لقد أولت الشريعة الإسلامية كبار السن عنايةً بالغة، ورفعت شأنهم، وأكدت مكانتهم في المجتمع، فجعلت في صحبتهم الخير، وفي وجودهم البركة، وربطت بين طول العمر وحسن العمل ورفعة المنزلة عند الله تعالى. وليس التقدم في السن في المنظور الإسلامي مجرد مرحلة عمرية، بل هو ميدانٌ يزداد فيه المؤمن قربًا من ربه، وتتعاظم فيه حسناته إذا استقام على الطاعة وسدَّد في عمله.
وقد تضافرت الأحاديث النبوية الشريفة في بيان فضل كبار السن ومكانتهم، ومن ذلك ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يتمنَّ أحدُكم الموتَ، ولا يدعُ به من قبل أن يأتيه، فإنه إذا مات أحدكم انقطع عمله، وإنه لا يزيد المؤمنَ عمرُه إلا خيرًا».( رواه مسلم )
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أنبئكم بخياركم؟» قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «خياركم أطولكم أعمارًا إذا سددوا». ( رواه أحمد )، وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «خياركم أطولكم أعمارًا، وأحسنكم أعمالًا». ( رواه أحمد)
كما أكد النبي صلى الله عليه وسلم أن الخير والبركة مقرونان بالأكابر وأهل السن والخبرة، فقال صلى الله عليه وسلم: «الخير مع أكابركم»، وفي رواية: «البركة مع أكابركم». ( رواه الطبراني في المعجم الكبير والأوسط )، وتكشف هذه النصوص عن منزلة كبار السن في الإسلام، وأنهم موضعُ توقيرٍ واحترام، ومصدرُ خيرٍ وبركةٍ وحكمة، وأن طول العمر مع الإيمان والاستقامة نعمةٌ عظيمة ومنحةٌ ربانية تستوجب الشكر، وتدعو إلى رعاية المسنين والإحسان إليهم وصيانة حقوقهم وإكرامهم في مختلف شؤون الحياة.
حقوق الكبير
أولًا: توقيره وإكرامه
من الحقوق العظيمة التي قررها الإسلام لكبار السن حقُّ التوقير والإجلال والإكرام، بأن تكون لهم مكانةٌ مرموقة في النفوس، ومنزلةٌ رفيعة في القلوب، تقديرًا لما بلغوه من سنٍّ وخبرة، وما قدَّموه من عطاءٍ وجهدٍ في حياتهم. وقد كان ذلك من هدي النبي صلى الله عليه وسلم وسنته العملية، حيث دعا إلى احترام الكبير ورعاية حقه، وجعل توقيره من خصال المؤمنين وشمائلهم الكريمة.
فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جاء شيخٌ يريد النبي صلى الله عليه وسلم، فأبطأ القوم عنه أن يوسِّعوا له، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويوقر كبيرنا، ويأمر بالمعروف وينهَ عن المنكر». (رواه أبو داوود والترمذي) كما ورد عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا أتاكم كبيرُ قومٍ فأكرموه». (رواه الطبراني في الكبير)
وتدل هذه النصوص على أن إكرام الكبير ليس من قبيل المجاملات الاجتماعية فحسب، بل هو خُلُقٌ إسلامي أصيل، وشعيرةٌ من شعائر المجتمع المسلم، تُظهر معاني الرحمة والوفاء والتقدير، وتؤكد ما لكبار السن من حق الاحترام والرعاية والإجلال.
ثانيًا: طيب معاملته والإحسان إليه
ومن أعظم حقوق الكبير أن يُحسن الناس معاملته، وأن يُخاطَب بأدبٍ واحترام، ويُعامل بالرفق واللين، ويُقابل بالبشاشة والتودد، ويُجتنب ما يؤذيه من قولٍ أو فعل. فالكلمة الطيبة، والوجه البشوش، والخلق الحسن، كلها صورٌ من صور الإحسان التي حثت عليها الشريعة تجاه كبار السن.
ولقد جعل الإسلام إكرام الكبير من إجلال الله تعالى وتعظيمه، فعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن من إجلال الله إكرامَ ذي الشيبة المسلم». ( رواه أبو داوود)، وجاء عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: «إن من أعظم إجلال الله عز وجل إكرام الإمام المقسط، وذي الشيبة المسلم». ( أخرجه البيهقي في شعب الإيمان موقوفًا على ابن عمر).
