15 وزير داخلية.. بدل وزير لكل وزارة!

منذ 52 دقيقة

تخيلوا معي مصر لو أن كل وزير قرر أن يفعل ما يفعله اللواء محمود توفيق! لا أقصد أن يمسك وزير الصحة عصا، أو أن ينظم وزير التعليم كمينًا، أو أن يرتدي وزير الكهرباء بدلة الشرطة! وإنما أقصد شيئًا أكثر أهمية: أن تكون لدى كل وزير عين مفتوحة على الشارع، وأذن تسمع المواطن، وإرادة تتحرك فورًا عندما ترى مشكلة، وحزم ينهي التجاوز بدلًا من أن يتركه يتمدد حتى يتحول إلى أزمة. 

وهنا يجب أن نعطي اللواء محمود توفيق حقه كاملًا؛ فالقضية ليست أنه استخدم الكاميرات أو استفاد من مواقع التواصل الاجتماعي، فالكاميرات موجودة منذ سنوات، والهواتف في أيدي المواطنين منذ سنوات، ومواقع التواصل تعج بالفيديوهات والشكاوى والاستغاثات منذ زمن. 

الجديد هو أن ما تلتقطه الكاميرا وما يصوره المواطن لم يعد بالضرورة مجرد مقطع ينتشر لساعات ثم يختفي وسط ملايين المنشورات، وإنما يمكن أن يتحول إلى معلومة يتم رصدها وفحصها، ثم إلى قرار وتحرك وتنفيذ عندما تثبت الواقعة. وهنا تحديدًا يكمن السبق الذي يستحق أن يُنسب إلى تجربة وزير الداخلية: تحويل الرصد إلى فعل. 

فليس الإنجاز أن ترى الواقعة، وإنما أن تراها ثم تتحرك. وليس الإنجاز أن يصل إليك فيديو لواقعة بلطجة أو اعتداء أو تجاوز، وإنما أن يتم فحصه، وتحديد ملابساته، والوصول إلى المسؤول عنها، ثم اتخاذ الإجراء القانوني. وليس الإنجاز أن تصدر تعليمات، وإنما أن تتابع تنفيذها على أرض الواقع. رصد.. فحص.. قرار.. تنفيذ.. متابعة. هذه هي الحلقة التي تصنع الفارق.

وزارة الداخلية كانت موجودة دائمًا في الشارع. رجال الشرطة كانوا موجودين، والأقسام والدوريات والقانون كانوا موجودين. إذن لماذا أصبح المواطن يتحدث اليوم عن حضور وزارة الداخلية وفاعلية رجالها في ضبط البلطجة والتجاوزات؟


لأن وجود الوزارة أصبح أكثر فاعلية ووضوحًا في نظر المواطن. المواطن يرى واقعة يتم تصويرها، ثم يرى تحركًا بشأنها. يرى تجاوزًا موثقًا، ثم يرى فحصًا للواقعة وإجراءات قانونية عندما تثبت صحتها. وهنا يتولد شعور مهم للغاية: أن هناك من يرى ما يراه المواطن، وأن الدولة ليست بعيدة عن الشارع، وأن من يتجاوز القانون ليس بمنأى عن المساءلة.

وهنا يجب أن نعطي الوزير حقه مرة أخرى؛ لأن الأدوات كانت موجودة، والوزارة كانت موجودة، والرجال كانوا موجودين، ولكن القيادة هي التي تستطيع أن تجعل الأداء أكثر فاعلية، وأن تجعل رسالة الوزارة تصل إلى المواطن بصورة أكثر وضوحًا. الوزير هو الذي يقرر كيف يتعامل جهازه مع ما يحدث حوله، وكيف يحول المعلومات إلى تحرك، وكيف يجعل التنفيذ هو نهاية القرار وليس مجرد صدوره. 

ولهذا فإن ما نراه في تجربة وزارة الداخلية لا يتعلق بالكاميرات وحدها، ولا بمواقع التواصل الاجتماعي وحدها، وإنما يتعلق بمسؤول قرر أن يكون فاعلًا في أداء رسالته، وأن يستخدم الأدوات المتاحة أمامه للوصول إلى الواقع، ومواجهة التجاوزات، وتطبيق القانون على من تثبت مخالفته.

وهذا تحديدًا هو ما نحلم أن يفعله كل وزير في وزارته. فماذا لو خصص كل وزير ساعتين فقط من يومه الطويل؟
ساعتين لا ليتابع أخبار افتتاحات وزارته، ولا بيانات الإنجازات، ولا التقارير التي تخبره بأن «كل شيء على ما يرام»، وإنما ليرى المواطن كما هو، من خلال ما ينشره المواطنون أنفسهم على مواقع التواصل الاجتماعي؟

هناك صفحات كاملة لأولياء أمور طلاب التعليم الأساسي، وشكاوى وفيديوهات توثق مشكلات داخل المدارس. وهناك طلاب وأساتذة في الجامعات يوثقون ما يواجهونه داخل العملية التعليمية. وهناك مرضى يصورون معاناتهم في المستشفيات الحكومية والتأمين الصحي، وأطباء يوثقون الاعتداءات التي يتعرضون لها أثناء أداء عملهم.

