من غوطة دمشق إلى غزة… ماذا تغيّر لدى إد ميليباند؟

منذ 2 ساعة

أعادت كلمة إد ميليباند أمام مؤتمر حزب العمال، واعترافه بأن الحزب فشل في الاستماع إلى أصوات المناصرين للقضية الفلسطينية، إلى الذاكرة محطة مفصلية وقعت قبل ثلاثة عشر عاما، وتحديدا في أواخر آب/أغسطس .2013
يومها، عقد البرلمان البريطاني جلسة استثنائية لمناقشة الرد المحتمل على استخدام بشار الأسد الأسلحة الكيماوية ضد شعبه في الغوطة. طالت الجلسة لأكثر من سبع ساعات واحتدم النقاش، وكان جليا أن فارقا ضئيلا من الأصوات سيحسم القرار في سجال محتدم بين حكومة المحافظين بقيادة ديفيد كاميرون آنذاك، والمعارضة بقيادة إد ميليباند. لم تكن تلك الجلسة مفصلية للموقف البريطاني فحسب، بل كانت محطة حاسمة وجّهت مسار إدارة أوباما في التعاطي مع الأزمة، ورسمت ملامح الموقف الدولي بأسره حيال تلك الجريمة.

يقف إد ميليباند، بعدما دارت عجلة السياسة لتعيده إلى الصفوف الأولى وزيرا للخارجية، ليعلن مسارا جديدا ينتهجه حزب العمال الحاكم حاليا حيال القضية الفلسطينية والمآسي الإنسانية في غزة والضفة الغربية

وفي غمرة التنافس الحزبي بين العمال والمحافظين، اختار ميليباند الضغط على نواب كتلته، حتى أولئك الذين أيدوا مشروع القرار، مفضلا تسجيل النقاط الانتخابية في مرمى خصمه. وعوضا عن الالتفات إلى صرخات الأمهات الثكالى في الغوطة، وجّه بصره نحو ردهات ويستمنستر، التي تحدد خيارات النواب ومصير الجلسة. أراد حينها تصوير كاميرون في مظهر المتهور الذي يقحم بريطانيا في مستنقع جديد شبيه بغزو العراق. وللأسف، ومع انتصاف الليل، نال ما أراد! إذ رفض مجلس العموم اقتراح الحكومة الذي كان يمكن أن يمهد لعمل عسكري بريطاني ضد النظام السوري، بفارق 13 صوتا، ليقف كاميرون بعد منتصف الليل معلنا الامتثال لإرادة البرلمان بالعزوف عن أي تدخل عسكري في سوريا.
في اليوم التالي مباشرة، أعلن أوباما تريثه وإحالة الملف إلى الكونغرس، ما دشن مرحلة تمييع المحاسبة الدولية، التي التقطها النظام الأسدي كضوء أخضر لمواصلة استخدام الكيماوي والفتك بالمدنيين دون رادع. كان ذلك فاتحة الفراغ الذي استغلته داعش أولا، ثم التدخل الروسي ثانيا، والذي قاد بدوره إلى نزوح ملايين السوريين. ورغم استحالة الجزم بما كانت ستؤول إليه التطورات الميدانية لو مضى القرار، فإنه يصعب تجاهل «أثر الفراشة» لتصويت تلك الليلة؛ ليلة غيّرت مجرى الأحداث، وفتحت الباب بعد سنوات قليلة أمام لجوء أكثر من مليون سوري إلى أوروبا، في ذروة أزمة الهجرة واللجوء التي استثمرها نايجل فاراج في حملة «بريكست»، وبلغت ذروتها في ملصقه الشهير «Breaking Point»، الذي أظهر طابورا من المهاجرين واللاجئين على الحدود الكرواتية-السلوفينية.
وهكذا ارتدت المحرقة السورية وظاهرة نزوح السوريين لتطيحا بالرجلين: بميليباند، بطريقة غير مباشرة عام 2015 عقب خسارة الانتخابات أمام كاميرون تحت ضغط الهجرة وإرهاصات «بريكست»، ثم بديفيد كاميرون بصورة مباشرة عام 2016 عقب فشله في إيقاف حملة «بريكست»، في مفارقة تاريخية، ربما لم تكن لتحدث لو تعاون كلاهما على صياغة موقف واضح ومبكر من المأساة السورية.
معركة لتسجيل النقاط الحزبية دفع الشعب السوري ثمنها غاليا. وقد كتب كاميرون في مذكراته الصادرة عام 2019 أنه أدرك يومها كيف أضافت حرب العراق وإرثها الثقيل ضحايا سوريين إلى قائمة تبعاتها، فلم تقتصر خسائرها على الأرواح في العراق، بل امتدت لتطال السوريين بعد أكثر من عقد.
وحتى عندما واجهه أحد زملائه في الحزب بموقفه ذاك، بعد ثلاثة أيام من سقوط النظام السوري في ديسمبر/كانون الأول 2024، أصر ميليباند على أنه غير نادم على قراره، متذرعا بغياب البديل الميداني والتبعات الكارثية للتدخل في ليبيا.
وتشاء المفارقة السياسية أن تدور الأيام ليعود الخصمان اللدودان إلى الواجهة كوزيري خارجية لبريطانيا بعد أن كانا زعيمين لحزبيهما قبل عقد من الزمان، لكن بسلوكين متباينين تماماً تجاه مأساة غزة. عاد ديفيد كاميرون أولاً في أواخر عام 2023 وزيراً للخارجية في ذروة الحرب على غزة، ليتكشف لاحقاً أنه أُحيط علماً بانتهاكات جسيمة وشبهات جرائم حرب، فاختار تجاهل تلك التحذيرات وغض الطرف عنها انسجاماً مع التوجه السياسي لحكومته. واليوم، يعود إد ميليباند إلى الحقيبة ذاتها، لكنه يقف معلنا مسارا مغايرا، معترفا بفشل الحزب في الاستماع لأصوات مناصري فلسطين، وساعيا مع قيادة الحزب برئاسة أندي بيرنهام لإعادة توجيه البوصلة. غير أن هذا التحول يضعنا أمام تساؤل مشروع: هل أدرك ميليباند ولو متأخرا، أن المساومة على المبادئ الإنسانية لا تجلب مكسبا أخلاقيا ولا حتى رصيدا انتخابيا مستداما، أم أنه مجرد تماشٍ براغماتي جديد مع تحولات المزاج الحزبي وضغوط قواعد العمال؟

وأياً تكن الإجابة، يبقى السؤال الأعمق: هل يشفع له هذا الاعتراف المتأخر عن خطيئته الكبرى قبل ثلاثة عشر عاما؟

كاتب سوري

✎

فريق تحرير الحدث الإخبارية

فريق التحرير في الحدث الإخبارية — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق