نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
محطات تاريخية (الحلقة الخامسة), اليوم الأربعاء 19 أغسطس 2026 12:51 مساءً
وعلى الرغم من هذا التمدد في الفتح، إلا أن عصر عثمان في الداخل، والذي دام نحو اثني عشر عامًا من 644 م: 656 م الموافق من 24: 35 هـ.. أو لنقل: إن منتصف عهد عثمان في الداخل شهد حالة من بدايات بروز الخلاف، فكان الناس منقسمين لفريقين، من يرى أنه جديرٌ بالخلافة ويستحقها، ومن يرى أن عليًا أولى بها..
ولعبت الأيام دورها فيما هو قادم من الأحداث، فالشيخوخة بدت على عثمان، فزادت حاجته لمن يعاونه، سيما أن عائلته كبيرة العدد، ورجالها يعتلون الأماكن المرموقة في شتى الأصقاع التى فُتحت، فمنهم القادة والأمراء من قبل توليه الخلافة.
وكانوا موضع ثقته، فأطلق لهم عثمان العنان، واستكثر منهم في الأمصار، الأمر الذي أزعج أصحاب الفريق الموالي لعلي رضي الله عنه، وكان عثمان رضي الله عنه ليّن الجانب، ورغم أنه قد تسامع بهمس المنتقدين له، إلا أنه لم يلتفت إليه، ومن ثمَّ تحول الهمس إلى كلام في العلن، وتحول الانتقاد إلى ثورة راحت تزحف ببطء نحو قراراته وتصرفاته في شتى المناحي -المالية، والإدارية، وأمر الولاة من أقاربه-.
لكن سعة صدره قد فوتت على المتربصين أول الفرص، ورويدًا رويدا تتسع الثورة بعد معاودتها، وبدت مكامنها واضحة للعيان (الكوفة، والبصرة، ومصر) وصارت لها وجاهة بانضمام أقطاب من الصحابة، كانوا يأخذون على عثمان مآخذ كثيرة، وهنا رمق الداهية اليهودي المتربص بالمسلمين سنوح تلك الفرصة، والتقطها بعد أن شمَّر عن ساعد الجد..
إنه عبد الله بن سبأ اليهودي الذي إدعى دخوله الإسلام ليكيد له من الداخل، واستطاع ابن سبأ ترجمة الأقوال إلى أفعال، والنوايا إلى تدبير وتخطيط، وعلى عجل قام ابن سبأ بجمع شتات الثائرين على عثمان في الأمصار البعيدة (الكوفة والبصرة ومصر) وشكَّل منهم تنظيمًا مناهضًا للخليفة عثمان، يكون تكأة لضرب الإسلام.
ووضع عبد الله بن سبأ عنوانًا لذر الرماد في العيون (حب آل بيت الرسول والتشيع لهم) فذلك أدعى لحشد الناس خلفه، ثم اختار البيئة المناسبة ليغرر بالناس فيها.. (بث دعوته في بلدان مصر والعراق، بعد أن أكثر التنقل بين هذه الأمصار، فنشأت هذه الدعوة في مجتمعات لم تتمكن من فهم الإسلام الفهم الصحيح، وتترسخ أقدامها في العلم الشرعي والفقه بدين الله تعالى، وذلك لقرب عهدها بالإسلام، فإن تلك الأمصار إنما فتحت فى عهد عمر رضي الله عنه، هذا بالإضافة إلى بعدها عن مجتمع الصحابة في الحجاز، وعدم التفقه والتتلمذ والتربية على أيديهم.
وإن ابن سبأ مع اختياره لدعوته تلك المجتمعات، فإنه زيادة في المكر والخديعة، أحاط دعوته بستار من التكتم والسرية، فلم تكن دعوته موجهة لكل أحد، وإنما لمن علم أنهم أهل لقبولها من جهلة الناس، وأصحاب الأغراض الخبيثة، ممن لم يدخلوا في الإسلام إلا كيدا لأهله، بعد أن قوضت جيوش الإسلام عروش ملوكهم، ومزقت ممالكهم) علي بن أبي طالب (د. الصلابي ص288).
وإذا سرنا واستمعنا لكلام ابن سبأ الذي أطلقه، سندرك قول علماء السلف والخلف وقولة المؤرخين تلك التي راجت: (إن عبد الله بن سبأ اليهودي هو الداعي الأول لأصول عقيدة التشيع، التي انبثقت منها عقائد الشيعة بفروعها) فهو إذن المؤسس الأول لمذهب التشيع، ولنسمع ما قاله الإمام الطبري في شأنه:
(كان عبد الله بن سبأ يهوديًا من أهل صنعاء، أمه سوداء فأسلم زمان عثمان، ثم تنقل في بلدان المسلمين، يحاول ضلالتهم فبدأ بالحجاز، ثم البصرة، ثم الكوفة، ثم الشام، فلم يقدر على ما يريد عند أحد من أهل الشام، فأخرجوه، حتى أتى مصر فاعتمر فيهم فقال لهم فيما يقول: لعجب ممن يزعم أن عيسى يرجع، ويكذب بأن محمدًا يرجع وقد قال الله (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ) (القصص/ 85).