وهناك فلاحون يتحدثون عن نقص الأسمدة أو غياب الإرشاد الزراعي أو تهديد المحاصيل. وهناك أسر تعيش في قرى تعاني نقص المياه أو الصرف الصحي.

وهناك شباب يبحثون عن حقهم في ممارسة الرياضة، وأصحاب معاشات يطاردون الإجراءات والمكاتب، وأسر لا تبحث عن رفاهية وإنما عن الحد الأدنى من الحياة. كل هؤلاء موجودون. والكاميرات موجودة. والهواتف موجودة. ومواقع التواصل الاجتماعي ممتلئة بالشكاوى والفيديوهات والاستغاثات. 


إذن أين المشكلة؟ المشكلة أن المواطن يستطيع أن يتحدث إلى الملايين، بينما قد لا يصل صوته إلى المسؤول الذي يملك مفتاح الحل. وهنا نريد من كل وزير أن يستعير من تجربة محمود توفيق الفكرة الأساسية: لا تكتفِ بأن تعرف.. تحرك. إذا شاهد وزير الصحة مريضًا يستغيث من مشكلة حقيقية، فليسأل: أين المستشفى؟ من المسؤول؟ ماذا حدث؟ ولماذا لم تُحل المشكلة؟ وإذا شاهد طبيبًا يوثق اعتداءً تعرض له، فليسأل: ماذا حدث؟ وهل اتُخذت الإجراءات اللازمة؟


وإذا شاهد مدرسة تتكرر فيها المشكلة نفسها، فليسأل: أين إدارة المدرسة؟ وأين الإدارة التعليمية؟ وإذا شاهد طلابًا يوثقون مشكلة حقيقية داخل جامعة، فلا يطلب منهم أن يعيدوا تقديم الشكوى في ثلاث نسخ، مع صورة بطاقة وشهادة ميلاد وصورة من الشكوى السابقة! فالطلاب قدّموا الشكوى بالفعل.. بالكاميرا.

وإذا شاهد وزير الزراعة فلاحا يستغيث من نقص الأسمدة، فليسأل: أين الأسمدة؟ ومن المسؤول عن توزيعها؟ وأين منظومة الإرشاد؟ وإذا شاهد قرية بلا مياه أو صرف صحي، فلا تكون الإجابة المعتادة: «الموضوع مدرج في الخطة». لأن كلمة «الخطة» أصبحت أحيانًا بالنسبة إلى المواطن مرادفًا لعبارة: انتظر إلى أجل غير مسمى!

أما وزير الكهرباء، فلو خصص ساعتين لمتابعة شكاوى المواطنين، فقد يجد أمامه مواطنًا يقول: تقدمت بطلب للحصول على عداد، وكل أوراقي سليمة، وقيل لي إن التركيب سيكون بعد شهر. بعد شهر؟ إنه عداد كهرباء، وليس حجزًا لشاليه!

وقد يجد مواطنًا آخر يقول إن العداد الموجود لديه يعمل بصورة طبيعية، ولا يوجد به عطل أو حريق أو شكوى، ومع ذلك يأتي فني ويقرر إزالة العداد وتركيب عداد مسبق الدفع. وهنا السؤال البسيط: من طلب تغيير العداد؟ المواطن؟ لا. فمن اتخذ القرار؟ الفني. 

ولماذا يدفع المواطن آلاف الجنيهات مقابل قرار لم يتخذه ولم يطلبه؟ العداد القديم يعمل، والمواطن لم يطلب تغييره، والفني قرر تغييره.. ثم أصبح المواطن مطالبًا بدفع ثمن القرار الذي لم يتخذه!


وقد يجد مواطنًا ثالثًا يستيقظ ليكتشف أن عداده أصبح «كوديًا»، وأنه أصبح مصنفًا «مخالفًا»، وهو آخر من يعلم بقرار يتعلق ببيته. العداد تغيّر.. والمخالفة ظهرت.. والمبلغ طُلب.. والمواطن يقف متفرجًا على حياته وهي تتغير من دون أن يعرف من قرر ولماذا! هنا لا يحتاج الوزير إلى تقرير من عشرين صفحة. يحتاج إلى سؤال واحد: من فعل ذلك؟ ولماذا؟ فإذا كان الأمر صحيحًا، فليُشرح للمواطن. وإذا كان هناك خطأ أو تقصير، فليتم التحقيق والمحاسبة وفق القانون. المهم ألا يصبح المواطن آخر من يعلم بما يحدث في بيته وملفه وحقه.

وتخيلوا وزير التموين يرى فيديو لمشكلة داخل أحد المنافذ، فيسأل: أين المكان؟ ومن المسؤول؟ ووزير النقل يرى مشكلة متكررة في محطة أو وسيلة نقل، فلا ينتظر حتى تتحول إلى حادث. ووزيرة التضامن ترى سيدة تطارد حقها في المعاش بين المكاتب، فتطلب الملف وتسأل: لماذا تدور هذه السيدة في هذه الدائرة؟

ووزير الشباب والرياضة يرى شابًا يقول إن الملعب موجود لكنه لا يستطيع استخدامه، فيسأل: لمن هذا الملعب؟ ومن المستفيد منه؟ ووزير الإسكان يرى أسرة تعيش منذ سنوات وسط مشكلة مياه أو صرف صحي، فلا يكتفي بعبارة «مدرج بالخطة»، وإنما يسأل: متى تنتهي المشكلة؟ لأن المواطن لا يريد أن يعرف اسم الخطة. المواطن يريد أن يعرف متى ستُحل المشكلة.

وهنا نصل إلى جوهر الفكرة كلها: تجربة وزارة الداخلية تقول إن الرصد وحده لا يكفي. أن ترى.. ثم تقرر. أن تقرر.. ثم تنفذ. أن تنفذ.. ثم تتابع. وأن تعرف أن عبارة «تم اتخاذ اللازم» ليست نهاية الحكاية، وإنما بداية السؤال الحقيقي: ماذا تم اتخاذه بالفعل؟ لأن الدولة لا ينقصها المواطن الذي يصور المشكلة، ولا ينقصها الهاتف الذي ينقلها، ولا ينقصها مواقع التواصل التي تكشفها.


الذي نحتاجه هو المسؤول الذي يرى كل ذلك ثم يقول: هذه مشكلة، وهذا هو المسؤول عنها، وهذا هو القرار، وأريد أن أرى التنفيذ. وهنا يصبح المواطن نفسه جهاز إنذار مبكر لكل وزارة. المواطن يصور. والصفحات توثق. ومواقع التواصل تكشف. والوزير يرى. ثم يصدر القرار. ثم يتم التنفيذ. ثم تأتي المتابعة.

وهذا هو الفارق الذي يجعل تجربة اللواء محمود توفيق جديرة بالتوقف أمامها: الوزارة كانت موجودة، لكن الأداء أصبح أكثر فاعلية، فأصبح وجودها محسوسًا في الشارع. وأصبح المواطن يرى، في وقائع متعددة، أن هناك من يتابع ما يحدث، وأن البلاغ أو الفيديو أو الاستغاثة يمكن أن تصل إلى أجهزة الوزارة، وأن التجاوز الذي يثبت وقوعه يمكن أن يواجه بإجراءات قانونية.


وهذا هو الشعور الذي نريد أن ينتقل إلى كل وزارة: أن يشعر المواطن أن الوزارة موجودة من أجله، وأنها تقف إلى جانبه عندما يتعرض لتجاوز أو ظلم أو إهمال، وأن الموظف الذي يتعسف معه ليس أقوى من القانون، وأن المسؤول الذي يهمل شكواه ليس بمنأى عن المساءلة.


لا نريد 15 وزير داخلية بالمعنى الحرفي. نريد 15 وزيرًا لديهم الجدية نفسها في أداء الرسالة: يرون، ويسمعون، ويتخذون القرار، وينفذون، ويتابعون. نريد كل وزير أن يفعل ما فعله وزير الداخلية في نقطة جوهرية: أن يجعل أدوات عصره في خدمة مهمته، وأن يربط الوزارة بالشارع، وأن يحول ما يراه المواطن إلى معلومة، والمعلومة إلى قرار، والقرار إلى فعل. فلو فعل كل وزير ذلك، ماذا سيكون حال البلد؟

ربما لن تختفي كل المشكلات في يوم وليلة، لكن شيئًا جوهريًا سيتغير: المشكلة لن تبقى وحدها في مواجهة المواطن. سيكون هناك وزير يراها. ومسؤول يتابعها. وقرار يعالجها. وتنفيذ يمكن محاسبته. وهذا هو كل ما نحلم به. أن يكون لكل وزارة وزير لا يكتفي بأن يعرف ما يحدث داخل مبنى وزارته، وإنما يعرف أيضًا ما يحدث خارجه. 

أن يرى مصر من شاشة هاتف المواطن، لا من شاشة التقارير فقط. أن يسمع الشكوى قبل أن تتحول إلى صرخة. وأن يتحرك قبل أن تتحول المشكلة إلى كارثة. 

باختصار: لا نريد 15 وزير داخلية.. نريد 15 وزيرًا يعرفون كيف يجعلون وزارتهم حاضرة وفاعلة في حياة الناس، كما أصبحت وزارة الداخلية أكثر حضورًا وفاعلية في الشارع.

✎

فريق تحرير الحدث الإخبارية

فريق التحرير في الحدث الإخبارية — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق