نواكشوط – «القدس العربي»: لم يكن السؤال الذي طرحه الرئيس الموريتاني، محمد ولد الشيخ الغزواني، في مدينة أطار، الأحد الماضي، حول «إلى أين نسير؟» مجرد عبارة عابرة في خطاب سياسي، إذ سرعان ما تحول إلى محور نقاش واسع حول مستقبل الدولة واتجاهها، بالتزامن مع الاستعداد للحوار السياسي المرتقب، وما يمكن أن يفضي إليه من تعديلات وتغييرات في المنظومة السياسية والمؤسسية.
وجاء سؤال الرئيس في سياق حديثه عن ضرورة مواكبة مؤسسات الدولة للتحولات التي عرفها المجتمع، وتطور حاجات المواطنين، وتزايد عدد الشباب، مع التأكيد على أن الحوار المرتقب ينبغي أن يكون شاملاً وجاداً، وأن مخرجاته تنبثق من نقاش المشاركين فيه، دون إملاءات أو محظورات مسبقة.
لكن السؤال الرئاسي سرعان ما استدعى إجابات مختلفة، عكست تبايناً في قراءة المرحلة وموقع المسؤولية عنها.
وسارع النائب البرلماني ورئيس منظمة «إيرا» الحقوقية، بيرام الداه اعبيد، أبرز معارضي النظام ليعلق قائلاً: «إن الغزواني طرح «سؤالاً صحيحاً»، لكنه تساءل في المقابل عما فعلته السلطة منذ 2005، وخصوصاً منذ وصول الغزواني إلى الرئاسة عام 2019، لتقريب «موريتانيا الواقع» من «موريتانيا الخيال» التي يجري الحديث عنها»، حسب تعبيره. واعتبر ولد اعبيد أن سؤال «إلى أين نسير؟» يكتسب دلالة خاصة عندما يصدر عن رئيس الدولة، باعتباره المسؤول الأول عن قيادة البلاد وتحديد وجهتها.
ويرى ولد اعبيد أن الموريتانيين يعرفون ما يريدون، وأن الدولة التي يتطلعون إليها هي دولة مواطنة وقانون ومؤسسات، لا تُقاس فيها قيمة الإنسان بقربه من السلطة أو بانتمائه القبلي والجهوي.
ويضع في مقدمة هذه المطالب قضاءً يحمي الحقوق، وإدارة تخدم المواطن، ومؤسسات تؤدي وظائفها، ومحاسبة للفساد وصوناً للمال العام، إلى جانب توفير الماء والكهرباء والصحة والتعليم والعمل باعتبارها حقوقاً أساسية لا امتيازات مرتبطة بالوساطة والنفوذ.
في المقابل، قدم الكاتب والإعلامي البارز محمد افو، المحسوب على الموالاة، قراءة أكثر إيجابية للسؤال الرئاسي، معتبراً أن الغزواني وضع المواطن أمام مسؤولية المشاركة في تحديد اتجاه الدولة.
ويرى افو «أن المواطن لم يعد، وفق تصوره، مجرد متلقٍّ للسياسات العمومية، بل أصبح طرفاً في تحديد أولوياته واحتياجاته، مستشهداً ببرامج الدعم الزراعي والمشاريع الصغيرة والمساعدات الاجتماعية والتغطية الصحية والمخصصات النقدية المباشرة».
الموريتانيون أمام سؤال الغزواني المحير: إلى أين نسير؟
ومن هذا المنظور، فإن الإجابة عن سؤال «إلى أين نسير؟» تتمثل في دولة العدالة وسيادة القانون، والأمن والاستقرار، وتوسيع الخدمات الصحية، وترسيخ «المدرسة الجمهورية»، ودعم الفئات الهشة، وتقليص الاعتماد على الوساطة السياسية والاجتماعية.
وتعكس هذه القراءة اختلافاً أساسياً مع المعارضة: فبينما تنظر الأخيرة إلى السؤال من زاوية مسؤولية السلطة عن حصيلة السنوات الماضية، تراه الموالاة دعوة إلى البناء على ما تعتبره تحولات تحققت خلال المرحلة الحالية.
أما الكاتب الكبير محمد لحظانه، فينقل النقاش إلى مستوى آخر، متسائلاً عمن يملك حق الإجابة عن سؤال «أي دولة نريد؟».
ويرى أن الأحزاب، موالاة ومعارضة، والنخب والمفكرين يمكنهم المشاركة في النقاش، لكنهم لا يستطيعون أن ينوبوا عن المواطن في تحديد صورة الدولة التي يريد أن يعيش فيها أبناؤه.
