الغارديان: كلما خفتت الأضواء عن ترامب زاد خطره وتهوره

منذ 2 ساعة

لندن- “القدس العربي”: نشرت صحيفة “الغارديان” تقريرا أعده ديفيد سميث من واشنطن، قال فيه إن خطر الرئيس دونالد ترامب يزداد كلما تراجعت سلطته.

وقال إن ترامب هدد يوم الثلاثاء أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة بإبادة إيران. ومع ذلك، حتى مع استعراض أقوى رجل في العالم لقوته العسكرية، فقد كان عاجزا عن كبح جماح ضغوط السياسة الداخلية. وعند دخوله مبنى الأمم المتحدة في نيويورك، وجهت مراسلة شبكة “سي إن إن” كايتلان كولينز، أسئلة له، مع أنه كان قد منعها من دخول حرم البيت الأبيض قبل أن يصدر قاض حكما ضده. فرد الرئيس البالغ من العمر 80 عاما بانفعال: “أنا متفاجئ من وجود سي إن إن هنا لتغطية أخباري، لا ينبغي لكم أن تكونوا هنا”.

وكان هذا الهجوم اللاذع بمثابة تذكير بأنه حتى ترامب، الذي وسع صلاحياته التنفيذية وهيمن على الوعي الوطني، يجد بعض الأمور خارجة عن سيطرته.

في الواقع، وبعد مرور 20 شهرا على ولايته الثانية، تتسع الفجوة بين شعور الرئيس بالحصانة وبين حقيقة نفوذه المتزايد.

وتقوم المحاكم الفدرالية بتقييد سلطته، فيما يخرج الجمهوريون في الكونغرس عن المألوف وتتراجع شعبيته إلى مستويات تاريخية متدنية، مدفوعة بالتضخم المستمر وارتفاع أسعار الوقود والحرب الإيرانية التي تزداد شعبيتها انخفاضا. ولأول مرة منذ عودته السياسية غير المتوقعة، بدأت هالة السلطة التي يتمتع بها ترامب بالتلاشي.

وقد تنبأ ريك ويلسون، الاستراتيجي الجمهوري المخضرم، قائلا: “هذه بداية النهاية وهذا هو الانحدار، فعلى الرغم من قوته وجرأته، لا تحمل البلاد نظرة إيجابية له في الوقت الراهن. في الواقع، وصل التشاؤم والسلبية بين الناخبين إلى مستوى غير مسبوق منذ عهد جيمي كارتر”.

وأضاف سميث أن ثقة ترامب بنفسه لم تتزعزع أبدا، فقد واجه أربع قضايا جنائية ومحاولتي اغتيال قبل فوزه بانتخابات عام 2024. لطالما آمن بمقولة: “كل شيء سينتهي على خير”، فيما ارتدى أنصاره قبعات كتب عليها: “كان ترامب محقا في كل شيء”.

ومع ذلك، فقد مر بشهر عصيب وتحداه مجلس الاحتياطي الفدرالي بشأن أسعار الفائدة وأوقفت المحكمة العليا محاولة إدارته فرض قيود جديدة على التصويت عبر البريد في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في تشرين الثاني/ نوفمبر ومنعه أحد القضاة من إضافة اسمه إلى مركز كينيدي، ما دفعه إلى تهديد المركز الفني الوطني بالهدم، بينما أوقف قاض آخر حظره على ثلاث وسائل إعلام من دخول البيت الأبيض، وأمر الإدارة “بالعودة الفورية لها وإعادة تفعيل” وصولها.

والآن، حتى قاعدة ترامب الشعبية، الحزب الجمهوري، بدأت تظهر علامات التصدع وسط مخاوف من أن يتسبب في خسارتهم لمقاعد في انتخابات تشرين الثاني/نوفمبر. في ولاية فلوريدا، مسقط رأسه، قام المرشح لمنصب حاكم الولاية بايرون دونالدز بهدوء بحذف معظم الإشارات إلى ترامب من موقع حملته الانتخابية، بينما قامت عضوة الكونغرس ماريا إلفيرا سالازار ببث إعلانات حملتها الانتخابية معلنة صراحة أن تطبيق قوانين الهجرة الفدرالية قد “تجاوز الحد” ومؤكدة أن الناخبين اللاتينيين “يشعرون بالخيانة”.

ويرى ويلسون، أحد مؤسسي مشروع لينكولن، وهي جماعة مناهضة لترامب، فيما يحدث داخل ممثلي الجمهوريين في الكونغرس بأنهاعقلية القطيع ويقرن الحالة الراهنة بأحداث فيلم وثائقي عن الحياة البرية.

ويقول: “يحتاج الأمر إلى تعليق صوتي من ديفيد أتينبرا. إنه أشبه بالغزلان التي تجوب السافانا، إنها تستشعر الريح الآن وتشم رائحة شيء ما تعلم أنه مفترس، لكنها لا تعرف ماذا تفعل حياله بعد. ولم تدرك أنه المفترس الذي كان بينها طوال الوقت، فعامل الخطر الذي يواجهونه الآن هو ترامب”.