ومن ثَمَّ فإن حسن معاملة الكبير، ورعاية مشاعره، واحترام مكانته، ليست مجرد آداب اجتماعية، وإنما هي عبادةٌ يتقرب بها العبد إلى الله تعالى، وينال بها رضاه وأجره.
ثالثًا: البداءة بسلامه وحسن استقباله
ومن الحقوق التي اعتنت بها الشريعة الإسلامية حقُّ الكبير في التقدير عند اللقاء، وذلك ببدئه بالسلام، وإظهار الاحترام له، وإفساح المجال له في المجالس، وحسن استقباله، والإنصات إلى حديثه، وتقديمه فيما يليق به من شؤون المجالس والمعاملات.
وقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى مراعاة حق الكبير في التقديم والتوقير، فقال: «يُسلِّمُ الصغيرُ على الكبير» (متفق عليه)، فجعل للكبير مزيةً تقتضي تقديمه في التحية وإظهار الاحترام له عند اللقاء.
كما أن البداءة بسلامه، والتبسط معه في الحديث، وإشعاره بالمحبة والتقدير، من صور البر والإحسان التي تُنمِّي أواصر المودة والتراحم بين أفراد المجتمع، وتبعث في نفس كبير السن الشعور بالمكانة والاعتبار، وتؤكد القيم الإسلامية القائمة على الوفاء والاحترام وصيانة الحقوق.
رابعًا: إحسان خطابه ومخاطبته بأدبٍ واحترام
ومن حقوق كبير السن أن يُخاطَب بألطف الألفاظ وأحسن العبارات، وأن يُراعى في الحديث معه ما له من قدرٍ ومكانة، فلا يُنادى باسمه مجردًا على وجهٍ يُشعر بالجفاء، بل يُختار له من الألفاظ ما يدل على التوقير والاحترام؛ كقول: "يا عم"، أو "يا شيخ"، أو غير ذلك من الألقاب التي جرى العرف على استعمالها في إكرام الكبار وتقديرهم.
وقد جرى هدي السلف الصالح على مخاطبة كبار السن بألفاظ التبجيل والتوقير؛ فعن أبي أمامة بن سهل قال: صلينا مع عمر بن عبد العزيز الظهر، ثم خرجنا حتى دخلنا على أنس بن مالك رضي الله عنه، فوجدناه يصلي العصر، فقلت: "يا عم، ما هذه الصلاة التي صليت؟" قال: "العصر، وهذه صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي كنا نصلي معه".
وعن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال: بينما أنا واقف في الصف يوم بدر نظرت عن يميني وشمالي، فإذا أنا بين غلامين من الأنصار حديثة أسنانهما، فغمزني أحدهما فقال: "يا عم، هل تعرف أبا جهل؟" فقلت: نعم، وما حاجتك إليه يا ابن أخي؟ فذكر حاجته إليه.
وتكشف هذه المواقف عن عمق ما كان عليه سلف الأمة من الأدب مع الكبار، وإظهار الاحترام لهم في ألفاظ الخطاب والتعامل، وهو أدب رفيع يعكس ما يحمله المجتمع المسلم من معاني التقدير والوفاء لأصحاب السن والخبرة.
خامسًا: تقديمه في الكلام وسائر وجوه التكريم
ومن حقوق كبير السن أن يُقدَّم على غيره فيما يُناسبه من شؤون المجالس والمعاملات، فيُقدَّم في الكلام، ويُراعى حقه في الطعام والشراب، ويُحترم عند الدخول والخروج، ويُفسح له المجلس، كل ذلك إكرامًا لسنه وتقديرًا لفضله.
وقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا الأدب الرفيع في أكثر من موطن؛ فعن سهل بن أبي حثمة رضي الله عنه في قصة مقتل عبد الله بن سهل بخيبر، أن عبد الرحمن بن سهل رضي الله عنه أراد أن يتكلم بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: «كبر، كبر»، أي: ليبدأ الأكبر سنًّا بالكلام، فتقدم من هو أسنُّ منه.