فمحمد أحق بالرجوع من عيسى، قال: فقبل ذلك عنه، ووضع لهم الرجعة فتكلموا فيها، ثم قال لهم بعد ذلك: إنه كان ألف نبي ولكل نبي وصي، وكان علي وصي محمد. ثم قال: محمد خاتم الأنبياء، وعلي خاتم الأوصياء.
ثم قال لهم بعد ذلك: من أظلم ممن لم يجز وصية رسول (صلى الله عليه وسلم)، ووثب علي وصي رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وتناول أمر الأمة، ثم قال لهم بعد ذلك: إن عثمان أخذها بغير حق، وهذا وصي رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فانهضوا في هذا الأمر فحرّكوه، وابدءوا الطعن على أمرائكم وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تستميلوا الناس، وادعوهم إلى هذا الأمر.. فبث دعاته وكاتب من كان استفسده فى الأمصار وكاتبوه، ودعوه في السر إلى ما عليه رأيهم) تاريخ الطبرى جـ5 ص347.
ولقد ساهمت الظروف بقدر كبير في سريان دعوة ابن سبأ اليهودي، وعلى رأس تلك الظروف النزوع العاطفي لمحاباة ودعم آل البيت وعلى رأسهم علي بن أبي طالب والإنصياع لهم، ومنها أيضا تاريخ علي رضوان الله عليه مع الرسول (صلى الله عليه وسلم) ومواقفه التي شهدها الجميع في الذود عن الإسلام، ومنها محاكاة الناس فيما بين أنفسهم بجدارة علي في الخلافة بعد عمر..
خاصة بعد أن جربت الناس إدارة عثمان التي تختلف كثيرًا عن إدارة أبي بكر وعمر، وليس أدل على هذا من الشعور الذى انتاب عليًا نفسه، بأنه مضطهد، حين قال قولته لعبد الرحمن ابن عوف عقب إعلانه اختيار عثمان – إذ قال: (ليس هذا أول يوم تظاهرتم فيه علينا، فصبرٌ جميلٌ والله المستعان على ما تصفون). تاريخ الطبرى جـ3 ص297.
وجاءت رواية ابن عبد ربه، في قول علي في حديث الشورى عقب وفاة عمر (فأخذ عبد الرحمن مواثيقنا وعهودنا، على أن يخلع نفسه، وينظر لعامة المسلمين، فبسط يده إلى عثمان فبايعه، اللهم إن قلت إني لم أجد -أي: لم أحزن- فقد كذبت) العقد الفريد جـ4 ص303.
(ونجح ابن سبأ في الخطة التي وضعها: ونجده -ليضمن النجاح- يقوم بالدعوة لعلي فينشر مذهب الوصاية، أي أن عليًا وصي محمد (صلى الله عليه وسلم) كما أن لكل نبي وصيًا، وأن عليًا خاتم الأوصياء، كما كان محمد خاتم الأنبياء، وأيد رأيه بأحاديث وضعها، كما أشاع نظرية الحق الإلهي، وهي نظرية فارسية، عبرت مع الفرس إلى اليمن موطن ابن سبأ، إذ كان الفرس يحتلون اليمن قبل أن يدخلها الإسلام، ومغزى هذه النظرية، أن عليـًا هو صاحب الحق الأول في الخلافة.
وأثار ابن سبأ الشبهات، وجمع حوله أنصاره، كما جمع الساخطين على عثمان، وزحف الثائرون إلى المدينة من الكوفة والبصرة، حيث كانت مبادئ ابن سبأ قد وجدت مرعى خصبا بين البسطاء، من أتباع علي بن أبي طالب، وزحف ثائرو مصر كذلك..
حيث كان ابن سبأ يعيش في ذلك الوقت؛ وحيث وجد الوسيلة لإثارة المصريين ضد عبد الله بن أبي سرح والي عثمان وأخيه من الرضاعة، ويبدو أن تخطيطًا دقيقًا دفع هؤلاء وأولئك ليسيروا في نفس الوقت، ثائرين من بلدان مختلفة إلى المدينة) موسوعة التاريخ الإسلامى/ د. أحمد شلبى جـ1 ص608..
وإلى الحلقة القادمة في سلسلة محطات تاريخية.


















0 تعليق