أسرة تضم أربعة أو خمسة أفراد من آلاف الجنيهات؛ لكي تحيا حياة بسيطة؟


كم ألفًا من الجنيهات في الشهر تكفي للطعام والشراب والملبس والتعليم: مدارس ودروسًا وكتبًا خارجية وسبلايز وتفاصيل لا تنتهي، وفواتير حكومية، وعلاجًا ودواء.. ودعك من الترفيه لأنه صار إحدى الكبر والكبائر؟
 

هل أغلق مسؤول يومًا الباب على نفسه وجلس إلى مكتبه الفخيم في العاصمة الإدارية، وأمسك ورقة وقلمًا، وأجرى عملية حسابية عما يحتاجه رب أسرة صغيرة نفسه، وكيف يدبرون أحواله، وكيف يتحايل على الأيام والليالي حتى تتعاقب بأقل الخسائر، وحتى لا يجد نفسه ذليلًا أمام أولاده؟


غالبًا، ومن قراءة تصريحات رسمية صادرة عن أعضاء الحكومة، فإن هذا لا يحدث ولم يحدث ولن يحدث في القريب العاجل. الحكومة ترى أنها صانعة إنجاز وصاحبة إعجاز وذات فضل على المصريين عظيم، غير آبهة بوتيرة الفقر المتسارعة.


لو كان الفقر رجلًا ما قتلته الحكومة ولا مسَّته بسوء، بل ربما استضافته في أحد فنادقها الشاهقة وأحسنت استقباله ووفادته، بل وعينته ضمن الطبقة الأولى من المسؤولين، وما طبقت عليه الحد الأقصى من الأجور، ووفرت له مزايا نوعية، ولجانًا فرعية في جميع الوزارات والهيئات، حتى يحصل على ما يكفيه ويفيض عن حاجته! 


الحكومة لا تبذل جهدًا يُذكر في مقاومة الفقر ومكافحته والسيطرة عليه، وإنقاذ  العملة المحلية المتهاوية إلى الحضيض؛ وكأنها تبدو سعيدة مسرورة، وهي ترى المصريين يضربون أخماسًا في أسداس، وكفًا بكف، غير مصدقين ما يجابهونه من مشقة لا شاطئ لها على مد البصر، ولا نجاة من تبعاتها في الوقت القريب!

الفقر يحاصر -بحسب تقارير البنك الدولي- أكثر من 65% من المصريين، ولكن الحكومة تغض الطرف، ولا يهتز لها جفن، ولا تشعر بالندم، بل لا تزال تكابر، وترى أنها خسارة في شعب لا يعرف قيمتها، ولا يهتف باسمها، ولا يسبح بحمدها!
أمّا الألف جنيه فلا نملك إلا رثاءها والدعاء لها بالرحمة، ولنا بالصبر والسلوان، وللشعوب الشقيقة بألا ترى مكروهًا في عملتها المحلية.. وإنا لله وإنا إليه راجعون.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق