الجزائر- “القدس العربي”: شهدت الدورة الأخيرة للجمعية العامة للأمم المتحدة تحولا في خطاب دول الساحل، خاصة النيجر ومالي، تجاه الجزائر، عكس العام الماضي حيث كانت بعض الخطابات هجومية واتهامية، أكد ممثلو البلدين هذه المرة وجود واقع جديد في العلاقات، من خلال الإشادة بالتعاون والتضامن مع الجزائر، والدعوة إلى تعزيز الحوار وإعادة بناء الثقة.
ويبرز هذا التوجه من خلال تصريحات الوزير الأول النيجري علي محمد لمين زين، الذي أشاد بـ”المرافقة” الجزائرية لبلاده، مؤكدا خلال الخطاب الذي ألقاه في إطار النقاش العام للأسبوع رفيع المستوى للدورة 81 للجمعية العامة للأمم المتحدة، أن النيجر تمكنت من الصمود أمام مختلف التحديات بفضل تضحيات أبنائها والتضامن بين دول الساحل، وكذلك بفضل وقوف الجزائر إلى جانبها.
وقال المسؤول النيجري إن بلاده “واقفة على قدميها لأن الجمهورية الجزائرية الديمقراطية والشعبية، البلد الشقيق والجار، اختارت أن ترافقها”، مشيرا إلى أن هذه المرافقة تشمل استثمارا مهما في استغلال الموارد الطبيعية، إلى جانب الدعم المستمر لنظامها الدفاعي.
وأوضح أن العلاقات بين الجزائر والنيجر تقوم على “تعاون ديناميكي” يشمل الصحة والتعليم والطاقة والموارد المائية والزراعة، فضلا عن مشاريع ذات بعد إقليمي، على غرار مشروع أنبوب الغاز العابر للحدود بين نيجيريا والنيجر والجزائر، والطريق العابر للصحراء.
وكانت الجزائر قد أشرفت على إنجاز محطة لتوليد الكهرباء بقدرة 40 ميغاواط في العاصمة نيامي، إضافة إلى التعاون في مجال استغلال الموارد النفطية، ولا سيما مشروع “كفرا”، حيث أطلقت الجزائر والنيجر في أغسطس الماضي أعمال الحفر الاستكشافي لبئر “كفرا جنوب شرق 1”.
وجاءت هذه التصريحات بالتزامن مع مشاركة وزير الشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج والشؤون الإفريقية أحمد عطاف في اجتماع خصص لموضوع “الأمن والتنمية في الساحل، حالة فدرالية دول الساحل”، على هامش أشغال الجمعية العامة للأمم المتحدة.
وأكد عطاف، في كلمته، “عمق الروابط التاريخية” التي تجمع الجزائر بدول الجوار الساحلي، والتزام بلاده بدعم أواصر الأخوة والتضامن وحسن الجوار والتعاون في مختلف المجالات، بما يستجيب لتطلعات شعوب المنطقة في التنمية والاستقرار والرفاه.
عطاف يؤكد عمق الروابط التاريخية التي تجمع الجزائر بدول الجوار الساحلي، والتزام بلاده بدعم أواصر الأخوة والتضامن وحسن الجوار والتعاون في مختلف المجالات
كما جدد التأكيد على “التزام الجزائر الثابت والجلي باحترام سيادة دول الساحل واستقلالها ووحدتها الترابية وحقها في تحديد الطرق الكفيلة بضمان أمنها وتنميتها بالتعاون مع شركائها وبعيدا عن كل تدخلات خارجية”.
وفي السياق ذاته، شدد عطاف على مقاربة الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، والقائمة على الترابط بين الأمن والتنمية لمواجهة التحديات متعددة الأبعاد التي تواجه دول المنطقة.
وفيما يتعلق بمالي، أجرى عطاف على هامش الدورة الأممية محادثات مع وزير الخارجية والتعاون الدولي المالي عبد الله ديوب، في لقاء يكتسي أهمية خاصة بالنظر إلى أن الأخير كان أحد أبرز المسؤولين الذين تبنوا خطابا حادا تجاه الجزائر خلال الأزمة التي طبعت علاقات البلدين خلال الفترة الماضية.
وأفاد بيان الخارجية الجزائرية بأن الوزيرين نوها بـ”الديناميكية الإيجابية الحالية” التي تميز العلاقات بين الجزائر ومالي، واعتبراها تكريسا للإرادة القوية للرئيس عبد المجيد تبون ورئيس المرحلة الانتقالية ورئيس الدولة في مالي العقيد آسيمي غويتا، من أجل “تصويب مسار العلاقات الثنائية وتعزيز التفاهم والثقة المتبادلة”.
واتفق الجانبان، وفق المصدر ذاته، على ضرورة الانتقال خلال المرحلة المقبلة إلى إعداد خارطة طريق تحدد أولويات التعاون في مختلف المجالات والإجراءات الواجب اتخاذها بهذا الخصوص.
وتأتي هذه الخطوة بعد سلسلة من الاتصالات والزيارات التي كرست خلال الأشهر الأخيرة مسارا جديدا في العلاقات الجزائرية المالية. فقد زار الوزير الأول المالي عبد الله مايغا الجزائر في أغسطس الماضي، حاملا رسالة من غويتا إلى الرئيس تبون، قبل أن يتوجه الوزير الأول الجزائري سيفي غريب إلى باماكو في زيارة صداقة بتكليف من الرئيس تبون، وهي أول زيارة لوزير أول جزائري إلى مالي منذ تولي غويتا السلطة.
وخلال زيارته، استقبل غريب من طرف غويتا، وأجرى محادثات مع مايغا وأعضاء وفدي البلدين، حيث بحث الجانبان إعادة تفعيل التعاون المؤسساتي وتحديد مجالات التعاون ذات الأولوية، إلى جانب التحديات التي تواجه البلدين والمنطقة.
وأعلن خلال الزيارة عن الاستعداد لإعادة تفعيل آليات التعاون المؤسساتي، وعلى رأسها اللجنة الكبرى المشتركة للتعاون، بما يسمح بتحديث وتعزيز الإطار القانوني للعلاقات الثنائية. كما طرحت الجزائر مشاريع التعاون الإقليمي، وفي مقدمتها الطريق العابر للصحراء والوصلة المحورية العابرة للصحراء للألياف البصرية.
كما حملت الزيارة تطورا سياسيا تمثل في ترسيم زيارة مرتقبة للرئيس المالي آسيمي غويتا إلى الجزائر، بعد دعوة نقلها إليه غريب باسم الرئيس تبون. ووصف غويتا الزيارة المنتظرة بأنها “محطة مفصلية في ترسيخ الديناميكية الجديدة” للعلاقات بين البلدين، مؤكدا إرادته مواصلة العمل المشترك للارتقاء بها.
من جانبه، أكد مايغا رغبة بلاده في أن تؤدي إعادة بعث العلاقات إلى “ديناميكية مستمرة ومستدامة”، مستحضرا التاريخ والجغرافيا المشتركين، وداعيا إلى “تجديد الرؤية المشتركة” بين قائدي البلدين.
ويأتي هذا التقارب بعد أزمة دبلوماسية حادة استمرت لأكثر من عام، بدأت بشكل واضح عقب قرار السلطات المالية في يناير 2024 إنهاء العمل باتفاق السلام والمصالحة في مالي الموقع سنة 2015 برعاية جزائرية. وكانت الجزائر قد جعلت من الاتفاق إطارا رئيسيا لوساطتها بين الحكومة المالية والحركات المسلحة في شمال البلاد.
وتصاعد الخلاف خلال 2024، قبل أن يبلغ مستوى أعلى في أبريل 2025 عقب حادث إسقاط طائرة مسيرة مالية قرب الحدود. وقالت الجزائر إن قوات دفاعها الجوي أسقطت الطائرة بعد اختراقها المجال الجوي الجزائري، بينما رفضت باماكو الرواية الجزائرية واتهمتها بإسقاط الطائرة داخل الأراضي المالية.
وأعقب الحادث تبادل إجراءات دبلوماسية، شملت سحب السفراء، كما أعلنت الجزائر إغلاق مجالها الجوي أمام الرحلات القادمة من مالي والمتجهة إليها. وانتقل الخلاف كذلك إلى المنابر الدولية، حيث كانت الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2025 منصة لاتهامات حادة وجهتها مالي للجزائر.
غير أن الأشهر الأخيرة شهدت إجراءات عملية باتجاه إعادة العلاقات إلى مسار الحوار، من بينها عودة السفراء وإعادة فتح المجال الجوي بين البلدين في يوليو الماضي، بعد أكثر من عام على إغلاقه.
وفي النيجر أيضا، تعزز التعاون الجزائري خلال الفترة الأخيرة، سياسيا وأمنيا واقتصاديا. ففي خضم محاولة الانقلاب الأخيرة التي شهدتها نيامي، أكدت الجزائر دعمها للسلطات النيجرية، فيما أبلغ الرئيس عبد الرحمن تشياني نظيره الجزائري خلال اتصال هاتفي بأن الوضع في بلاده أصبح “تحت السيطرة التامة”.
وخلال تلك الأزمة، أرسلت الجزائر أربع طائرات قتالية من طراز “سوخوي سو-30” إلى نيامي، مرفوقة بطائرة للتزود بالوقود جوا، استجابة لطلب القيادة النيجرية وفي إطار التعاون الاستراتيجي بين البلدين، إلى جانب التعاون العسكري السابق الذي شمل تسليم الجيش النيجري هبة من أربع مروحيات وذخائر وقطع غيار ومعدات صيانة ودعم لوجستي.
كما شاركت الجزائر والنيجر مؤخرا في عملية تحرير مواطن ألماني كان مختطفا في النيجر، قبل نقله عبر قاعدة عين قزام إلى الجزائر وتسليمه للسلطات الألمانية.
وتتزامن هذه التطورات مع استمرار المشاريع الاقتصادية والاستراتيجية بين الجزائر والنيجر، وفي مقدمتها مشاريع الطاقة والموارد الطبيعية والطريق العابر للصحراء وأنبوب الغاز، بما يضيف إلى التعاون الأمني والسياسي أبعادا اقتصادية وإقليمية.
- وكيلة «العدل»: مكافحة الجريمة مسؤولية تكاملية تقوم على التعاون الدولي والتشريعات الوطنية
- ديوان بوخمسين يعاود استقبال رواده غداً الإثنين
- تنسيق عراقي - كويتي استباقي لمكافحة المخدرات وأمن الحدود.. والعراق لن يكون مصدر تهديد للجوار
- «المعلمين» تواصل استعداداتها لمؤتمرها التربوي الـ 46
- «إسكان المرأة»: توزيع 370 بيتاً في «تيماء» و«الصليبية» للمواطنات.. والتحديث مستمر حتى 19 أكتوبر


















0 تعليق