عرفتُه فكراً قبل أن ألقاه عياناً. كان ذلك في زمنٍ مُقفرٍ من أوائل التسعينيات، وأنا متخفيًا أصارع قسوة نظام الإنقاذ، وأبحث عن متنفّسٍ وسط بحرٍ من التضييق والقلق. وفي منزل منحني الأمن والأمان، قادتني الخُطى إلى مِرْآب لا يحتضن سيارة، ولكنه يتكدس كتبا ويتنفس علما ومعرفةً. قيل لي أن الكتب تخصّ أستاذًا جامعيًّا ضُيّق عليه فغادر البلاد، يُدعى حيدر إبراهيم. وأصبح ذلك المرآب خير رفيقٍ لي في عتمة ليالي الاختفاء ونهاراته الموحشة، وخيرَ جليسٍ في زمنٍ ندر فيه الكتاب مثلما عَزَّ الأمان وشحّت الطمأنينة. قرأتُ في الكتب ما يعجز اللسان عن البوح به آنذاك، وتعلّمتُ منها ما ضاقت به المنابرُ المكمّمة، وبدت لي وكأنها نوافذ أطلَّ منها على إبداع عقلٍ نقدي يأبى الخنوع، وقلمٍ لا يُساوم في الحق، ولا يُهادنُ في المبدأ. ثم شاءت الأقدارُ أن ألتقيَه في القاهرة بعد عامين ونيف، فإذا بالرجلِ الذي عرفتُه طيفًا بعيدًا يصبحُ صديقًا قريبًا، وأخًا كبيرًا، ومعلِّمًا في مدرسةِ الحريةِ والاستنارة. وإذا باللقاءِ سرعان ما يتحوَّلُ إلى صداقةٍ متينةٍ وراسخة بين الأسرتين. ورأيتُ في كل قاطني بيته ما رأيتُه في كتبِه من وضوح في الرؤية ونقاء في السريرة، ولمست صدقًا وتهذيبا عميقين، وثمرةً طيبةً لتربيةٍ أينعت في ابنيه مظفر وأنديرا، اللذين صارا أخوين لأبنائي وحتى اللحظة، شاهدين بأن الأصل الطيب يورق أجيالًا صالحة. أما شريكة عمره، «حياة»، تلك المرأةُ ذاتُ الأفقِ الواسع، المتصالحةِ دائمًا مع نفسها، فلم تكن مجرَّدَ زوجةٍ لمفكرٍ كبير، بل كانت شريكةً في المشروع، وسندًا في الغربة، ويدًا حانيةً تُمسِكُ بالبيتِ من طرفِه الخفيِّ، تُهيِّئُ الهدوء والسكينة، وتسقي البذرةُ الصالحةُ في مظفر وأنديرا، حتى يتفرَّغَ الرجلُ لعقلِه وقلمِه. والبيت لم يكن عشة لسكن الأسرة الصغيرة فحسب، بل ظل واحة لبث الوعي ومشرعًا للأصدقاء ومريدي المعرفة. وكان موئلًا لجلسات الفن والإبداع والتغذيةِ الفكريةِ، والتي امتدت لتنثر الجمال في دارِ الأوبرا في القاهرة، وفي المسرحِ القوميِّ في أمدرمان. وذلك كلُّه لم يكن ترفاً ولا لهواً، بل كان جزءًا من المشروعِ الذي حملَه حيدر إبراهيم طوالَ حياتِه، مشروع بثُّ الوعي والاستنارةِ، وتنميةُ التفكيرِ النقدي، وتربيةُ جيلٍ لا يخشى طرح السؤال.
كان حيدر إبراهيم أكثر من عالم اجتماع ومؤرخ ومثقف، وكان يرى في نشر المعرفة رسالةً مقدسة
كان حيدر إبراهيم أكثر من عالم اجتماع ومؤرخ ومثقف، وكان يرى في نشر المعرفة رسالةً مقدسة وليس مجرد مهنة
وليس مجرد مهنة. لذلك، لم يعتزل الأبراج العاجية فحسب، بل نزل إلى ساحة الوعي يفتّش عن جذور أزمات الوطن: في الدين حين يُختطف، وفي السياسة حين تُغلق نوافذها، وفي الثقافة حين تُسجن في قوالبها. كان صاحب قضية ومدرسةً في الشجاعة الفكرية؛ اختار أن يقف في الضفة الأصعب والأكثر تعقيدا: ضفة العقل والحرية والتنوير. لا يخاف مراجعة الأفكار، ولا مواجهة المسلَّمات، يجهر بما يعتقد أنه الحق ولو خالف به من حوله، ويرفض التجمّل على حساب الحقيقة. حمل من محفل الدراسة صرامة المنهج وعمق النظر، وحمل من السودان وجع الناس وأحلامهم، جامعا بين الأكاديمي المدقّق والمثقف المشتبك. فكان مهموماً بالسودان، وبإنسانه، وبحقه في دولة تحترم مواطنيها، وبمجتمع لا يُدار بالخوف أو الوصاية أو احتكار الحقيقة. لذلك، ما أن أمسك انقلاب يونيو/حزيران 1989 بتلابيب الوطن، إلا وحيدر يرفض أن يكتفي بمساءلة الضمير، بل آثر أن يُسائِل السلطة، فوقف في مواجهة مشروع «الإنقاذ» منتقدا التجربة وتوظيف الدين في السياسة، يصدح دفاعاً عن الديمقراطية والحرية والمساواة، وعن فهمٍ للدين يصون كرامة الإنسان ويحفظ حقوقه. وظل يكتب عن «الأمنوقراطية» بوصفها نظام حكمٍ يُديره الأمن لا القانون، وعن «الإسلامويين» بوصفهم حركة سياسية تستغل الدين في السياسة لا مجرَّدَ مسلمينَ عاديين. لكن نقد حيدر للإنقاذ وللإسلام السياسي لم يكن مجرد تنظير بارد أو موقف سياسي عابر، وإنما كان جزءاً من مشروع فكري عميق في علم الاجتماع السياسي وسوسيولوجيا الدين، تخلقّت ملامحة ونمت عن تجربة حيّة في ملامسة الاستبداد عن قربٍ، وأبدعها يراع الراحل إرثا فكريا ضخما ضمته مكتبة واسعة من المؤلفات، سيظل شاهدا على هذا المشروع، يروي سيرة العقل الحر، من «لاهوت التحرير» إلى «نقد الإسلام السياسي»، مرورًا «بسقوط مشروع الإنقاذ الحضاري»، ووصولًا إلى «تحديات الدولة الديمقراطية الحديثة»، دون أن يغفل عن إتحافنا بسيرته الفكرية والإنسانية التي صاغها في سفره الراقي «أزمنة الريح والقلق والحرية». ولعل من أهم إنجازات الراحل خارج صفحات كتبه، تأسيسه مركز الدراسات السودانية، الذي أصبح فضاءً للبحث والنشر والحوار، ومنارةً لكل من أراد أن يقرأ السودان بعيداً عن ضجيج السلطة والأيديولوجيا.
ثم جاء الذي لا فرار منه، وداهمنا الرحيل المر في الغربة القسرية، فغادرنا الدكتور حيدر إبراهيم بينما جسدِ الوطن المضيّع مثخنٌ بالجروحِ التي لا تزال غائرةً ونازفة. نعم رحلت يا حيدر ولكن مشروعك لم ولن. نعم شيعك الوطن وإنسانه إلى مثواك الأخير، غيرَ أنَّ الفكرَ لا يُشيَّعُ إلى مقابرِ الغربة، ولا تُوارَى الأفكارُ في الترابِ كما الأجساد. والشعلة التي أوقدتها لتضيء دروب الوعي والاستنارة لجيلك وللأجيال القادمة، ستظل متقدة لا تهمد. ولعل أفضل ما يمكن أن نزودك به وأنت في ارتحالك الأبدي، أن نحفظ تلك الشعلة، وأن نواصل الأسئلة التي عشت من أجلها، وأن نجعل من «مركز الدراسات السودانية»، كما أردت له، منبرا للحوار وحراك الفكر، ومنارة لبث المعرفة والوعي، وحارساً للذاكرة السودانية، ونافذةً على السودان في تاريخه وحاضره ومستقبله. وأن نعمل كما ظللت تعمل من أجل وقف هذه الحرب المجرمة، ويعود السودان الذي ظللنا وأنت معنا نحلم به: سودان تسوده الحرية، وتحكمه الديمقراطية، وتصان فيه كرامة الإنسان، ويجد فيه التنوع مكانه الطبيعي، وينعم أهله بالأمن والسلام والسكينة والاعتدال والتسامح.
٭ كاتب سوداني

















0 تعليق