حتى عهد قريب كان القذافي هو الحاكم الوحيد المعروف بالولع بتغيير الأسماء المألوفة منذ قديم الزمان بلوغا إلى تبديل التقويم ذاته. فهو الذي فرض تغيير أسماء الشهور، معوضا يناير مثلا بأي النار (أو أين النار) وفبراير بالنوار ومايو بالماء ويونيو بالصيف ونوفمبر بالحرث، إلخ. أما التقويم الهجري الذي استقر عليه المسلمون منذ أربعة عشر قرنا فقد استعاض عنه القذافي بالتأريخ بدءا من وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم. وكان معروفا مثلا أن نشرات الأنباء في الإذاعة الليبية كانت تسمي كامب ديفيد «إسطبل داوود»، وتطلق على حكام بعض دول الخليج ألقابا يُقصد منها الشتيمة وليس التسمية. كما لا يمكن نسيان اعتراضه على دولة سويسرا اسما ورسما لما دعا إلى تقسيم أراضيها بين فرنسا وألمانيا وإيطاليا! وقد كان السبب الوجيه هو حنقه من تحقيق الشرطة السويسرية في جنيف مع ابنه هانيبال (الذي صار، بإرادة والده، سَمِيّا لشهر كان يعرف في سالف العهد والأوان باسم أغسطس) بعد شكوى الاعتداء بالعنف التي رفعتها المُعِينة المنزلية عليه وعلى زوجته. وقد نشرت كتابات تريد الإقناع بأن «الأخ القائد» كان يصدر عن رؤية ثورية متمردة على سلطة الثقافة الغربية وسلطة الثقافة الإسلامية التقليدية وساعية للتأسيس لوعي جديد. ولكن ما استقر في أذهان كثير من العرب هو أن الرجل، الذي كانت أقصر خطبه تستغرق ثلاث ساعات، لم يكن بقادر على الفعل الخيّر في الواقع، بمعنى الإنجاز المدروس المفيد لشعبه وأمته، فانكفأ على الكلمات والأسماء يوسعها ضربا «ثوريا».
إن احتكار «التبديل الاسمي» الذي كان يمارسه القذافي قد انتهى تاريخيا منذ أن هلّ نجم ترامب السعيد على كوكبنا المسكين
وأيا كان الأمر، فإن احتكار «التبديل الاسمي» الذي كان يمارسه القذافي قد انتهى تاريخيا منذ أن هلّ نجم ترامب السعيد على كوكبنا المسكين. فهذا رجل يحاول أن يلصق اسمه بمؤسسات متنوعة، مثل المعهد الأمريكي للسلام ومركز كنّدي للفنون الأدائية ومحطة بنسلفانيا للقطارات في نيويورك ومطار دالس في واشنطن، وبأشياء شتى تشمل بطاقات الائتمان والبواخر والطائرات الحربية. ويجري كل هذا بالاقتران مع قراراته، أو محاولاته، المتتالية تغيير أسماء الجغرافيا الطبيعية والسياسية، مثل تبديل اسم ولاية نيومكسيكو إلى ولاية نيوأمريكا، وقناة بنما إلى قناة أمريكا. وقد مضى به الأمر أخيرا إلى حد القول «إن لدينا خليجا ولدينا بحيرة، وكل ما نحتاجه الآن هو محيط»، أي أن نفسه قد أخذت تسول له تبديل اسم المحيط الأطلسي أو الهادئ بنسبته إلى بلاده بعد أن بدّل اسم خليج المكسيك إلى خليج أمريكا وبحيرة أونتاريو الكندية إلى بحيرة أمريكا.
ولأن الأمر يتعلق بإطلاق الأقوال جزافا وبالاستعاضة عن عدم القدرة على الفعل في الواقع (انظُر، مثالا من بين أمثلة كثيرة، فشله الذريع حتى الآن في حرب كان يزعم أنها لن تدوم أكثر من يوم، ثم أسبوع، ثم..) بالإكثار من الحركات والعمليات التي لا موضوع لها إلا الأسماء والكلمات، فإنه نشر أخيرا قائمة تفاضلية لرؤساء الولايات المتحدة تشمل العظماء، ومن يدانون العظماء بعض المُداناة، والمتوسطين، ومن هم أقل من ذلك، والفاشلين. ويأتي ضمن العظماء في الترتيب الترامبي أبراهام لنكولن وجورج واشنطن وفرانكلن روزفلت وودرو ويلسون وتوماس جيفرسون، ويأتي بيل كلنتون ضمن المتوسطين، بينما يشمل صنف الفاشلين أمثال جو بايدن وباراك أوباما وجيمي كارتر. أما في صنف «الأعظم» الذي يعلو على الجميع، فليس ثمة بطبيعة الحال إلا اسم وحيد: إنه (ولا جائزة لصاحب الجواب الصحيح، كما يقول التعبير الإنكليزي) عظيم العظماء دونالد ترامب.
على أنه قد عنّ بعد ذلك بأيام للاعب الأسماء أن يغير اللعبة استجابة، ربما، لإشارة الحاشية عليه بأن من غير المعقول ألّا يكون في ترتيبه أي ذكر لرؤساء جمهوريين محبوبين في التاريخ الأمريكي المعاصر مثل دوايت أيزنهاور ورونالد ريغان. ولهذا فإن الترتيب الترامبي الجديد قد سلك هذين الرئيسين في صنف القريبين من العظماء، كما أضاف كنّدي ونيكسون، ولكن في صنف المتوسطين! أي نعم، كنّدي متوسط ليس إلا… ويبدو أن لا علم لأعظم العظماء بأن المؤرخين وباحثي العلوم السياسية الأمريكيين نشروا قبل عامين أحدث ترتيب تفاضلي للرؤساء الخمسة والأربعين، وأن لنكولن هو الذي أتى في الصدارة، يتبعه أفذاذ مثل روزفلت وواشنطن وجفرسون. أما الذي فاز بالدرك الأسفل من الترتيب بكل جدارة فهو، بالطبع والبداهة، دجّال الثَّقليْن رئيس الغفلتيْن (الحالم جهارا بغفلة ثالثة) رقيع الزمان الترامبي.
٭ كاتب تونسي
- أيها السوريون: لا تجدعوا أنوفكم نكاية بوجوهكم!
- الموسيقى وفلسفة التناغم.. ميتافيزيقا الواحد الذي لا يفني الكثرة
- هل يمكن تصديق الرواية الرسمية المصرية عن «متصدقّش»؟
- الجماهير الفرنسية تستقبل زيدان بحماس كبير في ملعب “ستاد دو فرانس”
- توجيه الاتهام إلى إيرانيَّين بالتخطيط لعمل إرهابي ضد الجالية اليهودية في مانشستر


















0 تعليق