قتلوهم واختفوا، تفاصيل مذبحة شمس الدين بالمنيا من البلاغ الأول إلى حكم النقض

منذ ساعة

في الساعات الأولى من صباح الخميس 29 ديسمبر 2005، كانت عزبة شمس الدين التابعة لمركز بني مزار في محافظة المنيا تستعد ليوم عادي، قبل أن تستيقظ على واحدة من أكثر الجرائم غموضًا في تاريخ المحافظة، بعدما عُثر على 10 أشخاص من 3 أسر مقتولين داخل 3 منازل متجاورة، لتبدأ رحلة تحقيقات طويلة انتهت ببراءة المتهم الوحيد، وبقاء سؤال واحد بلا إجابة: من ارتكب مذبحة شمس الدين؟

فجر 29 ديسمبر.. المنيا تستيقظ على المذبحة

في نحو السادسة والنصف صباحًا، وصل بلاغ إلى مركز شرطة بني مزار يفيد بالعثور على قتلى داخل منازل في عزبة شمس الدين، وانتقلت قوات الشرطة إلى المكان، لتتكشف أمامها تفاصيل الجريمة التي طالت 10 أشخاص من ثلاث أسر.

«قتلوا 10 في ليلة واحدة واختفوا».. مذبحة شمس الدين بالمنيا بعد 21 عامًا: متهم بُرئ والقاتل مجهول

كانت الأسرة الأولى تضم سيد محمود محمد عبده، وزوجته صباح علي عبدالوهاب، وطفليهما أحمد وفاطمة، بينما ضم المنزل الثاني طه عبدالحميد محمد ووالدته هند أحمد حسن، وفي المنزل الثالث عُثر على يحيى محمد أبوبكر وزوجته نعمات علي محمد وطفليهما محمود وأسماء.

مذبحة شمس الدين بالمنيا

كانت تلك اللحظة بداية واحدة من أشهر قضايا محافظة المنيا، فالجريمة لم تقع في منزل واحد، وإنما امتدت إلى 3 منازل، بينما لم تكن هناك، وفق ما ورد في التحقيقات الأولية، خصومات ثأرية معروفة بين الأسر الثلاث. 

3 منازل و10 ضحايا.. لغز أربك التحقيقات

أظهرت المعاينات أن الضحايا تعرضوا لاعتداءات بالغة، فيما تضمنت القضية تفاصيل جنائية شديدة القسوة زادت من صعوبة تفسير ما حدث، ومن بينها العثور على أجزاء من الجثامين في محيط المنازل.

وفي الوقت نفسه، لم تظهر في البداية إجابة واضحة عن كيفية انتقال الجاني بين المنازل الثلاثة وتنفيذ الجريمة دون أن يستيقظ أحد من الضحايا أو يسمع الجيران ما يكشف هوية مرتكبها.

وتحولت عزبة شمس الدين خلال ساعات إلى مسرح تحقيقات واسع، وانتقل رجال البحث الجنائي بين أقوال الأهالي والشهود والأدلة المادية، في محاولة لتحديد الشخص الذي كان موجودًا في محيط المنازل خلال الساعات السابقة لاكتشاف الجريمة.

تقارير الطب الشرعي

وكشفت تقارير الطب الشرعي في قضية مذبحة شمس الدين عن تفاصيل قاسية بشأن حالة الضحايا، إذ أظهرت الفحوص أن الوفاة نتجت عن إصابات عنيفة تسببت في كسور وتهتكات وإصابات بالمخ والأوعية الدموية، فيما كشفت المعاينات عن تعرض بعض الجثامين، بعد الوفاة، لعمليات بقر في جدار البطن وتشويه إضافي. 

إلى جانب استئصال الأعضاء التناسلية الخارجية لبعض الضحايا واستئصال قرنيات 3 منهم، بينما لم تكشف الفحوص عن وجود مواد مخدرة أو مهدئة أو سموم في العينات التي جرى تحليلها، وهي التفاصيل التي أصبحت لاحقًا جزءًا مهمًا من مناقشة الأدلة أمام المحكمة.

من مجهول إلى متهم.. القبض على محمد عبداللطيف

بعد أيام من الجريمة، اتجهت التحريات إلى أحد أبناء العزبة، وهو محمد علي محمد أحمد عبداللطيف، وجرى القبض عليه، ثم أصبح المتهم الوحيد في القضية.

وتضمنت التحقيقات اعترافات منسوبة إليه، كما جرى بحث حالته النفسية والعقلية، وناقشت النيابة والمحكمة الأدلة التي قُدمت ضده، بينها أقوال الشهود والتقارير الفنية والمعاينات.

لكن دخول القضية مرحلة الاتهام لم يكن نهاية اللغز، بل كان بداية فصل أكثر تعقيدًا، لأن الأدلة التي بدت في مرحلة التحقيق كافية لتوجيه الاتهام، واجهت أمام المحكمة أسئلة تتعلق بالتوقيت، وطبيعة الإصابات، وإمكانية تنفيذ الجريمة كاملة بواسطة شخص واحد.

المحكمة تسأل: هل يستطيع شخص واحد ارتكاب المذبحة؟

أمام محكمة جنايات المنيا، أصبحت القضية تدور حول سؤال جوهري: هل يستطيع شخص واحد تنفيذ كل ما ورد في التحقيقات خلال الفترة الزمنية المحددة؟

وبحسب حيثيات الحكم التي أودعتها المحكمة في أكتوبر 2006، رأت المحكمة أن التوقيتات الواردة في الأوراق لا تستوعب ارتكاب الواقعة بواسطة شخص واحد، كما توقفت أمام عدم استيقاظ الضحايا، وعدم وجود آثار دماء على بعض المضبوطات المنسوبة إلى المتهم. 

حيثيات حكم البراءة وتفاصيل الأدلة

كما ناقشت المحكمة اعترافات المتهم، وانتهت إلى عدم الاطمئنان إليها، بعدما استند الدفاع إلى تعرضه وأفراد من أسرته لضغوط وإكراه، وهي وقائع أوردتها المحكمة ضمن أسباب الحكم، قبل أن تقضي ببراءته.

2006.. البراءة تعيد القضية إلى نقطة الصفر

في عام 2006، صدر حكم محكمة جنايات المنيا ببراءة محمد عبداللطيف من الاتهامات المنسوبة إليه.

ولم يكن الحكم مجرد خروج متهم من القضية، بل أعاد السؤال إلى بدايته: إذا كان المتهم بريئًا وفق الحكم، فمن قتل الأسر الثلاث؟

تقارير الطب الشرعي

وأشارت حيثيات البراءة إلى تناقضات في عناصر القضية، وإلى عدم تصور تنفيذ الجريمة بالصورة الواردة في الاتهام بواسطة المتهم بمفرده خلال المدة الزمنية المحددة.

2008.. النقض تؤيد البراءة

لم تتوقف القضية عند حكم الجنايات، إذ طعنت النيابة على الحكم، قبل أن تؤيد محكمة النقض في ديسمبر 2008 براءة محمد عبداللطيف، مستندة إلى ما ورد في القضية من تضارب في التقارير الطبية وأقوال الشهود وعدم معقولية بعض عناصر الرواية الاتهامية، وبذلك أصبح الحكم بالبراءة نهائيًا، ولم تنته القضية إلى إدانة قضائية لشخص آخر.

روايات كثيرة.. لكن الحقيقة القضائية واحدة

على مدار السنوات، ظهرت روايات شعبية وإعلامية متعددة لتفسير الجريمة، من بينها الحديث عن السحر والآثار والبحث عن كنوز، لكن هذه الروايات لم تتحول إلى حقيقة قضائية مثبتة في الحكم النهائي.

ولهذا بقيت مذبحة بني مزار مختلفة عن كثير من جرائم القتل الجماعي؛ فهناك ضحايا معروفون، ومسرح جريمة معروف، وتحقيقات ومحاكمة وحكم نهائي، لكن لا يوجد حتى الآن حكم قضائي يدين شخصًا بارتكاب الجريمة.

لماذا ظلت مذبحة شمس الدين بلا قاتل؟

المفارقة الأكبر في مذبحة شمس الدين بالمنيا أن أجهزة البحث الجنائي تمكنت بالفعل من الوصول إلى متهم وتقديمه للمحاكمة، لكن المحكمة لم تجد في الأدلة ما يكفي لإدانته، ثم أيدت محكمة النقض البراءة.

وهكذا، لم تكن النهاية «إدانة قاتل»، وإنما عودة القضية إلى مربعها الأول: 10 ضحايا، 3 منازل، متهم حصل على البراءة، ومرتكب لم تثبت هويته قضائيًا.

وبعد نحو 21 عامًا من فجر 29 ديسمبر 2005، لا تزال عزبة شمس الدين تحمل ذكرى واحدة من أكثر القضايا غموضًا في بني مزار ومحافظة المنيا، بينما يبقى السؤال الذي بدأ مع أول بلاغ: «مين قتلهم؟» بلا إجابة قضائية نهائية حتى الآن.

✎

فريق تحرير الحدث الإخبارية

فريق التحرير في الحدث الإخبارية — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

أخبار ذات صلة

0 تعليق