وقال سميث إن الجمهوريين وعلى مدى عقد تقريبا، حافظوا على موقف الخانع، خوفا من مواجهة منافس في الانتخابات التمهيدية أو منشور لاذع على موقع “سوشيال تروث”، ولكن مع اقتراب الانتخابات وتأرجح السيطرة على الكونغرس، باتت غريزة البقاء تتغلب بسرعة على الولاء للرئيس. ومن هنا يقول ويلسون: “لقد وصلنا الآن إلى نقطة لم يعد فيها السحر يجدي نفعا، لا يوجد أي مكسب سياسي من رئيس لا تتجاوز نسبة تأييده 29% في بعض استطلاعات الرأي، ويقف على حرب مدمرة وانتهى به الأمر إلى رفع أسعار الطاقة والغذاء، كل هذه الأمور لا يمكن تجاهلها. وربط الناخبون الآن كل هذه القضايا ببعضها البعض، فهم يربطون الحرب بترامب ويربطون أسعار البنزين بترامب ويربطون أسعار المواد الغذائية بترامب”.

ويعتقد ويلسون بأن هذا يخلق حلقة مفرغة. فـ”كلما أصبح ترامب تهمة للحزب، تصرف بعدائية متزايدة. وكلما طالب بالولاء من الناس ولم يحصل عليه، فاقم من طلبات الولاء. ولعقد من الزمان، منحه الحزب كل ما يريد، والآن يدفعون ثمن كل هذا، وقرروا أن الأمور أصبحت معقدة أكثر مما يجب”. وفي مواجهة تراجع سلطته وبيئة اقتصادية معادية، عاد ترامب إلى أساليبه المعهودة: إثارة الجدل وافتعال الصراعات الثقافية والهجوم الشرس على الصحافة. ​​وقد اعتبر النقاد قراره الأخير بمنع شبكة سي إن إن وأم أس ناو ومجلة بوليتيكو من دخول البيت الأبيض بعد اتهامات بتغطية معادية بأنه ينم عن إحباط عميق وليس بالضرورة استعراضا للقوة.

ولكن الإدارة ترفض هذه الاتهامات وتصر على أن أجندة الرئيس ناجحة. وقال ديفيس إنغل، المتحدث باسم البيت الأبيض، في رسالة بريد إلكتروني: “الرئيس ترامب هو القائد بلا منازع، وأفضل موجه ومحفز للحزب الجمهوري ولا يوجد ما يماثله، وهو ملتزم بالحفاظ على الأغلبية الجمهورية في الكونغرس”.

ومع ذلك، فقد تسوء الأمور بالنسبة لترامب. فإذا سيطر الديمقراطيون على مجلس النواب، فإنهم يخططون لفتح تحقيقات في مزاعم إساءة استخدامه لمنصبه لإثراء عائلته ومنح امتيازات لأنصاره وإضعاف الحكومة الفدرالية وتنفيذ مشاريع باذخة بدون قيمة. وفي الوقت نفسه، سيتحول الاهتمام بشكل حتمي إلى السباق الرئاسي لعام 2028 ومسألة الخلافة.

ويقول بيل غالستون، الباحث البارز في معهد بروكينغز للأبحاث في واشنطن، إن التحول الحتمي في التركيز نحو المرشحين المحتملين، مثل نائب الرئيس، جيه دي فانس، أو وزير الخارجية، ماركو روبيو، سيؤدي إلى احتكاكات. وقال المستشار السابق للسياسة الداخلية لبيل كلينتون: “لا يزعجه شيء أكثر من تحول الأضواء عنه. وإن فكرة تسليم الراية والتخلي عن الأضواء مؤلمة جدا بالنسبة له، لأنها تعتبر مصدر قوته”، فهل سيتمكن من التنفس والتعبير عن نفسه روحيا وعاطفيا، بدون ذلك؟

وترامب ليس أول رئيس يواجه مشاكل بعد فوزه بولاية ثانية، فمن سقوط ريتشارد نيكسون في فضيحة ووترغيت، إلى محاكمة كلينتون، ومأزق جورج دبليو بوش في العراق، كانت الولاية الثانية بمثابة مقبرة للطموحات الرئاسية. ويصف آلان ليتشمان، مؤلف كتاب “الرؤساء الأمريكيون العظماء: 12 غيروا وجه الأمة”، هذه الظاهرة بـ”لعنة الولاية الثانية”، ويشير إلى أن “الولاية الثانية كانت صعبة للغاية على هؤلاء الرؤساء”.

ويعتقد ليتشمان، أستاذ التاريخ في الجامعة الأمريكية بواشنطن، أن ترامب مدفوع بأمرين: المال والشهرة. يقول: “لا يطيق أن يكون بعيدا عن الأضواء، وهذا أمر خطير. ولا أهتم كثيرا بتصريحاته النارية لا أعتقد أنها تفيده على الإطلاق. لكن من يدري ما قد يفعله من أمور جنونية لاستعادة الأضواء؟ وهذا أمر مخيف”.

وبمجرد شعور ترامب بأنه محاصر بالنقد من الجمهوريين والرأي العام، وأنه عالق بمشاكل داخلية وخارجية، فسيندفع لاستخدام سلطته المطلقة والأوامر التنفيذية وكل مؤسسات الدولة المسيسة، مثل وزارة العدل وقدرته على إصدار العفو، وبما أنه لا يملك ما يخسره في العامين الأخيرين من ولايته، فقد يرحل بكل قوته.

ويقول تشارلي سايكس، الكاتب والمذيع المحافظ: “يخشى دونالد ترامب التهميش أكثر من أي شيء آخر، وسيثور ضده كلما استطاع إلى ذلك سبيلا. وفكرة رحيله بهدوء ستكون ساذجة جدا ونحن نتجه نحو صدام بين رئيس منهك لا يحترم الأعراف الدستورية ومعارضة قد تمتلك بعض النفوذ لمحاسبته والمفارقة هي أنه كلما ازداد ضعفه، ازداد خطره”.

✎

فريق تحرير الحدث الإخبارية

فريق التحرير في الحدث الإخبارية — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق