هل يمكن تصديق الرواية الرسمية المصرية عن «متصدقّش»؟

منذ 59 دقيقة

خلال أقل من ثلاثة أيام (28 إلى 30 أيلول/سبتمبر الماضي)، نفّذت السلطات المصرية عملية اعتقال «بالجملة» لكامل فريق منصّة تحرير «متصدّقش» المؤلف من ستة صحافيين، في القاهرة والغربية وبورسعيد. لم يعلن عن أماكن الاحتجاز للأسر والمحامين، ثم أصدرت وزارة الداخلية روايتها للواقعة لتقرر نيابة أمن الدولة العليا حبسهم 15 يوما «على ذمة التحقيقات»، وبذلك تحوّلت منصة وظيفتها الأساسية التحقق من صحة الأخبار إلى موضوع لاختبار الحقيقة!
تقول الداخلية إن «متصدقش» صفحة غير مرخصة تُديرها من الخارج «اللجان الإعلامية لجماعة الإخوان» المسلمين، وإن فريقها يعد أخبارا «مغلوطة ومفبركة» مقابل تمويل خارجيّ، الأمر الذي نفته المنصّة قائلة إن فريقها يعمل من داخل مصر، وإن رواتب الصحافيين تدفع بعقود رسمية وعبر النظام المصرفي المصريّ، وإن أرشيفها يتضمن عشرات المواد التي دقّقت وفنّدت أخبارا وتصريحات صادرة عن وسائل إعلام محسوبة على الإخوان.
بهذه التهمة المفزعة لصحافيي المنصة المذكورة تزيح وزارة الداخلية المصرية، كالعادة، النقاش عن سكّته المنطقية لينتقل من مسألة صحة المعلومة (التي هي مهمة المنصة كما يشير اسمها)، إلى هوية من أنتجها، وتستبدل السلطات بذلك الأسئلة المهمة من قبيل: أين الخبر المفبرك؟ وما الخطأ الذي ارتكبته المنصة؟ وما هي الأدلة التي بحوزة «الداخلية» لتفنيد ما نشرته؟ و»هل هذا الخبر صحيح»؟ إلى سؤال «لمن تتبع؟».
هذا تحوّل بالغ الدلالة حين يتعلّق الأمر بمنصة لتدقيق الحقائق. لا يفترض مدقق المعلومات، في الأصل، أن يصدق الحكومة أو المعارضة فوظيفته أن يخضع رواية الإثنين للوثيقة والرقم والمصدر. إحدى المفارقات في هذا الخصوص هو تدقيق المنصة مؤخرا روايات مرتبطة بسدّ النهضة وتفنيدها معلومات تداولتها وسائل إعلام محسوبة على معارضي السلطة المصرية.
يوسّع التوقيت الذي حصلت فيه الاعتقالات سؤال المصداقية ويجعله أكبر من قضية الصحافيين الستة. في اليوم الذي بدأت فيه الاعتقالات، 28 أيلول/ سبتمبر، أصدرت محكمة إيطالية حكما غيابيا بالسجن عشر سنوات على ثلاثة مسؤولين أمنيين مصريين بعد إدانتهم بخطف الباحث الإيطالي جوليو ريجيني عام 2016، وهي قضية ظلت طوال عقد تقريبا مجالا لصراع بين الرواية التي قدّمها الأمن المصري للحادثة والتي تنفي مسؤولية الدولة عن مقتله، والتحقيق القضائي الإيطالي.
في الوقت نفسه، دخلت العلاقات المصرية – الإثيوبية حلقة جديدة من التصعيد، على خلفية اتهام القاهرة بدعم متمردي إقليم تيغراي، وصولا إلى تبادل طرد دبلوماسيين، فيما دعت مفوضية الاتحاد الافريقي مصر وإثيوبيا واريتريا إلى «ضبط النفس» وتجنب ما يمكن أن «يفاقم التوتر الإقليمي».
في الصحافة العالمية، طغى خبر اعتقال فريق «متصدّقش» على الخبرين الآخرين، ورغم عدم وجود رابط سببي بين هذه الملفات الثلاثة لكن تزامنها يكشف تراجع مصداقية السلطات المصرية، كما يظهر أن صورتها لا تصنعها بياناتها وحدها، بل قدرتها على جعل روايتها قابلة للفحص والتصديق.
هنا تكمن المفارقة في قضية «متصدّقش»، فالدولة تقول إنها «تحارب الأخبار الكاذبة»، و»المنصة» تقول إن محاربة الأخبار الكاذبة هي مهمتها الإعلامية الأولى، ولو أن الأمور في مصر لا تُدار بمنطق أمنيّ بحت فإن التأكد من أن «متصدّقش» فبركت أخبارا لا يحتاج سوى مراجعة أرشيفها المفتوح، وإذا كان صحافيوها تلقوا تمويلا غير مشروع، أو عملوا لحساب تنظيم سياسي، فهذه اتهامات تختبرها الأدلة والتحقيقات والقضاء، لا البيانات الأمنية التي تعتقل وتحاكم وتحكم في اليوم نفسه!

✎

فريق تحرير الحدث الإخبارية

فريق التحرير في الحدث الإخبارية — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

أخبار ذات صلة

0 تعليق