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بينما أنا أتسوك بسواك، فجاءني رجلان أحدهما أكبر من الآخر، فناولت السواكَ الأصغر منهما، فقيل لي: كبِّر، فدفعته إلى الأكبر منهما». وتدل هذه النصوص على أن الشريعة راعت حق الكبير في التقديم والتكريم، وجعلت ذلك من مكارم الأخلاق التي تُشيع الاحترام بين أفراد المجتمع، وتحفظ للأكابر مكانتهم اللائقة بهم.
وقد كان شباب الصحابة والتابعين أروع الأمثلة في هذا الباب؛ إذ جمعوا بين العلم والأدب، فكانوا يوقرون كبار السن ويحفظون حقوقهم، ولا يتقدمون عليهم إلا بإذنهم. ومن أجمل النماذج الدالة على ذلك ما رواه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يومًا لأصحابه: «إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المسلم، فحدثوني ما هي؟». قال ابن عمر: فوقع في نفسي أنها النخلة، ولكني استحييت أن أتكلم وفي القوم من هو أكبر مني سنًّا، ثم أخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم بأنها النخلة.
وفي هذا الموقف صورة مشرقة من صور الأدب مع الأكابر، حيث حمل احترام الكبير ابن عمر رضي الله عنهما على الإمساك عن الكلام مع علمه بالجواب، تأدبًا مع من هم أكبر منه سنًّا وأرفع مقامًا.
سادسًا: الدعاء له
ومن الحقوق الواجبة لكبير السن الدعاء له بطول العمر في طاعة الله، وبحسن الخاتمة، ودوام الصحة والعافية، اعترافًا بفضله، وتقديرًا لما بذله من جهدٍ وعطاءٍ طوال حياته. فالدعاء للكبير لونٌ من ألوان البر والإحسان، وعلامةٌ على الوفاء ورد الجميل، ولا سيما إذا كان من الوالدين أو الأقارب أو أهل الفضل والعلم.
كما أن الدعاء لكبار السن يُشعرهم بالمحبة والتقدير، ويغرس في المجتمع معاني الرحمة والتكافل والتراحم بين الأجيال، وهي القيم التي حرص الإسلام على ترسيخها وبنائها في نفوس أبنائه.
وخلاصة القول:
فإن رعاية كبار السن وتوقيرهم والإحسان إليهم ليست مجرد قيمةٍ اجتماعية أو مظهرٍ حضاري، بل هي عبادةٌ جليلةٌ وخلقٌ نبيلٌ حثَّ عليه الإسلام، وجعله عنوانًا على كمال الإيمان ورقيِّ الأخلاق. فالأكابر مواضعُ البركة، ومستودعاتُ الخبرة، وشهودُ التجارب، وإكرامهم وفاءٌ للماضي، وبناءٌ للحاضر، وحفظٌ لقيم الرحمة والتراحم في المجتمع.
فطوبى لمَن عرف للكبير قدره، وحفظ له حقه، وأحسن إليه قولًا وفعلًا؛ فإن الجزاء من جنس العمل، والرحمة تُستجلب بالرحمة، والفضل لا يعرفه إلا أهل الفضل. ونسألُ الله أن يرزقنا حُسنَ الأدب مع أكابرنا، وأن يجعلنا من أهل البرِّ والإحسان والوفاء. وآخرُ دعوانا أن الحمدُ لله ربِّ العالمين.
- في ضيافة Nile TV، أمير رمسيس يتناول تأثير التقنيات الرقمية على مستقبل الإخراج
- فادلو دافيدز: الزمالك فاوضني وأرغب في التدريب بالدوري المصري
- تفسير رؤيا القاضي في المنام وعلاقتها بشفاء المريض ونهاية المشاكل العائلية
- أخبار الفن اليوم.. شيرين عبد الوهاب تطرح أحدث أغانيها.. رضا الوكيل مستمر في رئاسة دار الأوبرا رغم إعلان استقالته.. سعد الصغير يكشف الأمنية الأخيرة لعازف الأورج بلال جعفر
- سهرات جديدة على إذاعة الشرق الأوسط قريبًا


















0 تعليق