وبالنسبة إليه، فإن السؤال الحقيقي يتصل بفرص العمل والخدمات والعدالة والمستقبل، وبقدرة الدولة على تحويل الموارد والإمكانات المحلية إلى فرص اقتصادية وتنموية يستفيد منها السكان.
ومن هنا، يلتقي سؤال الدولة بسؤال التنمية؛ فلكل ولاية خصوصياتها وإمكاناتها الزراعية والرعوية والمعدنية والسياحية والتجارية، والعدالة التنموية لا تعني بالضرورة تشابه المشاريع، وإنما تحويل خصوصية كل منطقة إلى فرصة حقيقية لسكانها.
غير أن النقاش حول «موريتانيا التي نريد» لا ينفصل عن الملف السياسي الأكثر حساسية، والمتعلق بقواعد التداول على السلطة.
فحزب اتحاد قوى التقدم حذر من أن يستهدف الحوار المرتقب «المساس» بالتداول الديمقراطي على السلطة، معتبراً أنه من «أسس الجمهورية» التي لا يجوز تعديلها دستورياً.
ورحب الحزب بتأكيد الغزواني في خطابه الأخير أن الحوار لا يستهدف المساس بأسس الجمهورية، لكنه شدد على أن التداول الديمقراطي يمثل، في نظره، أحد هذه الأسس.
واستند الحزب إلى المواد الدستورية التي تحدد مدة المأمورية الرئاسية بخمس سنوات، وتسمح بإعادة انتخاب الرئيس مرة واحدة فقط، إضافة إلى المادة 99 التي تحصّن بعض هذه الأحكام من المراجعة الدستورية.
وطالب الحزب الرئيس باتخاذ ما يلزم لمنع أي مساس بهذه القواعد، بصورة مباشرة أو «بطرق ملتوية»، معتبراً أن توضيح هذه النقطة يمكن أن يسهم في تهدئة المناخ السياسي وتعزيز الثقة في الحوار.
في المقابل، تؤكد السلطة أن الحوار المرتقب لا يستهدف المساس بأسس الدولة أو مبادئ الجمهورية، وأن تطوير المنظومة المؤسسية يأتي لمواكبة التحولات الاجتماعية والاقتصادية والديموغرافية التي شهدتها البلاد.
وكانت القوى السياسية قد وقعت في يوليو/تموز الماضي وثيقة مرجعية للحوار، بعد مسار تحضيري طويل شاركت فيه أحزاب من الأغلبية والمعارضة وشخصيات ومنظمات من المجتمع المدني.
وتشمل الملفات المطروحة قضايا تتصل بالمنظومة الانتخابية، والأحزاب السياسية، والحكامة، والوحدة الوطنية واللحمة الاجتماعية، فضلاً عن ملفات الإرث الإنساني ومخلفات الرق، وغيرها من القضايا التي ظلت حاضرة في المشهد السياسي الموريتاني.
ولذلك، فإن السؤال الذي طرحه الغزواني في أطار يأتي في لحظة تتقاطع فيها الأسئلة السياسية والتنموية والاجتماعية: أي دولة يريد الموريتانيون؟ وما الذي ينبغي تغييره في طريقة إدارة الدولة؟ وما حدود الإصلاح المؤسسي الذي يمكن أن يخرج به الحوار؟
وبينما يرى أنصار السلطة أن البلاد تسير نحو دولة أكثر حضوراً في الخدمات الاجتماعية والتنمية، يطالب معارضون بتقييم حصيلة السنوات الماضية وربط أي إصلاح جديد بمسؤولية السلطة عن الواقع القائم.
وهكذا تحول سؤال «إلى أين نسير؟» إلى سؤال مفتوح على أكثر من إجابة، وربما على أكثر من مسار سياسي.
فالاختبار الحقيقي للحوار المرتقب لن يكون فقط في عدد الملفات التي ستوضع على طاولته، وإنما في قدرته على تحويل سؤال «موريتانيا التي نريد» إلى توافقات سياسية ومؤسسية قابلة للتنفيذ، مع الحفاظ على القواعد الدستورية التي تشكل أساس النظام السياسي.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأوسع: هل سيكون الحوار محطة لإعادة ترتيب بعض قواعد اللعبة السياسية والمؤسسية، أم بداية لمسار أوسع يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن؟
ومن المفروض أن تتحدد الإجابة على طاولة الحوار، لكن ما بات واضحاً أن سؤال الرئيس في مدينة أطار خرج من سياق الخطاب الرئاسي إلى فضاء النقاش العام، وأصبح الموريتانيون، سلطة ومعارضة ونخباً ومواطنين، مطالبين بالإجابة عنه: إلى أين تسير موريتانيا؟

















0 تعليق