ليل افريقي.. نيروبي تحت أنوار خافتة

منذ ساعة

تحدثني إيمانويلا عن شغفها بالموسيقى. إنها شابة في أواسط العشرينيات من العمر، هجرت من بلدتها الساحلية المسماة كيليفي وحلت بالعاصمة نيروبي. «أبحث فيها عن مكانة لي». تبدو كينيا مثل الجزائر، لا مكانة فيها للمبدع إذا لم يكن له موطأ قدم في عاصمة البلاد. أصدرت إيمانويلا ألبوما أول بعنوان «سفاري»، «بفضل هذا الألبوم دخلت للمرة الأولى إلى أستديو تسجيل»، تضيف، وأهدتني نسخة منه. تقضي جل وقتها وهي تتأبط قيثارة وتطوف بين حفلات مرتجلة، أو في أداء وصلات في الشارع بما يتيح لها جمع بعض النقود ودفع إيجار الشقة التي تسكن فيها. «عندما وصلت إلى نيروبي أول مرة لم أكن أعرف أحدا»، تصارحني. لا تفارق آلتها ولم تتخل عن حلمها، لا تزال ترغب في إقامة حفل كبير لها وسط المدينة، لم تتعب إلى أن صارت محاطة بعشرات الأصدقاء، وجلهم من الموسيقيين مثلها. وتسألني عن الحال في الجزائر، عن فرضية الهجرة إليها قصد أن تواصل حلمها في الموسيقى، ونصحتها بأن تفعل، مع أنني لم أكن متأكدا من كلامي. ماذا يضر الشاب أو الشابة في مقتبل العمر من الهجرة؟ بل إن الهجرة قدر كل المبدعين الصادقين مع أنفسهم.
حدثتها عن فنانين كحالها، نجحوا لأنهم غامروا، ووعدتها بأن أصغي إلى ألبومها حال عودتي إلى البيت وقد فعلت ذلك. ووجدت فيه ما يستحق الإشادة، على الرغم من حداثة سنها. ثم مضيت في طريقي بعدما ودعتها ورأيتها تنصرف إلى حفلة في حي يسكنه طلبة الجامعة. مشيت تحت ليل نيروبي، في هذه المدينة التي يخفي هدوؤها ضجيجا مكتوما، يبدو أنها مدينة تتستر على أسرارها. وفي الشارع يمكن أن نقابل بشرا من ذوي البشرة الملونة ويحاذيهم آخرون من ذوي البشرة البيضاء. إنها مركز تقاطع، فقد ألغت كينيا التأشيرة، والوصول إليها بات سهلا على الأجانب، كما تتجاور فيها مقار هيئات أممية وتنظميات دولية، بما يبرر كثرة الأجانب بين جنباتها. يمكن أن نقابل فيها بريطانيين وأمريكيين وسويديين وألمانا وفرنسيين وغيرهم. نشعر فيها وكأننا في بقعة كوسموبوليتية، وليست افريقية فحسب، تطغى على لسان ساكنتها، وكذلك المقيمين فيها اللغة الإنكليزية، مع أن لغة البلاد الأولى هي السواحلية، لكن من يتلصص على الألسن سوف يتلقط كذلك لغات أوروبية أو عربية أو أمهرية وغيرها من اللغات.

لا أظنني زرتُ بلدا افريقيا يحتضن هذا العدد الكبير من اللغات. وتحت الأرصفة تبدو الإنارة خافتة، لكنها تكفي كي يرصد المارة ما يدور من حولهم. يتصل بي صديق ويعرض عليّ أن نقوم بجولة بسيارة فأعتذر له بلطف. أفضل السير على قدمي في تلمس الحياة والتلصص عليها، أفضل الاختلاط بدل الانكفاء في مقعد مركبة. وتوجهت إلى وسط المدينة حيث لا تهدأ الحركة. تذكرت حالي في الجزائر، حيث المدينة تنام بمجرد أن يلوح الظلام. عكس الحال في نيروبي. وقد أوصاني أحدهم في الفندق الذي أقمت فيها، بأن لا أكثر التجوال ليلا، معللا بأن بعض الأمكنة غير آمنة، وأن من المحتمل أن أصادف فيها نشالا أو قطاع طرق. لكنني شاهدت العكس، والناس في هرج يطوفون بين الأرجاء. ولا بد أن النصيحة التي سمعتها لا تطابق الواقع، أو هكذا خيل إليّ. إلى جانب طاولات الأسماك كان الباعة جلهم من النساء، يدعون المارة إلى بضاعاتهم، ومحال تشهر أضواء ملونة وخافتة كذلك في استمالة زبائن، بينما السوبر ماركت يؤجل إغلاق أبوابه إلى ساعة متأخرة، سيارات تعبر الطرق، والسياقة في نيروبي لا تخلو من المخاطرة، فاحترام قانون السير ليس من الأولويات، رأيت أطفالا يتسامرون في إحدى الزوايا وامرأة تحمل سلة خضراوات على رأسها وتعبر الطريق.

قابلت بياتريس، وهي مستشارة ثقافية. بمجرد أن عرفت أن جزائريا في المدينة حتى سارعت إلى مقابلتي، تحمل في يدها إسوارة عليها علما كينيا والجزائر، وبادرتني بكلمات من العامية إلى درجة ظننت أن أحد والديها من بلدي. ثم اقترحت عليّ تناول كوب من عصير قصب السكر. لم يسبق أن جربت هذا الشراب، لكنني لم أندم على فعلتي، لأن مذاقه يدوم في اللسان، مخلوطا بالليمون والزنجبيل. حدثتني عن حياتها في وطنها وعن رغبتها في إنشاء بيت للمبدعين، بما يتيح لهم مكانا للكتابة والرسم والتفكير، حدثتني عن رحلاتها إلى أوروبا وعن جولتها المقبلة في هنغاريا في مهرجان للسينما، كما كلمتني عن رحلتها المطولة إلى الجزائر بين ساحل وصحراء، عن صعوبة تواصلها مع الناس في الجزائر بسبب اللغة الإنكليزية وعن الأيام المشمسة التي قضتها في مستغانم. «في بلدك كانوا ينادونني مباركة»، ضحكت. ثم افترقنا وواصلت سيري في أحشاء نيروبي، في أزقتها الخلفية. في عكس اتجاه الأبراج التي يقيم فيها الأجانب. وقابلت شبابا يحملون كشافا ضوئيا ويصورون فيديو كليب تحت عمارة. أرى كذلك كلابا مشردة تلهو من غير أن تضايق المارة. المقاهي كانت مفتوحة والمطاعم كذلك، وفي إحداها صادفت نفرا من الجالية العربية المقيمين هناك، غالبيتهم من الأطباء أو المهندسين أو أساتذة جامعيين.

كانوا يلتفون حول طاولة، يتبادلون الكؤوس ويتناولون الطعام. «هل سبق أن تناولت لحم تمساح؟»، مازحني أحدهم. أجبت بالنفي، ففي كينيا يمكن أن نصادف العجائب وما لم يخطر على بال بشر. تعرفتُ على فنان تشكيلي، في الأربعينيات من العمر، وأصر عليّ أن أزور محترفه، الواقع في شقة صغيرة تعج باللوحات والألوان. حكى لي عن مساره، عن هجرته إلى أوربا ثم العودة منها. «إن سوق الفن في كينيا أفضل حالا مما عليه في بعض البلدان الأوربية»، قال لي. وهذه من المرات النادرة التي نسمع فيها أفريقيا تتفوق على أوروبا في مجال بعينه. وهذا الفنان يعرض لوحاته في غاليرهات ويكسب منها ما يعينه على عيش مريح في نيروبي، بل إن أرباحه جعلته يفكر في نقل المحترف إلى شقة أوسع وبإيجار أعلى. حدثني عن معارض مقبلة سيشارك فيها، وعندما خرجت كانت زخات المطر قد شرعت في الهطول، والأرصفة تلمع تحت عتمة الليل. داهمني الجوع وخمنت أن الوقت قد فات كي أعثر على مطعم أو محل بيع مأكولات، وأن الناس قد انصرفت إلى النوم. لكن تخميني لم يكن صائبا، بل عثرت على محال مفتوحة في تلك الساعة، واقتنيت مرادي، ثم قفلت عائدا إلى الفندق، أرتجي بضع سويعات من النوم، ففي اليوم التالي كانت تنتظرني محاضرة أدبية في المسرح الوطني في نيروبي.

كاتب جزائري

✎

فريق تحرير الحدث الإخبارية

فريق التحرير في الحدث الإخبارية — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق